Nouvelles Locales

الكهرباء “تسرق” 47 عاماً من عمر اللبنانيين وتدفّعهم الثمن “من كيسهم” (نداء الوطن ٩ تموز)

بـ47 ثانية فقط، استطاعت حملة “#حقنا_ نعيش_ ع_ ضو” أن تكسر إحدى أخطر المسلّمات التي فرضت على اللبنانيين طوال 47 عاماً: “التدجّن” مع العتمة.

ببساطة صورت الحملة التي أطلقتها المبادرة اللبنانية للنفط والغاز LOGI مشهدية قصيرة جداً لأب مذعور، يصرخ طلباً للمساعدة، لكي لا يفقد طفلته المحاطة على سرير المستشفى بأجهزة الإنعاش المطفأة، بسبب انقطاع الكهرباء. وخلصت إلى أن لحظات العجز الأليمة هذه، هي ما يعيشه لبنان منذ مدة طويلة. حيث أن الانقطاع المنتظم للتيار الكهربائي كل يوم، يضعف الحياة.

الكهرباء حق بديهي

تحوُّل الحق البديهي بالحصول على الكهرباء إلى رفاه، ممنوع، تؤكد عضو مجلس الادارة في “المبادرة اللبنانية للنفط والغاز” (LOGI)، والخبيرة في تمويل مشاريع الطاقة كارول عياط. ولانتزاع الحق بالضوء من خلال مصادر الطاقة الواضحة والمستقبلية، دعت عياط إلى التوقيع على العريضة (موجودة على الرابط التالي:https:/‏/‏therighttopower.com ) التي تتيح الوصول بشفافية كاملة إلى النقاشات البرلمانية في قطاع الكهرباء وتحديثاتها. والضغط على النواب من أجل تسريع إقرار مشروعي القانونين المحالين من الحكومة والمتعلقين بالتوسع بانتاج الطاقة المتجددة وكفاءة الاستهلاك. والمشروعان هما:

– “مشروع قانون انتاج الطاقة المتجددة والموزعة”، الذي يضع أسساً لتعزيز انتاج الطاقة النظيفة ويتيح بيع وشراء الطاقة المتجددة من خلال اتفاقيات مباشرة لشراء الطاقة، ويسمح بالوصول إلى ما تعهد به لبنان لجهة تحقيق هدف 30 في المئة كهرباء متجددة في حلول العام 2030.

– مشروع قانون كفاءة الطاقة، الذي يهدف إلى تعزيز إدارة الطاقة بكفاءة عالية، خصوصاً أن “أنظف طاقة هي تلك التي لا نستهلكها”، بحسب عياط.

النيّة السيئة

مكونات “وصفة” كهرباء 24/‏24 وضعت منذ عقود في “خلاط” الحلول، إلا انها لم، ولن تتحول إلى “طبق” نهائي في ظل غياب الإرادة السياسية. “هذه الارادة بقيت طيلة السنوات الماضية معلقة بالحلول المؤقتة والمكلفة والمصالح الضيقة، التي تدرّ على من يدير الطاقة ثروات هائلة”، بحسب عضو المجلس الاستشاري للمبادرة اللبنانية للنفط والغاز ديانا القيسي. “فالحلول غير المستدامة قصيرة المدى التي جرى اعتمادها سابقاً، ويجري الدفع للاستمرار في اعتمادها راهناً، مثل البواخر، تعود بالمنفعة الخاصة للبعض على حساب المنفعة العامة. هذه النزعة المستشرية في قطاع الطاقة على مدار السنوات الماضية، أوصلتنا إلى إحجام كل الدول عن مساعدة لبنان وذلك على الرغم من عمق المشكلة وخطورتها التي وصلنا إليها”.

وما يثير الامتعاض أن الخطط والحلول جاهزة، والمعلومات واضحة، والأرقام ظاهرة وليس هناك من عائق إلا المصالح الضيقة. وعندما توضع المنافع الشخصية جانباً، ويبدأ التنفيذ الجدي تعود المساعدات على المدى القصير، وتحل المشكلة بشكل كلي مستقبلاً. أما في حال الاستمرار بالتعنت وعدم الالتزام بالاصلاحات، التي يأتي في مقدّمها، “تعيين الهئية الناظمة لقطاع الطاقة، التراجع عن الإدارة العمودية في القطاع، تخفيض الهدر، تعديل التعرفة، تحسين الجباية ونزع التعديات على الشبكة… فان الامور ستزداد سوءاً”، برأي القيسي. و”لن يحصل لبنان على ما وعد به من غاز مصري أو كهرباء أردنية. فشروط الدول المانحة والبنك الدولي، واضحة لجهة ربط المساعدات بتحقيق الاصلاحات المطلوبة”.

منافع الاصلاح

أكثر من ذلك فان تحقيق الاصلاحات في قطاع الكهرباء، والدخول في برنامج مع صندوق النقد الدولي، سيجذب إلى لبنان “استثمارات بقيمة 5 مليارات دولار”، بحسب كارول عياط. “ستدخل هذه الاستثمارات في مشاريع الشراكة بين القطاعين العام والخاص، وستساهم بالاضافة إلى تعزيز وجود الشركات وضمان نمو الاقتصاد، بخلق فرص العمل والتخفيف من حدة البطالة المستشرية”.

الاولوية اليوم إذاً، للبدء بالتنفيذ، “حتى لو كانت الانطلاقة من الخطة الاخيرة لوزارة الطاقة”، بحسب عياط. فـ”على الرغم من إمكانية إدخال بعض التحسينات عليها، إلا أن تنفيذها كما هي يبقى أفضل بما لا يقاس من إهمالها كلياً ووضعها في الجوارير على غرار الخطط التي سبقتها”.

جدلية رفع التعرفة

واحدة من العقد الاساسية التي تؤخر البدء بتنفيذ الخطة المقرة هي عدم القدرة على تعديل التعرفة قبل تحسين التغذية. وعلى هذا الأساس “ستبقى معدلات التغذية ضئيلة جداً تناهز الصفر في أكثر الايام وفي أغلبية المناطق”، بحسب عياط. و”سيبقى المواطن مضطراً إلى شراء الكهرباء من المولدات الخاصة بسعر يفوق النصف سنت ويصل إلى الدولار”. حيث أن أقل تعرفة للمولدات بلغت هذا الشهر 18 ألف ليرة تضاف إلى 10 دولارات (286 ألف ليرة) لاشتراك 5 أمبير. وعليه تدفع العائلة على أقل تعديل مقابل استهلاك لا يتجاوز 50 كيلواط في الشهر، حوالى 1.2 مليون ليرة. هذا الواقع المرتبط بتعرفة غير حقيقية للكهرباء مثبتة منذ العام 1994 عند متوسط 130 ليرة للكيلواط، انطلاقاً من سعر 24 دولاراً لبرميل النفط آنذاك، “كلف البلد 47 مليار دولار خسائر”، تؤكد عياط.

و”على الرغم من كل التبدلات التي حصلت في أسعار النفط عالمياً وملامستها مؤخراً عتبة 140 دولاراً، بقيت التعرفة هي نفسها. وفي كل مرة كانت تزداد الخسائر وتكبر أكثر”. وبرأي عياط فان المطلوب اليوم وبشكل طارئ تحقيق التوازن المالي من خلال رفع التعرفة. وذلك بالتوازي مع العمل على تخفيض الهدرين اللذين يستحكمان أكثر بسبب ارتفاع كلفة الجباية بالمقارنة مع تراجع المردود، وزيادة التعديات والسرقات. ومن دون هذين الاجراءين السريعين فان “الامور ستزداد سوءاً ولن يكتب النجاح لأي حل مستدام”.

إعتماد الحلول بالتوازي

إجراء رفع التعرفة الذي يلاقي معارضة شرسة بسبب تكبيده المواطنين المزيد من الاكلاف، وقصوره عن تأمين الكهرباء مكان المولدات بكميات كافية بشكل سريع، يواجه أيضاً تخطي نسبة الهدر 50 في المئة. وعليه فان زيادة الانتاج مع هذه النسب المرتفعة من الهدر سيكبر المشكلة. وبالتالي يحب العمل بشكل متواز على تخفيض الهدر، وبحث اللامركزية في التوزيع، وزيادة الانتاج من مصادر الطاقة النظيفة، والتشجع على استعمال الغاز الارخص والاقل ضرراً بيئياً في المعامل الحرارية”، من وجهة نظر عياط. خصوصاً أن التعرفة الجديدة للكهرباء المقدرة بـ 28 سنتاً ستكون مربوطة بسعر النفط عالمياً. حيث سترتفع مع كل زيادة في أسعار البترول. في المقابل فان “كلفة الانتاج من مصادر الطاقة النظيفة تدنت إلى 5.7 سنتات للطاقة الشمسية”.

الفيديو لمدة 47 ثانية الذي بنت LOGI حملتها عليه لخلق صدمة في الشارع، بعدما أصبح عدم وجود الكهرباء عادة، “لم يستطع كثر إكماله للنهاية، ورفضته بعض الوسائل الاعلامية لقساوته”، بحسب المدير التنفيذي في “المبادرة اللبنانية للنفط والغاز” عامر مردم بك. ذلك مع العلم أن هذا الواقع القاسي سرق من عمر اللبنانيين 47 عاماً ودفعوا ثمنه 47 مليار دولار من ودائعهم وأموالهم وأرزاقهم. فكفى متاجرة بالكهرباء التي هي حق إنساني واجتماعي قبل أن تكون حاجة اقتصادية.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى