Nouvelles Locales

لهيب تموز يتكرّر: مواقف نارية للسرايا وبعبدا “أبلغت موقفها الرسمي”! (النهار 6 تموز)

لم تكن المواقف التي أُطلِقت من السرايا الحكومية الاثنين الفائت في اتجاه مسيّرات “حزب الله” الاولى من نوعها. وللمصادفة ان لتموز لهيبه الذي يلفح العلاقة غير الثابتة بين الحكومة و”الحزب” بدءاً من مواقف الرئيس فؤاد السنيورة في تموز 2006 وصولاً الى مواقف رئيس حكومة تصريف الاعمال والرئيس المكلف حاليا نجيب ميقاتي. أما رئاسة الجمهورية فقد ابلغت موقفها الرسمي.

لم يعلّق “حزب الله” حتى الساعة بشكل رسمي على مواقف الرئيس ميقاتي ووزير الخارجية عبد الله بوحبيب ومعهما شخص ثالث، بحسب ما اوضح بو حبيب لاحقا، التي اعلنت من السرايا الحكومية، والتي تبرأت من عملية المسيّرات تماماً، علما ان رئاسة الجمهورية ابلغت الموقف اللبناني لمن اتصل بها رسميا سواء من الامم المتحدة او من الولايات المتحدة الاميركية، عدا انها ليست في وارد إحداث شرخ في السلطة الاجرائية، وانما هي طبقت الدستور وخصوصا المادة 52 منه.

متابعون لأداء “الحزب” يلفتون الى ان في ادبياته عدم المساجلة في بعض القضايا الفائقة الحساسية، ويذكرون انه باستثناء سابقة الرد الفوري الذي تكفّل به النائب حسن فضل الله على ميقاتي بعد مسارعة الاخير الى انتقاد بعض مواقف السيد حسن نصرالله المتصلة بالسعودية ودورها سواء في اليمن او غيرها، لم يسجَّل في تاريخ العلاقة المتحركة بين السرايا الحكومية وحارة حريك سجال يعتدّ به، او مناكفة بعد اتفاق الدوحة في أيار 2008.

اما المرحلة التي سبقت ذلك الاتفاق فحملت اكثر من مساجلة لأسباب عدة، منها ما كان مرتبطاً بـ”وفاء حزب الله للرئيس السابق اميل لحود”، وتبعات ذلك الموقف المبدئي، عدا ان الخصم المشترك للحزب وللحود في تلك المرحلة كان الرئيس السنيورة حين ترجمت تلك الخصومة بأوضح صورها من خلال مشاركة الاخير في قمة الخرطوم، وكذلك توصيفه للمقاومة بـ”الميليشيا”، ما استدعى تدخلاً من الرئيس نبيه بري الذي استطاع اقناع صديقه بالتراجع عن ذلك التوصيف في جلسة البرلمان الشهيرة.

لم يخفِ الامين العام لـ”حزب الله” يوماً ان “المقاومة في لبنان لا تحظى بإجماع” وذلك لاسباب متشعبة ولحسابات لدى بعض القوى من الخصوم، وكذلك بعض الحسابات في مسائل معينة لدى الحلفاء او لأولئك المنضمّين الى اواصر التحالف بعد انتخابات العام 2005. وفي الوقت عينه لم يكن “الحزب” ينتظر سماع مواقف واضحة من هؤلاء او من بعضهم بعد اطلاق المسيّرات عصر السبت الفائت، مع التذكير بأن رسالة حكومة لبنان الى الامم المتحدة ومجلس الامن في 28 كانون الثاني الفائت اكدت بما لا يقبل الشك او التأويل ان حقل “كاريش” يقع ضمن المنطقة المتنازع عليها، وطلبت نشر تلك الرسالة في موقع البحار والمحيطات التابع للامم المتحدة حتى تأخذ شركات الحفر والتنقيب والاستخراج علماً بأنها ستعمل في منطقة متنازع عليها، بما يستتبع ذلك من عواقب محتملة ليس في مقدور الشركات المالكة للسفن وكذلك شركات التأمين تحمّلها.

فـ”الحزب” ظل على سياسة تلقّف ردود الافعال وان كان في سلّم اولوياته الردود الاسرائيلية ليبني عليها استنتاجاته، ولكن ليس الردود على موقف رسمي لبناني، وفي المرتبة الدنيا كان يترقب او على الاقل يستمع للمواقف اللبنانية الوازنة (علماً انه منذ فترة قرر عدم الدخول في سجالات مع خصومه الدائمين)، وكان موقف رئيس الحزب التقدمي الاشتراكي وليد جنبلاط بعد لقائه الرئيس بري في عين التينة الاكثر عقلانية وواقعية من عملية المسيّرات، وتذكيره بان “العدو ليس مقصراً باستخدام الاجواء اللبنانية”، ولكن الاهم في كلام “ابو تيمور” كان اعادة لفت النظر وتذكير من نسي بأن هناك ايضاً “قواعد للعبة التي للاسف بعض اللبنانيين لا ينتبه لها ولا يراها”.

وبحسب اوساط متابعة كان يمكن للبنان الرسمي (سواء بالاجماع او بالغالبية) ان يستنبط موقفه من كلام جنبلاط وان يصوغه رئيس الديبلوماسية اللبنانية الوزير بو حبيب بحسب ما تقتضيه المفردات و”اللعب عليها”.

أمّا وقد قالت السرايا ما قالته فإن حارة حريك غير المرتاحة، او بتعبير آخر المتفاجئة من “عدم تسييل قوة المقاومة لدعم الموقف الرسمي والافادة من تلك القوة لتحصيل اقصى ما يمكن من ثروات منتظرة خارج الخط 23، لا ان تسارع الى الاستجابة للارادة الاميركية وما تقدمه من دعم كبير لتل ابيب، ما اظهر وكأن المسيّرات حلّقت فوق ساحل فلوريدا وليس فوق ساحل عكا”.

موقف السرايا وإنْ حاول ميقاتي من خلال زيارته الى عين التينة امس شرحه من زاوية انه لا يمكن للحكومة الا ان تتبنى ذلك الموقف، كان وقعه سيئا على حارة حريك التي اكتفت بعد الاعلان عن ذلك بوصف “قارئي البيانات بالبكّائين اللبنانيين”، علما ان ما من بيان تُلي باستثناء ما تلاه بوحبيب ونقل بأمانة ما اراده ميقاتي في تكرار لبيان لبنان عن الازمة الروسية – الاوكرانية. اما صمت “حزب الله” فيبدو انه لن يطول مع المواقف المرتقبة مساء اليوم لرئيس المجلس التنفيذي في “الحزب” السيد هاشم صفي الدين، وان كان من المفترض انها ستركز على الدور الاميركي المتهم من “الحزب” بالانحياز الى تل ابيب و”التهويل على لبنان لإخضاعه”.

عندما قررت تل ابيب استقدام سفينة استخراج النفط الى “كاريش” كانت تركن الى مرتكزات مشهد لبناني يغلّفه القلق والانهاك من تبعات ازمة اقتصادية غير مسبوقة، وكذلك عودة الاصوات الداعية الى سحب سلاح المقاومة الى الارتفاع، وان كان ذلك من “عدة الشغل” الانتخابية قبل 15 ايار الماضي، من دون اغفال ان بعض خصوم المقاومة متمسكون بتلك الخصومة قبل الاستحقاقات الدستورية وبعدها. اما اقليمياً وخارجياً، فإن تل ابيب باتت مرتاحة اكثر من أي وقت مضى، ولا سيما بعد ازمة الطاقة في العالم وخصوصاً في اوروبا ربطاً بتداعيات الحرب الروسية – الاوكرانية والحاجة الى مصادر اخرى للطاقة وخصوصاً الغاز، ما يعني انها ستكون المصدّر الابرز لتلك المادة الحيوية مع ما يستتبع ذلك من دعم اميركي وغربي واضح لها سواء في الحفر والتنقيب او في الاستخراج والتخزين ومن ثم البيع، ما يؤمن لتل ابيب الدعم غير المشروط في ذلك الاستثمار من دون الاخذ في الاعتبار ما اذا كانت المنطقة المتنازع عليها مع بيروت قد حسم امرها ام لا تزال موضع خلاف في انتظار التفاوض غير المباشر الذي يهدد الاميركي بتطييره ربطاً بتحليق المسيّرات فوق “كاريش”.
وفي الخلاصة، هل سينجح الرئيس بري في اطفاء “نيران تموز الحكومية”؟

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى