Nouvelles Locales

هذه عيّنة من مراسيم خلت من تواقيع وزراء المال… فبقيت معطلة! (النهار ١٤ تموز)

ليست مسألة امتناع وزير المال عن توقيع مرسوم او مراسيم بالامر الجديد، فتلك الورقة “السياسية” استُعملت سابقا ومرارا، اذ منذ اتفاق الطائف والاجتهادات الدستورية تتوالى حول ما سُمّي “التوقيع الثالث” او توقيع الوزير المعني “صاحب الاختصاص” او ما سمي أيضا “أفضلية وزير على آخر”… كل هذه التفسيرات كانت تُرفع عند الحاجة، وعند الضرورة لتعطيل امر او تجميد ملف معيّن.

أخيرا، امتنع وزير المال يوسف الخليل عن توقيع المستحقات الواجب دفعها للشركة المشغّلة لمعملي دير عمار والزهراني، وفق قرار سابق اتخذ في مجلس الوزراء. وكما في كل مرة، يترك الملف لآخر دقيقة، فيصبح الوقت ضاغطا والتهديد بالعتمة الشاملة امرا واقعا، فيركض المعنيون للترقيع وتحاشي الانفجار الكبير.

الوزير ليس قيّماً
الا ان هذه الواقعة ليست بسابقة، فقبلها الكثير من المراسيم التي امتنع وزير المال عن توقيعها، على رغم ان الحكومة او مجلس الوزراء مجتمعا، يكون قد وافق عليها. واللافت أيضا ان الامر لا ينسحب على الوزير الحالي فقط، وانما كان يتكرر مع وزراء مال سابقين…وكأن في المسألة عُرفاً ما!

في التفسيرات الدستورية، جرى استخدام عبارة “التوقيع الثالث” في إشارة الى توقيع وزير المال، الى جانب توقيعي رئيسي الجمهورية ومجلس الوزراء، على معظم المراسيم الصادرة. الا انه وفق الدستور، وتحديدا المادة 54 منه، لا يوجد ما يسمى “التوقيع الثالث”، انما ثمة إشارة الى توقيع صاحب الاختصاص. وتنص المادة 54 من الدستور على أن “مقررات رئيس الجمهورية يجب أن يشترك معه في التوقيع عليها رئيس الحكومة والوزير أو الوزراء المختصون، ما خلا مرسوم تسمية رئيس الحكومة ومرسوم قبول استقالة الحكومة أو اعتبارها مستقيلة”.

انما ولأن وزارة المال تعتبر من الوزارات التي تمر من خلالها معظم المعاملات والمشاريع، لكونها تتصل بمالية الدولة وبعملية الانفاق، ظنّ البعض ان توقيع وزير المال ضروريا لمجمل المراسيم. الا انه في الواقع، فان الوزير لا يوقع كل المراسيم. هو يوقع بصفته وزيراً مختصاً لتوقيع المرسوم الذي تترتب عليه أعباء مالية أو أثر مالي. وبالتالي، يصبح كغيره من الوزراء بمثابة وزير مختص، ولا افضلية له على غيره، والاهم ان هذا التوقيع لا يجعل من وزير المال قيّما او مراقباً على اعمال سائر زملائه الوزراء، ولا قيمة مضافة له او لتوقيعه.

هذا في الدستور، انما في السياسة، ولاسيما على الطريقة اللبنانية التي غالبا ما تتسم بمعادلة “مرّقلي لمرّقلك”، فان توقيع وزير المال يصبح ضروريا لامرار المراسيم ووضعها موضع التنفيذ.

مراسيم عالقة مجمدة؟
على مرّ الأعوام السابقة، ولاسيما التي تلت مرحلة إقرار اتفاق الطائف، تكررت واقعة امتناع وزير المال عن التوقيع، ما جعل بعض المراسيم تبقى عالقة ومجمدة في الادراج، الى الابد او لفترة من الزمن.

في الآتي ابرز المراسيم التي توقفت الى حين او بقيت عالقة:

في أيار 2022، امتناع وزير المال عن توقيع مرسوم غلاء المعيشة او ما عُرف بتصحيح الأجور للقطاع الخاص.

في نيسان 2022، وزير المال يمتنع عن توقيع مرسوم استكمال تشكيل الهيئة العامة لمحكمة التمييز، على رغم ارتباط الامر بملف انفجار المرفأ وضرورة متابعة التحقيقات في هذه القضية الملحّة والإنسانية. الوزير برّر الامر بأن المرسوم يتضمن أخطاء أساسية ويواجه بعض العقبات المالية وغيرها.

في شباط 2022، امتناع وزير المال عن توقيع مرسوم التعيينات المتعلقة بتعيين العميد بيار صعب والعميد محمد المصطفى عضوين في المجلس العسكري وزياد نصر مفوضا للحكومة في مجلس الانماء والاعمار، تنفيذا لقرارات مجلس الوزراء. يومها، رُبط الامر برفض “الثنائي الشيعي” قرار التعيينات الذي اتخذ داخل الحكومة، من خارج جدول الاعمال، وباصرار من رئيس الجمهورية ميشال عون.

وبمعزل عن الأسباب، فان واقعة امتناع وزير المال عن التوقيع لا ترتبط فقط بالوزير الحالي، انما هي قديمة، وكأن في الامر ما يجعل من وزير المال “الوزير الملك” او صاحب افضلية على غيره، مما يخالف المبدأ العام الدستوري الذي يجعل من جميع الوزراء سواسية في العمل والممارسة والواجبات. اضف الى كون الامر يتناقض كليا مع “مبدأ التضامن الوزاري” وهو المبدأ الأساسي في النظم البرلمانية الديموقراطية.

الواقعة تكررت مع وزير المال السابق علي حسن خليل حين امتنع عن توقيع مراسيم ترقية ضباط الجيش عام 1994 المعروفة بـ”دورة العماد عون”، ردا على رفض الرئيس عون يومها توقيع مراسيم مراقبي الاحراج، اذ وصف الامر بـ”ذبذبة” بين الرئيسين عون ونبيه بري.
في حزيران 2018، وقع أيضا خلاف بين عون وبري على خلفية مرسوم تعيين قناصل فخريين. وجمد الامر طويلا على خلفية تساؤلات حول احقية “التوقيع الثالث”، وهل ان المرسوم يحتاج أصلا الى هذا التوقيع ام لا، قبل ان ينتهي الامر بشبه تسوية لكون المرسوم وصف حينها بأنه مرسوم عادي بخلاف، مثلا، مرسوم التعيينات العسكرية التي لا يجوز ان يمتنع وزير المال عن توقيعها.

ولعل الأمثلة الأبرز لامتناع وزير المال عن التوقيع، ما حصل بين عامي 1998 و2001، حين رد مجلس النواب عددا كبيرا من المراسيم لخلّوها من توقيع وزير المال آنذاك.
ابرز هذه المراسيم كانت في 4 – 3- 1998، حين أعاد مجلس النواب مرسوما يتعلق بالتعاون بين لبنان ورومانيا في مجال الاشغال، والذي يرتب أعباء مالية واتى خاليا من توقيع وزير المال.

في 20 – 3- 2001 مرسوم اتفاق تعاون تجاري بين لبنان وقطر، اعادته الهيئة العامة لمجلس النواب الى الحكومة لعدم توقيع وزير المال عليه. الامر تكرر أيضا في 25- 7- 2001وهذه المرة في ما يتعلق بمرسوم تعاون بين لبنان والمكسيك.

باختصار، ان قرارات مجلس الوزراء ملزمة لجميع أعضاء الحكومة وفقا لمبدأ “التضامن الوزاري”، وعلى الوزير المختص التزام توقيع مشاريع المراسيم وعدم الامتناع، والا اجاز الامر اقالته او دعوته الى الاستقالة…فهل ستتكرر هذه البدع والتسميات التي لا تنتهي من “توقيع ثالث” الى “سوبر وزير” الى “وزير ملك”، فيتوقف ما تبقّى من عمل قليل لهذه السلطة… حتى لو كان الملف بحجم ملف انفجار العاصمة؟!

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى