Nouvelles Locales

مبادرات عربيّة تجاه لبنان… من “الإطفائيّ” إلى “النار الخليجيّ” (النهار ١٢ تموز)

أسماء عربية كثيرة ارتبطت باسم لبنان. من الاخضر الابراهيميّ الى عمرو موسى الى أحمد أبو الغيط. كلّها أسماء تعيدك الى جامعة الدول العربية والمبادرات التي حيكت على مرّ الأعوام، حين كانت تشتدّ الأزمات في لبنان.

وقد أعاد الاجتماع العربي الأخير، الذي عُقد في بيروت، على مستوى وزراء الخارجية العرب، الى الأذهان، التحرّكات العربية من أجل لبنان… وربما هي مفارقة أن تتكرّر المحن كلّ عشرة أعوام في بلد صغير كلبنان، وتتكرّر معها بعض المبادرات التي تأتي أحياناً على شكل مؤتمرات حوار، أو اتفاقات، أو مجرّد توصيات ومناشدات… وفي أحيان كثيرة، تكون مبادرات خجولة لا تغيّر في مصير وطن، الى أن تحين ساعة التسوية الكبرى، إقليمياً أو دولياً.

وليست مرحلة الطائف وما بعدها المرحلة الوحيدة التي امتلأت بمبادرات عربية تجاه لبنان، بل سبق ذلك الكثير منها، ولعلّ أهمّها كان في مرحلة الخمسينيات، ولاحقاً في بدايات الحرب الأهلية والاجتياح الإسرائيليّ، ومن ثمّ دخول الجيش السوريّ الأراضي اللبنانية.

إنّما يعتبر اتفاق الطائف مرحلة تأسيسية فارقة في تاريخ لبنان، ومنه تتفرّع الكثير من الاستحقاقات والنزاعات… وأدوات إطفاء النار.

الابراهيميّ والطائف
عام 1989، كانت أوزار الحرب اللبنانية تثقل كلّ مفاصل الدولة، أو بالأحرى تمعن في تفكيكها، حتى باتت فتاتاً تتناتشها الميليشيات. في تلك المرحلة، عمل الاخضر الإبراهيميّ مبعوثاً للجامعة العربية إلى لبنان، وقد أدّى دوراً مهمّاً في إتمام اتّفاق الطائف الذي أنهى، عملياً، الحرب الأهلية اللبنانية بعد وساطة سعودية انتهت بوقف إطلاق النار بين الأطراف اللبنانيين المتنازعين.

في حديث الى صحيفة “الخليج”، نشر في أيار 2007، يروي الابراهيمي الكثير عن تلك التجربة. عندما كان يومها يمثّل اللجنة الثلاثية العليا التي كانت تضمّ الملك الحسن الثاني والملك فهد والرئيس الجزائري الشاذلي بن جديد. وهو كان مبعوث اللجنة إلى لبنان. في ذاك التاريخ، بدا الانقسام اللبنانيّ خطيراً. لم يتمكّن اللبنانيون من انتخاب رئيس جديد للجمهورية، وأصبحت هناك حكومتان. وهذا ما دفع بالجامعة العربية الى رفع وتيرة اهتمامها بلبنان.

يقول الابراهيمي: “لقد حاول العرب من قبل أن يوقفوا حرب لبنان، ولم ينجحوا، لكن ربما عندما رأوا أنّ هناك حكومتين عرضوا مساعدتهم الجدّية لأنّهم شعروا بأنّ البلد سينقسم وسيبقى جرحاً يدمي الجسم العربيّ إلى ما لا نهاية”.

وهكذا… كان ما كان من اتّفاق الطائف الذي بات دستور لبنان الجديد. وأسّس لمرحلة سياسية جديدة من الجمهورية اللبنانية. واستحقّ الابراهيميّ لقب “الإطفائيّ” الذي نجح عبر جهوده المكوكية والديبلوماسية في إطفاء فتيل الحرب.

لكنّ معالم الجمهورية لم تكتمل. أتت مرحلة الطائف، في نظر البعض، على حساب المسيحيين، وهذا ما جعل عبارة ” الإحباط المسيحيّ” ترافق كلّ النشاط السياسي الذي طبع مرحلة التسعينيات من تاريخ لبنان. هذه المرحلة التي كرّست الوجود السوري في لبنان، أو بالأحرى الاحتلال السوري الذي أطبق بوصايته الشرسة على كلّ مؤسسات الدولة وسلطاتها.

إعادة إعمار … ولكن!
في الموازاة، كان لا بدّ من مرحلة بناء وإعادة إعمار. هنا، لعب العرب مجدّداً دور المساعد في مرحلة البناء. ومحلياً، أطلّ الرئيس #رفيق الحريري بدور فاعل وأساسيّ، هو الذي يستفيد من قربه من السعودية، الراعية الأساسية لاتفاق الطائف، استطاع أن يشبك علاقات عربية قوية ودولية ليطلق مرحلة البناء.

وهكذا، كان لبنان يعود الى الخريطة المالية العالمية ويحصل، بجهود العرب ومبادرات جامعة الدول العربية، على قروض دولية لإعادة تأهيل المرافق والبنى التحتية.
إنّما سياسياً، كانت البلاد تغلي بين موالاة ومعارضة. وكانت جامعة الدول العربية مشغولة بالغزو العراقي للكويت وبأحداث عربية ملتهبة، فيما الشأن الداخلي اللبناني يغلي بين خطّ المطالبة بالانسحاب السوري من لبنان والمعارضة القوية التي خيضت ضدّه، ومحاولات النهوض الاقتصادي – الاجتماعي بعد فترة الحرب… الى أنّ حطّ عدوان إسرائيليّ على لبنان في نيسان 1996. وكان ما كان من “عناقيد الغضب”.

وفيما لم تنجح، أو بالأحرى لم تنجح أيّ مبادرة عربية في وقف العدوان، اكتفت جامعة الدول العربية ببيانات استنكار ومطالبة بوقف اطلاق النار، الى أن أتت الرعاية الأميركيّة لتعلن رسمياً عن اتّفاق لإنهاء العدوان.

تماماً كما حصل في العام 2000. انسحبت القوات الإسرائيلية من أراض لبنانية، في 25 أيار من ذلك العام. بعدها، أصدرت الأمم المتحدة قراراً تعتبر الانسحاب تنفيذاً للقرار 425، ومن ثمّ تكتفي جامعة الدول العربية بالترحيب!

نأى العرب ومعهم، جامعتهم، عن التطرّق الى شأن الوجود السوري في لبنان… الى أن دقّت ساعة التحرير الثانية، هذه المرّة، في 26 نيسان 2005، هذا الوجود الذي استمرّ منذ كانون الثاني 1976، تحت غطاء جامعة الدول العربية نفسها!

كانت كلفة هذا الانسحاب التاريخي أنّه أتى على أنقاض دم وسلسلة اغتيالات بدأت مع الرئيس رفيق الحريري ولم تتوقّف بعد الانسحاب، بل استمرّت نحو عامين، وأخذت معها باقة من الشهداء السياسيين، والإعلاميين والشباب. يشعر لبنان، اليوم تحديداً، كم كانت الحاجة إليهم كبيرة، وسط الفراغ الحاليّ المبكي!

عمرو موسى… و الدوحة
في 14 شباط 2005. كان دويّ انفجار مقتل الحريري كبيراً وثقيلاً. في ذلك العام، كان عمرو موسى هو الأمين العام لجامعة الدول العربية. يخبر في كتابه بعنوان “سنوات الجامعة العربية”، عن دوره في حلّ الأزمة السياسية. يقول: “في ذلك اليوم، كنت في مكتبي في جامعة الدول العربية أجهّز للسفر إلى عدن لحضور أول انعقاد للمجلس الاقتصادي والاجتماعي للجامعة العربية خارج مقرّها. كنت أتابع قناة “الجزيرة” التي أعلنت فجأة عن وقوع انفجار ضخم في بيروت، وقد يكون أصيب فيه الرئيس رفيق الحريري. نقّلت بين المحطات الفضائية إلى أن سمعت إعلان مصرع رفيق الحريري، مع 21 شخصاً. على الفور، قرّرت أن أنزل الى بيروت، لأنّ اغتيال رفيق الحريري فاجعة عربية وتطوّر خطير جدّاً، ولا بدّ أن يكون أمين عام الجامعة العربية موجوداً في لبنان”.

… وهذا ما كان. بدأ موسى جولاته المكوكية بين لبنان و#سوريا. وفي الكتاب نفسه، يروي كيف توصّل أن يسحب من فم الرئيس #بشار الأسد قرار خروج جيشه من لبنان. يقول موسى: “قال لي الرئيس السوري، أنا أوّل رئيس يسحب قوات من لبنان”، فسألته: “هل أستطيع يا سيادة الرئيس أن أعلن أنّك قرّرت سحب الجيش السوري من لبنان؟” قال: “نعم، تستطيع إعلان ذلك، فأنا قلت لك إنّني سأسحب الجيش”. بعدها، خرجت وأعلنت أنّ الرئيس بشّار الأسد فعلاً قرّر سحب القوات السورية، وأنّه سيبدأ بذلك قريباً (…)”.

وبمعزل عمّا إذا كان ذلك القرار بمسعى عربيّ أم لا، يبقى توثيق عمرو موسى في كتابه هذا الفصل اللبناني، شاهداً للتاريخ، ورهن الحكم عليه!

… بعد ذلك، تسارعت الأحداث في لبنان، فأتت حرب تموز 2006 التي كرّست انقساماً عربياً واضحاً تجاه لبنان، وتحديداً تجاه عمليات “حزب الله”. كان الفرز العربي واللبناني أكثر من واضح، وبدأت تظهر رويداً رويداً النقمة الداخلية على أعمال “حزب الله” والانقسام العربي تجاه الحزب نفسه.

ولعلّ أحداث 7 آيار 2008 الشاهد الأبرز على هذا الشرخ.

ومجدّداً، الى اتّفاق عربي يطفئ الفتيل اللبناني، إنّما هذه المرّة أتى من بوابة الدوحة، هو “اتفاق الدوحة” الشهير الذي وقّع في 21 آيار 2008، وأنهى 18 شهراً من الأزمة السياسية وبعض الحوادث الدامية والاعتصامات في وسط بيروت، ليجلس بعدها ما يسمّى “بالزعماء اللبنانيين” في الدوحة، وينسجوا اتّفاقاً برعاية أمير قطر الشيخ حمد بن خليفة آل ثاني وبجهود اللجنة الوزارية العربية والأمين العام لجامعة الدول العربية عمرو موسى. هو الاتّفاق الذي حمل بنوداً ثلاثية: انتخاب قائد الجيش ميشال سليمان رئيساً للجمهورية، إقرار قانون الانتخاب، تأليف حكومة “وحدة وطنية”.

“نام” لبنان قرير العين، قليلاً، في أحضان ” اتّفاق الدوحة”، ومنذ عام 2011 بدأت تباشير “الربيع العربيّ” تنطلق في أكثر من بلد عربيّ، خفتت معها أنظار جامعة الدول العربية نحو لبنان، الى أن حلّ الفراغ الرئاسيّ غير المسبوق على لبنان، والذي استمرّ من 25 آيار 2014 الى 31 تشرين الأول 2016، اليوم الذي انتُخب فيه ميشال عون رئيساً للجمهورية!

انفجار المرفأ… النار الخليجيّ
ليست أعوام عهد عون من الأعوام الهادئة على اللبنانيين، ولعلّ التاريخ سيكتب الكثير عن هذه الحقبة. أكبر حدث وأحزنه على الإطلاق هو انفجار المرفأ في 4 آب 2020. التاريخ الذي قلب كلّ المعادلات، منذ ذلك اليوم المشؤوم، والتصدّع اللبناني يتفاقم، الى جانب وجع وجوع غير مسبوقَين في أزمة معيشية لم يعشها اللبناني، حتى في زمن الحرب.

وأمام ذلك المشهد، انفجرت عربياً أيضاً، وأقفلت أبواب دول الخليج في وجه اللبنانيين، وارتفعت النقمة ضدّ “حزب الله” ومن يمثّله، وزارياً ونيابياً.

وهكذا، تحرّكت جامعة الدول العربية مجدّداً. أوّلاً، عبر وفد رفيع المستوى برئاسة الأمين العام أحمد أبو الغيط، الذي زار بيروت بعد انفجار المرفأ، وأعلن استعداده تقديم كلّ الدعم الإنساني اللازم، وثانياً، عبر حركة قادها الأمين العام المساعد لجامعة الدول العربية السفير حسام زكي، في محاولة لرأب الصدع مع دول الخليج، ولاسيّما السعودية، بعدما كان أبو الغيط نفسه أعرب في بيان عن بالغ قلقه حول التدهور السريع في العلاقات اللبنانية – الخليجية، مناشداً “المسؤولين في دول الخليج تدبّر الإجراءات المطروح اتّخاذها بما يتفادى مزيداً من التأثيرات السلبية على الاقتصاد اللبناني المنهار”.

إلّا أنّ مبادرة جامعة الدول العربية لم تفلح سريعاً، وتباشير التضييق الخليجيّ على لبنان تتواصل عبر موجات متلاحقة، الى أن خفّت قليلاً في الآونة الأخيرة.

إنّها حكاية لبنان مع جامعة الدول العربية، وحتى تحين ساعة الفرج، يبقى الباب مشرّعاً على مبادرات كثيرة، وليس آخرها اجتماع وزراء الخارجية العرب في بيروت. فالمرحلة المقبلة قد تكون مشرّعة أمام أبواب جديدة من تسوية ما، أو من تحرّك عربي – دوليّ ما، ربما يكون نوعاً جديداً من “اتّفاق الطائف” أو دوحة جديدة. من يدري، فيما “اتفاق لبنان” غير موجود في قاموس “الزعماء” ؟!

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى