Nouvelles Locales

ماذا أنجز لبنان من الإصلاحات التي طلبها صندوق النقد؟… (النهار 4 تموز)

مع توصّل صندوق النقد الدولي إلى اتفاق على مستوى الخبراء بشأن السياسات الاقتصادية مع لبنان للافادة من “تسهيل الصندوق الممدد” لأربع سنوات وإمكان إبرام اتفاق رسمي، عاد الحديث عن ضرورة اللجوء الجدي إلى الصندوق كمخرج أساسي للبنان من أسوأ أزمة ألمّت باقتصاده، لندخل في سجال بين موالٍ ومعارض لطروحات صندوق النقد وشروطه، وما إذا كان هناك بديل من الصندوق في رحلة لبنان الإصلاحية.

يضع الصندوق شرط تحرير سعر الصرف ضمن أولوياته وإنْ أضحى اهتمامه منصباً أكثر على توحيد أسعار الصرف التي باتت، بسبب الفوضى السائدة حاليا، أكثر من 5 أسعار أخيرا. ولكن الحقيقة، وفق ما يقول مدير الأبحاث في اتحاد أسواق المال العربية الدكتور فادي قانصو، أن لبنان “بات قاب قوسين من عملية تحرير لسعر الصرف، لاسيما في أعقاب عملية رفع الدعم من مصرف لبنان عن معظم السلع المدعومة سابقا من محروقات وغذاء وأدوية، إلى الاتصالات والانترنت وحتى القروض المصرفية بالدولار التي أصبحت تُحصّل إما بالدولار وإما باللولار، مرورا باستعمال مصطلح “سعر السوق” من مصرف لبنان ووزارة المال في معظم تعاميمهما. وتاليا مع لجوء مصرف لبنان في الآونة الأخيرة إلى تقليص الفارق بين سعر السوق الموازية وسعر منصة صيرفة، فإن سعر الصرف في السوق الموازية بات أكثر فأكثر بمثابة سعر السوق السائد لتسعير معظم السلع والخدمات، وهو ما يعني دخولنا مرحلة دفن سعر الصرف الرسمي.

ويطالب صندوق النقد برفع الدعم عن الاستيراد والسلع والخدمات، لأن الدعم يشجع على التهريب، ويفضل دعم الناس بالأموال على دعم السلع، مع توسيع نطاق الدعم النقدي للفقراء، ما يتعين على السلطات توجيه نصف نقطة مئوية إضافية من الناتج المحلي الإجمالي للإنفاق على شبكة أمان اجتماعي”. فعليا، يقول قانصو: “دخلنا مرحلة رفع الدعم الكامل عن معظم السلع في لبنان. توازيا، أقر مجلس النواب بطاقة تمويلية مخصصة للأسر الأكثر فقرا، ولكن عملية تمويل البطاقة تعثرت نسبيا وهي في انتظار جواب البنك الدولي حول تمويلها بعدما نفّذت الدولة كل الشروط المطلوبة منها، في حين بدأت الدولة بدفع مساعدات شهرية من خلال برنامج أمان المخصص لـ 150 ألف أسرة من الأكثر فقرا”.

من أولويات صندوق النقد وضع خطة متوسطة الأجل لسد العجز المالي للبنان الآخذ في الاتساع والعودة بالدَّين العام إلى مستويات قابلة للاستدامة، الأمر الذي دفع بالصندوق إلى المطالبة بالإسراع في زيادة الإيرادات الضريبية وهو ما تحقق فعليا في الاعوام القليلة المنصرمة، برأي قانصو، أو ورد في موازنة العام 2022. أضف إلى ذلك، “المطالبة بإلغاء دعم الكهرباء مع زيادة الرسوم لسد العجز المالي لمؤسسة الكهرباء في أسرع وقت ممكن من أجل تحقيق وفورات، وقد نكون متجهين في المرحلة المقبلة مرغمين نحو هذا الخيار كما حصل في قطاع الاتصالات”.

أما المطلب الرابع الذي يشكل أبرز تحديات الدولة في المرحلة المقبلة، فيكمن في “تقليص حجم القطاع العام وإعادة هيكلته. فالحكومات العتيدة ستواجه في المرحلة المقبلة معضلة أساسية متمثلة بفائض الموظفين في الإدارة العام، إذ يُصنف لبنان ثالث دولة عربية من حيث عدد موظفي القطاع العام، وهو بحاجة إلى صرف نحو 100 ألف موظف من أصل 320 ألفاً تقريبا، أضف إلى ذلك نحو 100 مؤسسة عامة اتُّفق على إقفالها في الحكومات المتعاقبة، ولكن لم يتم بتّها حتى الساعة”. ووفق قانصو فان هذه الشروط “يصعب تحقيقها على يد الطبقة السياسية نظراً الى ما قد تسببه من نقمة شعبية عارمة وإفقار ممنهج في ظل الظروف الحالية المأزومة”. في الواقع، يقول قانصو: “تأتي هذه الخطوة في مرحلة متقدمة بعد تطوير قطاع خاص منتج قادر على استيعاب جزء منهم، وقد يتطلّب تنفيذها سنوات من العمل حتى نصل إلى قطاع عام يتماشى مع إنتاجية الإدارة اللبنانية، ولكن إلى حينه فإن الدولة قادرة على تخفيف نفقاتها من دون المسّ بالموظفين ورواتبهم”.

من هنا، بات واضحا أن جزءا كبيرا من مطالب صندوق النقد أصبح في خانة التحقق التلقائي نظرا إلى التدهور الحاصل اقتصاديا وماليا ونقديا، ما يدفعنا إلى التساؤل باستغراب حول هذه الاستماتة من السلطات لاستدانة 3 مليارات دولار من الصندوق، في وقت أُهدِر نحو 20 مليار دولار خلال عامين على تمويل مشتبه فيه لدعمٍ توجَّه بمعظمه نحو المحتكرين والمهربين. ولكن في المقابل، يبرر البعض بأن ما يطمح إليه لبنان من خلال التعاون مع صندوق النقد هو إضفاء صدقية على المساعي الإصلاحية المطروحة وتعزيز القدرة على استقطاب المساعدات الخارجية عبر مرجع رقابي صارم لإدارة البرنامج الإصلاحي وهو ما يفتقده لبنان، وأن لا بديل من صندوق النقد في الوقت الراهن. ولكن برأي قانصو ان هذا التبرير غير دقيق، “إذ لا نزال نملك احتياطا إلزاميا لدى مصرف لبنان بنحو 11 مليار دولار، يضاف إليه احتياط ذهب بقيمة 17 مليار دولار، وهي مبالغ كفيلة بتمويل برنامج إصلاحي، وإذا ما صدقت النيات، فإن رهن الذهب يمكن أن يكون بديلا من أموال صندوق النقد”. إلا أن طرح الموضوع بشكل جدي يتطلب، وفق قانصو “وجود رؤية واضحة لمستقبل البلاد واستقرار سياسي وميزانية سليمة للمصرف المركزي والقطاع المصرفي، ما يتطلب توافقاً على سياسة مالية وآلية صحيحة لمعالجة الأزمة وإعادة هيكلة المصارف وتحديد حجم الخسائر، وإلا كما نفدت السيولة بالعملة الأجنبية سينفد الذهب”.

ومن شأن تنويع الخيارات الاقتصادية، شرقا وغربا، أن يساهم في توفير مروحة واسعة من المساعدات المالية أو حتى السلعية، كخيار استراتيجي لتحقيق التنمية المستدامة. وتكمن الخطوة الأولى وفق ما يقول قانصو “في بناء اقتصاد لبناني منتج لا ريعي، وفي توسيع الفضاء الاقتصادي الإقليمي للبنان، لتحفيز عملية تصريف الإنتاج الصناعي أو الزراعي، حيث يمكن لاحقا بناء أسواق متجانسة ومشتركة مع دول الجوار، ناهيك عن ضرورة دعم القطاعات الانتاجية ذات القيمة المضافة العالية عبر تقديم حوافز ضريبية للمنتجين المحليين ودعم المواد الأولية ووضع الرسوم والقيود على السلع الأجنبية”.

يعدّ تعزيز النمو الاقتصادي أمرا جوهريا لتلبية المتطلبات الاجتماعية والاقتصادية، وتاليا ثمة إمكان جدي لأن يتعزز النمو الاقتصادي تدريجا مع تحقيق سيناريو “الهبوط الآمن” في غضون 5 سنوات شرط استعادة ثقة القطاع الخاص. غير أن ذلك يتطلب مناخا سياسيا داعما وإطلاق عجلة الإصلاحات الهيكلية المرجوة لتحفيز الطلب على السلع والخدمات، وتعزيز التنافسية للاقتصاد إلى جانب تحسين عامل الثقة عموما. ولكن قانصو يرى أن ذلك “ينبغي أن يترافق مع محاربة جدّية للفساد عن طريق سنّ قوانين تغطي مجالات مثل الإثراء غير المشروع والإفصاح عن الأصول المملوكة للمسؤولين، وتشكيل لجنة لمحاربة الفساد والتحقيق في قضايا الفساد وإحالتها على القضاء، ناهيك عن مكافحة التهرب الضريبي الذي قُدر في العام 2019 بنحو 10% من الناتج الإجمالي. أما المفتاح الأساس فيكمن في تحفيز الطلب الخاص، لاسيما أن الطلب العام عرضة للانكماش في سياق متطلبات التصحيح المرجو على صعيد المالية العامة”.

بواسطة
سلوى بعلبكي
المصدر
النهار

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى