Nouvelles Locales

ما سرّ “الهدوء” الأوروبي في التعامل مع “تقهقر” اليورو؟

خسرت العملة الأوروبية الموحّدة أمام الدولار الأميركي، حتى اليوم أكثر من 16 في المئة من قيمتها.

المحلّلون يتعاطون ببرودة أعصاب مع وصول ال”يورو” الى أدنى مستوى له، منذ بدء العمل به، ويعتبرون ذلك “طبيعياً” إنطلاقاً من ارتباطه الوثيق بتراكم تداعيات حدثين متلازمين: أعباء مكافحة جائحة كوفيد-19، ومن ثم كلفة الوقوف الى جانب أوكرانيا في وجه الغزو الروسي، الأمر الذي أقحم “الإتحاد الأوروبي” ودوله، ولا سيّما أقواها اقتصادياً، مثل ألمانيا وفرنسا، في حرب اقتصادية مع موسكو.

وبدل أن يُصاب هؤلاء المحلّلون بالهلع فيتحوّل هذا الملف الى أولوية إعلامية، اهتمّوا بمعرفة القطاعات التي سوف تتضرّر وتلك التي سوف تستفيد من هذا الحدث المالي الذي شهد العام 2002 مثيلاً له.

وإذا كان ارتفاع الدولار الأميركي والعملات المرتبطة به أو المتأثّرة به، في مقابل العملة الأوروبية الموحّدة، من شأنه أن يُلحق أضراراً بمستهلك المواد المستوردة غير الغذائية-وكلّها يمكن التخفيف منها باستثناء الوقود-فإنّ لذلك انعكاسات إيجابية على كثير من القطاعات الاقتصادية الأساسية في أوروبا، ولا سيّما لجهة نمو التصدير في قارة صناعية بامتياز ولجهة الجاذبية السياحية لمنطقة تعقد آمالاً كبيرة على إنفاق حاملي هويتين أساسيتين: الأميركية والصينية.

ومنذ إنشاء نظام العملة الأوروبية الموحّدة، تعايش مواطنو منطقة ال”يورو” مع التقلّبات التي تشهدها عملتهم، إذ إنّهم لم يلمسوا، يوماً، انعكاسات مقلقة لذلك على حياتهم، بل هم اختبروا أنّه كما للإرتفاع سلبيات على الميزان التجاري لدولهم كذلك للإنخفاض فوائده، إذ إنّه بتنمية الصادرات ترتفع فرص العمل.

ووصل ال”يورو” في العام 2002 الى مستوى دولار أميركي واحد، بدعم من “الكبار السبعة”،بعدما كان قد انخفض الى مستوى كبير، وبقي منذ ذلك الوقت، حتى يوم أمس، أقوى من هذا الدولار، لا بل إنّه في العام 2008، إرتفع الى مستوى قياس، بحيث أصبح ال”يورو” يساوي 1,60 دولار أميركي، قبل أن يأخذ في الإنخفاض، بهدوء.

ويُدرك الإقتصاديون أنّ الهبوط في سعر صرف العملة الأوروبية الموحّدة كما الإرتفاع يخضع ل”قانون الدائرة”، فهو عندما يرتفع جدّاً يتسبّب بأزمة عجز في الميزان التجاري ويرفع نسبة البطالة ويُضعف الميزة التنافسية للإنتاجات الأوروبية، الأمر الذي يتسبّب، لاحقاً، بتخفيضه، وهو عندما ينخفض جدّاً، يعيد التوازن الى الميزان التجاري ويقوّي الميزة التنافسية ويُنمّي الصادرات ويوفّر فرص العمل، الأمر الذي يتسبّب بارتفاعه مجدّداً.

وكان الرئيس الأميركي السابق دونالد ترامب، قد شنّ، في حزيران (يونيو) 2019 هجوما لاذعاً على رئيس “البنك المركزي الأوروبي” السابق ماريو دراغي (رئيس الحكومة الإيطالية الحالي) بسبب سعيه الدؤوب لإضعاف سعر صرف العملة الأوروبية الموحّدة.

وكانت خلفية ترامب واضحة، إذ إنّ ال”يورو” الضعيف يعني منافسة أوروبية قوية للصادرات الأميركية.

إذن، ومهما كانت عليه الحال، فإنّ قوة “الإتحاد الأوروبي” الاقتصادية تجعله بمنأى عن عواقب وخيمة للتقلّب الذي يُصيب عملته الموحّدة، وتسمح له أن يستفيد من الوهن الذي يلحق به، بفعل الظروف والتطوّرات.

وفي ظلّ هذه الطمأنينة “الإستراتيجية” التي لا تُلزم أيّ مسؤول مالي أو سياسي أن يُدلي برأيه بهذا الحدث النقدي الذي يُثير كثيراً من اللغط في العالم، تتعاطى شرائح واسعة من الأوروبيين، بشيء من “الروح الوطنية” مع ما تعانيه من انخفاض في القوّة الشرائية، نظراً لتوافر قناعة لديها بأنّه لا بد من بذل التضحيات في مواجهة نهج فلاديمير بوتين الحربي، فهي ترى أنّ دعم أوكرانيا للصمود في وجه مخطط الكرملين ليس سوى دفاع وقائي عن دولها التي ستدفع ثمناً غالياً جدّاً إذا لم تُعِنِ الأوكرانيين على تقليم براثن “الدب الروسي”.

ولا يسمح النهج التربوي ولا البرمجة الإعلامية للأوروبيين بأن يمحوا من ذاكرتهم التجربة النازية، إذ يتذكرون، بوتيرة شبه يومية، أنّ المأساة العالمية التي دفعوا ثمنها غالياً جدّاً، وقعت في تلك اللحظة التي اشترت فيه أوروبا “رخاءها” المؤقت مقابل السماح لأدولف هتلر بضمّ مقاطعة “سوديت” التشيكية التي توازي مساحتها حوالي ثلاثة أضعاف مساحة دولة مثل لبنان، في العام 1938.

وفي الثقافة الأوروبية، فإنّ التماثل كبير بين مبرّرات هتلر لضم مقاطعة “سوديت” التشيكية ومبرّرات بوتين لغزو أوكرانيا.

وعليه، فإنّ التعاطي الأوروبي مع الهبوط التاريخي لسعر صرف العملة الموحّدة يتّسم بكثير من الهدوء، وتالياً لا يسمح للبعض بعقد الآمال على بعض آثاره السلبية، من أجل دفع الحكومات الأوروبية الى تغيير النهج الذي تعتمده ضد روسيا، بسبب غزوها المستمر منذ الرابع والعشرين من شباط (فبراير) الأخير لأوكرانيا.

المصدر
النهار العربي

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى