Nouvelles Locales

الراعي على خط الاستحقاق: أيّ رئيس تريده بكركي وأيّ رئيس تقصيه؟ (النهار ١٣ تموز)

يعكف البطريرك الماروني مار بشارة الراعي على إطلاق مواقف عالية النبرة ولافتة في آن حيال استحقاق انتخاب رئيس للجمهورية، تزعج البعض وتريح البعض الآخر من المرشحين المعروفين أو الضمنيين في سباقهم نحو قصر بعبدا.

لا تخلو مواقف الراعي من الحدّة حيناً أو المرونة أحياناً اخرى حيال هذا الاستحقاق، أو تحديداً حيال الموقع الماروني الاول، من منطلق تحصين هذا الموقع وحمايته من الاستغلال والاستئثار، بقطع النظر عمن هو ساكنه، أو الأخطاء التي يرتكبها في حق أبناء الطائفة وموقعهم في معادلة الحكم.

هذا الموقف دفع الراعي الى دعم الرئيس ميشال عون في ذروة مطالبة الشارع بإسقاطه. وقد تمسكت بكركي بموقفها رغم الانتقادات والاعتراضات وصولاً الى حد الهجوم والاستهداف، حتى لو كان في قرارة سيدها اقتناع بالاحباط والخيبة اللذين أصابا الشارع المسيحي، ولا سيما بعد انفجار مرفأ بيروت، من اداء سيد القصر واستمراره في توفير الغطاء للمحور المرفوض من شريحة واسعة من المسيحيين، أظهرت الانتخابات انها تشكل الاكثرية الغالبة، مقابل التمثيل الذي يتمتع به العهد وفريقه السياسي، وهو تراجع بسبب ذلك الأداء وتلك الممارسات.

ذهب الراعي بعيداً ومبكراً في مواكبته للاستحقاق الرئاسي، فأراد ان يحدد رأي بكركي مسبقاً لأكثر من سبب، أولها ان المرجعية الروحية الاولى لهذا الموقع لن تقف ساكتة امام محاولات الاستنزاف التي يتعرض لها الموقع، بحيث تحوّل مكسر عصا لكل راغب في استهداف الرئيس الحالي، ليس من موقعه في الرئاسة الاولى وإنما من موقعه السياسي الذي حرص هو نفسه على ان يكون مرجعه في أدائه، بعدما وضع مقولة “الرئيس القوي” مبدأً لعمله السياسي، مخالفاً بذلك موقع الحكم الذي يفترض ان يكون عليه رئيس الجمهورية.

كما ان بكركي ترفض ان تكون شاهدة زور على رئيس يعتزم توفير غطاء طائفته لمشروع ترفضه الشريحة الكبرى من المسيحيين. وتنطلق بموقفها هذا من النتائج التي انبثقت منها الانتخابات النيابية، حيث قال الشارع المسيحي كلمته في شكل واضح لا لَبس فيه.
لا تريد بكركي ان يتم استغلال صرحها او منبرها مع فتح المعركة الرئاسية لأي تسويق او استغلال او تأويل، فحسم سيدها مواصفات الرئيس الذي يرى فيه مشروع إنقاذ للبلد ولاستمالة النفوس وانتعاش الآمال، كما قال في عظته الاخيرة.

قد يصح القول ان المواصفات التي وضعها سيد بكركي تتسم بشيء من الطوباوية او ربما الكثير منها مقارنة بما هو متوافر لدى المرشحين التقليديين المطروحين في التداول.
لقد رفع الراعي سقف المعايير عالياً، بحيث خرج من السباق كثيرون ممن لا يتمتعون بتلك المواصفات. فالراعي يريد رئيساً “متمرساً سياسياً وصاحب خبرة ومحترماً وشجاعاً، متجرداً ورجل دولة حيادياً في نزاهته وملتزماً في وطنيته، ويكون فوق الاصطفافات والمحاور والأحزاب ولا يشكل تحدياً لأحد، ويكون قادراً على ممارسة دور المرجعية الوطنية والدستورية والأخلاقية”. وهو يأمل، وبسبب مقتضيات ظروف البلاد، “ان يتم انتخاب هذا الرئيس في بداية المهلة الدستورية لا في نهايتها، ليطمئن الشعب وتستكين النفوس وتنتعش الآمال”.

اكثر من عصفور اصابها حجر الراعي. فهو قال صراحة ان بكركي لا تريد رئيساً ينتمي الى المنظومة القائمة، بل أحداً من خارجها. صحيح انه لم يكشف عن اسماء وليس في وارد القيام بذلك، من دون ان يخفي اعجابه بالبعض، كقائد الجيش الذي يحترمه ويثمّن دوره وقيادته للمؤسسة العسكرية، لكن هذا لا يعني ان مواصفات الراعي جاءت من العدم، أو ان لا شخصيات مارونية تطابقها، بل على العكس ثمة اكثر من شخصية في بال الراعي، ربما اثنتين او ثلاث شخصيات، لكنه لن يدخل في لعبة الأسماء كي لا يكون فريقاً او طرفاً. علماً ان سفراء وديبلوماسيين كثرا ممن يحجّون الى بكركي من دون إعلام، يستشيرون الراعي حول المرشحين، في مسعى لتلمّس رأيه. وهو يحرص على عدم إعطاء اي إشارات من خارج المواصفات التي اقترحها، وان كانت المعلومات تكشف انه فاتح احد السفراء الكبار باسمين يدوران في رأسه من دون ان يلقى اي ردة فعل او رأي.

عصفور آخر اصابه الراعي بدعوته الى انتخابات مبكرة، تعطي ضوءاً اخضر لرئيس مجلس النواب لإطلاق جلسات الانتخاب اعتباراً من أيلول، وعدم انتظار الحد الأدنى للمهلة الدستورية. والواقع ان الرئيس نبيه بري تلقف الدعوة، وقد نقل عنه الرئيس المكلف نجيب ميقاتي لدى زيارته الصرح اخيراً استعداده التام لإطلاق المسار الانتخابي تمهيداً لانتخاب رئيس في أيلول. قد يظن البعض انه لن يكون للراعي كلمته في اختيار الرئيس او تزكية مرشح على آخر، لا سيما في ظل المناخ الداخلي والاقليمي المتسارع التغيّرات، باعتبار ان الاستحقاق الرئاسي لم يكن يوماً شأناً داخلياً، لكن الاكيد انه سيكون لبكركي حق النقض في رفض أي مرشح لا يلبي المواصفات الرئاسية ولو في حدها الأدنى!

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى