Uncategorized

المتقاعد اللبناني… عزيز قوم ذلّ! (نداء الوطن18 تموز)

متقاعدون يروون لـ"نداء الوطن" الكارثة المعيشية التي حلّت بهم

لا يمكن مقاربة ملف المتقاعدين في لبنان، بشقيه العام والخاص، ومعاناتهم في الأزمة الحالية التي تعصف بالبلاد من الجانب الأخلاقي فقط، لجهة أنهم فئة من الشعب اللبناني خدمت الدولة (بغض النظر على الملاحظات حول إنتاجية القطاع العام وضرورة إعادة هيكلته). لكن في خريف عمرها لم تجد هذه الفئة راتباً يسد فاتورة المولد الكهربائي الخاص أو سعر الدواء. إذ إن النظر إلى معاناة هذه الفئة لا سيما التي حُجزت ودائعها له أبعاد إجتماعية وإقتصادية وبنيوية تخص هيكل الدول اللبنانية ككل. وليس من المبالغة القول أن الأزمة الحالية وحجز الودائع وذوبان قيمتها مع إرتفاع سعر دولار السوق السوداء والمشقات التي يتكبدها المتقاعدون نتيجة لذلك، ضربت العمود الفقري الذي يُبقي الدولة اللبنانية “واقفة على قدميها”. لأن هذه المشقات محت كل عناصر الإستقرار والأمان الوظيفي والاجتماعي والاقتصادي الذي يسعى إليه أي مواطن حين يتقدم للعمل في مؤسسات الدولة العسكرية والمدنية، وحتى العاملين في القطاع الخاص باتوا يرسمون علامات إستفهام عن مدى قدرة المؤسسة التي يعملون فيها على الايفاء بالشروط الوظيفية التي تقدمها لهم.

معاناة يندى لها الجبين فيما المسؤولون لا يكترثون

قصص المتقاعدين التي نسمعها يومياً حولنا هي جزء من الإنهيارات التي تصيب القطاعات منذ ما يقارب الثلاث سنوات وتشي بأن هيكل الدولة اللبنانية تفتت من الداخل ولا ينقصه سوى صدمة صغيرة حتى ينهار تماماً. والدليل هو الاضراب الحاصل في القطاع العام حالياً وما يخلفه من شلل في مختلف مناحي البلاد.

عمداء متقاعدون يبيعون “بونات” البنزين لسداد أثمان طعام ودواء وكهرباء

هذه القصص تُخبر عن معاناة ومواقف حرجة من المفروض أن يندى لها جبين أي مسؤول في الدولة أوصلنا إلى حالة الإنهيار. ومنها على سبيل المثال لا الحصر أن يعمد عمداء متقاعدون إلى بيع صفائح البنزين التي تمنحهم إياها المؤسسة العسكرية شهرياً، لسد ثمن حاجاتهم اليومية من دواء وكهرباء وطعام (وهذا ما يفعله كثير من الضباط الذين يخدمون في السلك العسكري حالياً للتحايل على الازمة، بعد أن باتت رواتبهم في أحسن أحوالها لا تزيد على 150 دولاراً). في حين أن الكثير من المتقاعدين من أساتذة الجامعة اللبنانية والتعليم الرسمي يتحدثون صراحة عن أن التقشف تمدد إلى نوعية الطعام الذي يتناولونه مع عائلاتهم وإلى قدرتهم على ملء خزان سيارتهم بالوقود. ما يمكن إستنتاجه من هذه القصص أن المعاناة تمتد من أسفل الهرم إلى أعلاه مهما بلغت رتبة المتقاعد. كما تشير إلى أن الروابط العائلية هي المنقذ الوحيد لكثير من المتقاعدين أي الابناء والبنات الذين يتكفلون بتسديد فواتير الكهرباء والدواء والطعام لذويهم.

حرب: أشعر أني في مهب الريح… فالأزمة خربت بيتنا

تروي مريم حرب وهي زوجة الرقيب المتقاعد في الجيش اللبناني نبيل حرب لـ”نداء الوطن” أن “معاش زوجها التقاعدي يبلغ مليوناً و650 ألف ليرة، ولا يكفي تسديد فاتورة دواء السكري والضغط الذي يتناوله (بحسب قانون المستشفى العسكري على المريض أن يدفع نصف فاتورة الدواء). كما أن عمره ومرضه لا يسمحان له بالعمل في أي مهنة ( 60 عاماً)، لذلك فإن إتكالهم لتسديد كلفة معيشتهم هو على ما ينتجه أبناؤها (أحدهم موظف دولة أيضاً ولا يتعدى راتبه الـ4 ملايين ليرة) والآخر يعمل ميكانيكياً، أما تعويض زوجها التقاعدي فتستخدمه لتسديد تكاليف دراسة إبنها الثالث في إحدى جامعات رومانيا.

تضيف: “الازمة خربت بيتنا وأشعر بأنني في مهب الريح. وقلقة من أن يأتي يوم لا أستطيع فيه دفع فواتير الدواء. خصوصاً أننا نتقدم في العمر وكل مدخراتنا أستعملها لتعليم إبني، علما أنني أمارس التقشف الشديد في كافة أمور حياتنا وحتى في المأكل. وأحاول جني الاموال من تحضير المونة وبيعها في الصيف، وفي الشتاء أشتري ثياباً مستعملة وأنظفها وأرتبها وأبيعها إلى معارفي”. وتختم: “لم أتخيل حتى في الكوابيس أن تصل بنا الامور إلى هذا الحد، وكنت أعتقد أن التعب الذي تكبدناه طوال سنوات حياتنا لتربية أولادنا سيعوضه الله لنا بالعيش بكرامة في أيام تقاعدنا لكن ذلك لم يحصل”.

يوسف: لا اشتري دواء السكري أحياناً… كي لا استدين ثمنه

من قصص المتقاعدين في الجيش أيضا قصة المعاون المتقاعد خالد يوسف (52 عاماً) من عكار، والذي يعيل عائلة من 5 أفراد براتب تقاعدي يبلغ مليوناً ومئتي ألف ليرة بعد خصم مستحقات الاسكان (600 ألف ليرة). وهذا ما يمنعه أحياناً كثيرة من شراء دواء السكري الذي يتناوله لأنه لا يريد الاستدانة من أحد. يروي يوسف لـ”نداء الوطن” أنه مستعد للعمل في أي مجال أو مهنة لتأمين معيشة عائلته. وقد عمل كسائق خاص لإحدى الأسر وبقي معهم إلى ان قررت العائلة ترك البلاد، فقام بشراء سيارة وإستئجار لوحة عمومية (من تعويضه التقاعدي) للعمل كسائق تاكسي، لكن بسبب إرتفاع أسعار المحروقات، الامور من سيئ إلى أسوأ خصوصاً أنه يسكن في طرابلس حيث أغلب الناس فقراء وتتجنب طلب سيارة الاجرة توفيراً للمال وتختار ركوب الفان، ولذلك يتخبط لتأمين معيشة عائلته”.

يضيف: “خدمت الدولة 26 عاماً وتعرضت للأسر خلال خدمتي وللإصابة في حرب نهر البارد ولمحاولة إغتيال. وحالياً مستعد العمل بأي مهنة مهما كانت متواضعة لتأمين لقمة العيش لعائلتي، لكن كل محاولاتي تبوء بالفشل”.

داوود: قدت عملية فجر الجرود… والآن أتعثر في تعليم ابنتي

في قمة هرم المتقاعدين في الجيش هناك معاناة أيضاً. يخبر العميد المتقاعد فادي داوود ( قائد عملية فجر الجرود) “نداء الوطن” أن “معاشه التقاعدي لا يتعدى 6 ملايين ليرة وهو من أعلى رواتب الضباط لأنه مصاب ومصنّف بأنه معوق حرب، ومكافأة هذه الاصابة هي 450 ألف ليرة”، ويسأل: “ماذا يمكن أن يشتري هذا المبلغ؟”.

يضيف: “تتلقى إبنتي تعليمها في الجامعة اللبنانية الاميركية لكي تكمل دراستها. علي أن أدفع 34 ألف دولار كأقساط، وحين أبلغت إدارة الجامعة عن عدم قدرتي على الدفع عمدت الجامعة إلى منحها 40% financial aid. ولما أكدت لهم أنه لا يمكنني تأمين الباقي قاموا بمنحها قرضاً بنسبة 40% من القسط وبقي علي أن أدفع 20% منه أي 7 آلاف دولار. لا أستطيع الرفض ولكن في الحقيقة أفكر كثيراً في كيفية تأمين المبلغ، وفي الوقت نفسه لا يمكنني أن أقول لإبنتي تخلي عن دراستك”.

يشدد داوود أن “المعاش التقاعدي لا يتم تقاضيه من قبل الدولة بل من صندوق تقاعدي خاص بالأسلاك العسكرية والمدنية. وهو نتيجة محسومات تقاعدية على مدى عشرات السنوات. والسؤال هو أين أموال هذه الصناديق؟ ومن الذي أعطى الامر بصرفها (او استثمارها بمخاطر عالية). وهذا ينطبق على أموال صندوق الضمان الاجتماعي وكل الصناديق التعاضدية الاخرى”.

ويختم: “إما تصحيح الاجور وإما أننا قادمون على ثورة إجتماعية، وحالات فلتان أمني لا محالة، وإنتشار الجريمة المنظمة على نسق النموذج الروسي بعد إنهيار الاتحاد السوفياتي”.

نعيم: توقعت نهاية مستورة… فاذا بحياتي تنقلب رأساً على عقب

على ضفة المؤسسات المدنية قصص المعاناة هي نفسها. وأساتذة التعليم الجامعي والثانوي نموذج من القاعدة إلى رأس الهرم أيضاً. يروي نادر نعيم (أستاذ إبتدائي متقاعد في القطاع الرسمي) لـ”نداء الوطن” أن “معاشه التقاعدي لا يزيد عن مليون ومئتي ألف ليرة ( بعد إقتطاع 600 ألف ليرة لقرض الاسكان). وهو مبلغ يكاد يكفيه لشراء الطعام لمدة أسبوع فقط، ولولا مساعدات يتلقاها من إبنته المغتربة وأخوة زوجته المغتربين لكان بالتأكيد يعيش في العتمة من دون كهرباء أو أدنى مقومات الحياة”. يضيف: “عمري يزيد على الستين عاماً، وتعويضي دفعته كدفعة أولى للبيت الذي إشتريته بقرض الاسكان بعد أن كنت أعيش في بيت بالايجار. كنت أعتبر أن هذا التعويض ومعاشي التقاعدي هو نهاية مستورة لخدمتي للدولة، لكن الأزمة قلبت حياتنا رأساً على عقب”.

الحكيم: تعاميم مصرف لبنان تسرق تعبنا بكل وقاحة

حكاية نادر نعيم تشبه حكاية هيفاء الحكيم أستاذة ثانوية تقاعدت عام 2013. وكان معاشها مليونان وسبعمائة ألف ومع إقرار سلسلة الرتب والرواتب في العام 2016 صار راتبها 3 ملايين ليرة”.

تقول لـ”نداء الوطن”: “أدفع لإشتراك الموتور 150 دولاراً شهرياً، أي أكثر من معاشي بمرة ونصف، وأتدبر أموري أنا وزوجي المتقاعد أيضاً من إبني المهاجر إلى كندا وإبنتي التي تعمل في لبنان. لا نستطيع الحصول على مدخراتنا أنا وزوجي من المصرف إلا بالقطارة ووفقاً للتعاميم التي تصدر عن مصرف لبنان والتي تسرق منا تعب السنين بكل وقاحة”.

سعد: معاشي ومعاش زوجي التقاعدي لا يكفيان كلفة اشتراكات كهرباء

تروي آمال سعد أستاذة في التعليم الثانوي الرسمي (تقاعدت في العام 2017 براتب 4 ملايين و300 ألف ليرة) لـ”نداء الوطن”، أنه “حين بدأ الإنهيار عاشت أكبر صدمة في حياتها، لأنها خدمت الدولة اللبنانية 38 عاماً، وفجأة وجدت أن كل جهدها هي وزوجها ذهب سدى نتيجة هذا النظام اللبناني على حد قولها”، مشددة على أنه “لولا أولادي المغتربون في الخارج فإن المعاش التقاعدي لي ولزوجي لا يسد إلا فاتورة إشتراك في منزلي في الاشرفية (مئة دولار ومليوني ليرة) ومئة دولار لبيت الجبل. أما المصاريف الاخرى فيتكفل بها أبنائي خصوصاً في ظل الغلاء الفاحش في الاسعار”، وترى أن “الاسوأ هو أنها لا تستطيع سحب تعويضها هي وزوجها من المصرف إلا من خلال السقف المسموح به في التعاميم، والمصدر الاساسي لعيشنا هو أولادنا وإلا لكانت الازمة أكثر قسوة علينا”.

منصور: محبوس في منزلي… وتخليت عن كثير من الأطعمة والمشروبات

على ضفة أساتذة الجامعة اللبنانية المتقاعدين يروي الدكتور أسعد منصور لـ”نداء الوطن” أن “معاشه التقاعدي أعلى من غيره، لأنه إنتقل من ملاك التعليم الثانوي إلى الجامعي. لكن النكتة اليوم أن راتب الاستاذ في الجامعة اللبنانية يكفي لدفع فاتورة موتور الكهرباء وصفيحة بنزين وربطة خبز، في حين أنه كان قبل الازمة يقارب الـ4 آلاف دولار وبالليرة اللبنانية 5 ملايين ونصف المليون”.

يضيف: “حالياً أحاول العيش ضمن إمكانيات هذا الراتب كوني أعيش وحدي وألتزم الحجر المنزلي بسبب كورونا. وأمارس تقشفاً في ما خص مصروف البنزين والمأكولات. وتخليت عن كثير من الاطعمة التي كنت أشتريها سابقاً (إلغاء السومون والويسكي الفاخرة من لائحة المشتريات)، ولا أذهب إلى المطاعم ولا أسافر إلى الخارج ولا اذهب إلى المنتجعات السياحية”، واصفاً الحالة التي يعيش فيها بأنه “شبه محبوس في المنزل ويعيش وفقاً للمثل القائل “على قد بساطك مدّ رجليك”. بينما كان سابقاً يسافر سنوياً في جولات سياحية ويشتري أفخر الثياب والمأكولات والمشروبات الروحية”.

شعبان: عملت في “المالية”… شهدت الفوضى فيها وتوقعت الإنهيار

من قصص المتقاعدين أيضاً، قصة عارف شعبان الموظف السابق في وزارة المالية الذي صرف كل مدخراته وتعويضه على تعليم أبنائه الاربعة في كندا. أما معاشه التقاعدي فلا يكفيه سوى لشراء الخبز والماء كما يقول لـ”نداء الوطن”، لافتاً إلى “أن معايشته للأوضاع في وزارة المالية دفعته للإصرار على تعليم أبنائه في كندا لضمان حصولهم على جواز سفر بالرغم من معارضة زوجته (مديرة سابقة لأحدى كليات الجامعة اللبنانية ومتقاعدة حالياً). وبعد إندلاع الازمة وذوبان قيمة راتبيهما كمتقاعدين عمد للبحث مجدداً عن عمل في إحدى الشركات الخاصة لضمان عيش كريم، خصوصاً أنه لا يزال يدفع تكاليف تعليم إبنه الاصغر مما تبقى من تعويض زوجته”. يختم: “كل الفوضى الحاصلة في مالية الدولة كانت تدل على أن الانهيار سيحدث، ولكن ليس بهذه السرعة التي تمت فيها، وحين ينهي ولدي الصغير دراسته سأترك لبنان وأعيش في كندا نهائياً”.

أبي نخول: اذا تعطل جهاز كهربائي نحتاج معجزة لاستبداله

متقاعدو القطاع الخاص ليسوا أفضل حالاً، ماري أبي نخول هي نموذج لمعلمة مدرسة في القطاع الخاص منذ 35 سنة، تقول لـ”نداء الوطن”: “جمعت جنى عمري من التعليم والتصحيح في الإمتحانات الرسمية والتعاون مع دور نشر. فجأة بعد الأزمة تمّ حجز أموالنا في المصارف ولا يمكننا سحبها إلا وفقاً للتعاميم”، مشيرة إلى أنها “لا تزال تعمل بالرغم من انها في عمر التقاعد بسبب الاوضاع. والاسوأ أن أموال الرواتب في المدرسة التي تعمل فيها أيضاً لا يمكنني الحصول عليها إلا وفقاً لسقف معين، إذ يتذرع المصرف بأن المدرسة لم تودع رواتب المعلمين بـ”الكاش”. ولذلك يعمد إلى تحديد المبلغ الذي يمكننا سحبه من دون أي تساهل”. تؤكد ماري أن “حياتها تغيرت بعد الأزمة بشكل كبير، إذ أصبحت تنتبه لمصروف البنزين في سيارتها. ولا تتبضع إلا مرة واحدة في الاسبوع. وهي مستمرة في العمل في المدرسة بالرغم من أن معاشها لا يزال يحتسب على 1500 ليرة”.

تقول: “معاناتي كبيرة لأنني مُجبرة على التعليم، وعمري لا يسمح بأن أبدأ من الصفر، وإذا تعطل أي جهاز كهربائي في بيتي لا أستطيع شراء بديل عنه إلا بمعجزة، فمثلاً أحتاج إلى شراء جهاز كومبيوتر للتواصل مع طلابي في فترة التعليم “أونلاين” لكن سعره يبلغ (700 دولار) بينما معاشي 3 ملايين ليرة. كما أن فاتورة مولد الكهرباء تستهلك القسم الاكبر من مدخولي، وما أستطيع سحبه من أموالي المحجوزة هو وفقاً للتعاميم”. وتختم: “ما يحصل هو سرقة لتعب سنوات من العمل الدؤوب، إذ إن هذه التعاميم تحجز نصف أموالنا وتسرق النصف الآخر”.

طبيب بنج: ما حصل معي لا يصدق..! سأهاجر لأعيش مع إبني في أميركا

على ضفة الاطباء والمهندسين المتقاعدين قصص تحكي سيرة جهود سنوات ذهبت سدى، يروي طبيب بنج متقاعد يبلغ من العمر 87 عاماً لـ”نداء الوطن” أن “سنوات عمله وزوجته (طبيبة جلد) في الجامعة الاميركية في بيروت مكّنهما من العيش بكرامة، وجمع مبلغ محترم من المال ( 500 ألف دولار) كانا يودعانه في المصارف لضمان شيخوخة محترمة، إلى أن جاءت الازمة وّتم الحجز على الأموال. ومنذ ذلك الوقت هما يعيشان على الاموال التي تسمح لهما تعاميم مصرف لبنان بسحبها وبمعاش تقاعدي من النقابة لا يصل إلى مئة دولار”. يشير إلى أن “ما حصل معه لا يصدق. وان المعاناة التي يتكبدها جراء الحصول على أمواله دفعته إلى إتخاذ القرار بالهجرة إلى الولايات المتحدة الاميركية للعيش عند إبنه”. ويختم بحسرة: “بعد كل تعب السنين سأعيش على ما يمنحه لي ولدي من أموال “ذل أكتر من هيك ما بقى في”.

أبوشرف: الأطباء المتقاعدون يعانون مثل بقية اللبنانيين

من جهته يشرح نقيب الاطباء شرف أبو شرف لـ»نداء الوطن» أن «معاناة الاطباء المتقاعدين هي مماثلة لمعاناة اللبنانيين، فبعد أن تم إقرار قانون يضمن لهم الطبابة مدى العمر خلال توليه رئاسة النقابة بات الضمان الاجتماعي في حالة يرثى لها، ولم يعد بمقدور الاطباء الاستفادة من هذا القانون، وهم مضطرون للعمل في أي مستشفى لكي يضمنوا الحصول على العلاج عند مرضهم». ويضيف: «عملت النقابة على رفع الراتب التقاعدي إلى مليونين 400 ألف ليرة لكنه لم يعد كافياً بسبب الارتفاع الجنوني لدولار السوق السوداء من جهة، وبسبب إعتماد بعض المصارف على نظام إعطاء الراتب التقاعدي بالتقسيط، وللاسف أيضاً فإن أموال النقابة في المصارف (تمويل الصندوق التقاعدي) لا نعرف مصيرها ومتى يمكن أن نستردها، ناهيك عن أموال الاطباء الخاصة المحجوزة في المصارف».

شهاب: تقاعد المهندس 900 دولار على سعر 1500 ليرة للدولار!

من جهته يؤكد نقيب المهندسين السابق خالد شهاب لـ»نداء الوطن» أن «المتقاعدين من المهندسين يعانون الامرّين وينطبق عليهم القول أنهم تعبوا في حياتهم لكنهم لم يجدوا الخاتمة التي تحفظ كرامتهم مع تقدمهم في السن»، شارحاً «ان المعاش التقاعدي للمهندس هو 900 دولار، لكن النقابة لا تزال تحتسبه على سعر دولار 1500 ليرة، علماً أن النقابة تستوفي الرسوم والانتسابات والاشتراكات من الاعضاء المهندسين بالدولار الفريش، ولذلك يفترض أن يتم تحسين أوضاع المتقاعدين لكن هذا الامر لا يحصل وكل إتكالهم هو على دعم أبنائهم المادي».

ويختم: «الامور تحتاج إلى جرأة والقرش الابيض نخبئه عادة لليوم الاسود والنقابة تملك مخزوناً من الاموال لا بد من إستخدام جزء منه لحفظ كرامة هذا المهندس الذي تعب وضحى وساهم في بناء النقابة».

يوسف: علينا معرفة أي لبنان نريد لنعرف كيف نحمي المتقاعدين مستقبلاً

كيف يمكن بناء نظام تقاعدي جديد يتلافى تكرار هذه المعاناة مستقبلاً. وفي هذا الاطار يشرح المدير المالي السابق في الصندوق الوطني للضمان الاجتماعي ومدير شؤون مجلس إدارة الضمان الاجتماعي سامي يوسف لـ»نداء الوطن» أن «الجواب على هذا السؤال مرتبط بأي دولة سيكون لدينا في المستقبل. فإذا تم بناء دولة لحياة المواطنين بكافة جوانبها وموثوقة من المواطنين فالانكفاء عن الوظيفة العامة سيكون مؤقتاً. أما إذا أعيدت صياغة الدولة بالشكل الذي كانت عليه على غرار التي بنيت بعد إتفاق الطائف، فإن الإنكفاء حتمي وسيطول كثيراً؟ لأن نظام التقاعد هو ركن أساسي من أركان نظام الحماية الاجتماعية».

ويشرح يوسف أن «نظام الحماية الاجتماعية يتضمن على الاقل جانبين أساسيين، الاول هو الحماية الصحية والثاني هو الحماية الاقتصادية. فإذا كانت الدولة دولة فساد ومحسوبيات فلا يمكنها تحمل نظام الحماية الاجتماعية بكافة أوجهه الصحية والاقتصادية»، مشدداً على أن «مستقبل النظام التقاعدي مرتبط بأي دولة سيبني اللبنانيون بعد الانهيار الشامل لكل مقومات الدولة حالياً. هل هي دولة توظف مئات آلاف الاشخاص وهي لا تحتاج إلى أكثر من نصفهم؟ أم هي دولة رشيقة ومنتجة».

ويرى أن «حجم القطاع العام في الدخل الوطني العام له تأثير كبير على الدولة إقتصادياً وينعكس إيجاباً أو سلباً على قرارات المواطنين بالانكفاء عنها أو الالتحاق فيها. واليوم لا أحد يتمنى أن يكون جزءاً من القطاع العام. أما غداً فالامر مرهون بأي دولة ستكون لنا بعد إعادة بنائها من جديد».

توحيد أنظمة الحماية الاجتماعية ضرورة

يوضح يوسف أنه «كمدخل لتوفير نظام حماية إجتماعية للبنانيين، يجب توحيد أنظمة التقاعد في لبنان. لأن الدولة التي لا تساوي بين المواطنين هي دولة لا تستطيع تأمين العدالة الاجتماعية فيها، وهذا هو المدخل الاساسي»، شارحاً أن «الخطوة الثانية هي أنه «يجب ان يشمل نظام التقاعد جميع اللبنانيين بكافة القطاعات العامة والخاصة، والجميع يعلم أن في لبنان عدة أنظمة للتقاعد الاجتماعي وكل نظام له مرجعية معينة وهذا الامر لا يجوز لأنه يتناقض مع أمر أساسي وهو المساواة بين اللبنانيين».

يؤكد يوسف أنه «ليس هناك أنظمة تقاعد وأنظمة حماية إجتماعية في العالم لا تتكفل فيها الدولة، ومن هنا يجب أن تتكفل الدولة بنجاح هذه الانظمة وإستقرارها ولا سيما نظام التقاعد في لبنان. وأن لا يخضع هذا النظام لمقاربات ظرفية وآنية تهدد أسس الامن الإجتماعي الوطني العام والذي يتعلق بالضمان الصحي والتقاعد». يضيف: «لبناء أنظمة حماية إجتماعية صحيحة في المستقبل يجب إعتماد المساواة بين كافة القطاعات الخاصة والعامة. وان تكون الدولة هي الكفيلة وأن ترصد في موازناتها الأموال اللازمة لتأمين إستمرارية وإستقرار هذه الانظمة»، مشدداً على أنه «لا يمكن أن نتناول كل قطاع على حدة. وفي لبنان هناك عشرات الانظمة والنصوص التي تتناول الحماية الاجتماعية، هذا الامر يجب أن يوضع حد له، وان تكون الدولة كفيلة لهذه الانظمة ودون ذلك لا يمكن التوصل إلى أنظمة ثابتة ومستقرة تخدم المجتمع اللبناني».

بدارو: بعد أشهر… إما خلاص تدريجي وإما هلاك نهائي!

على ضفة الخبراء يؤكد الاقتصادي المخضرم روي بدارو لـ»نداء الوطن» أن إنكفاء اللبنانيين في المستقبل لن يكون فقط عن القطاع العام بل عن لبنان إذا لم يتم إيجاد حل للأزمة الحالية خلال بضعة أشهر». موضحاً أن «من الآثار السلبية الطويلة الامد للأزمة هي التحولات الديمغرافية والاقتصادية والاجتماعية والثقافية للشعب اللبناني، فالتغيير الحاصل في هذه النواحي سيدفع إلى تلاشي لبنان الذي نعرفه خلال ثلاث سنوات على الاكثر، فنحن ذاهبون إلى مكان خطير جداً على مستقبل وديمومة الوطن».

يضيف: «كثير من الافرقاء في لبنان لا يملكون نظرة أو رؤية حول مستقبل لبنان وإلى أين يريدون أن يأخذوه. ومنهم من يملك رؤية لكنه غير متفق مع الافرقاء الباقين حولها وكأننا في زورق وكل فريق يجذف إلى مكان معاكس للفريق الآخر»، مشدداً على أن»العالم يتقدم ولبنان يتراجع. ولذلك فإن الخطط الاقتصادية التي توضع من قبل الحكومة أراها خارج الوقت والزمان، ولذلك أعتقد أنه يجب وضع مشروع خلاص للبنان إقتصادياً وهذا يتطلب فريق صاحب مشروع».

يأسف بدارو لأننا «نفتقد إلى هذا الفريق أي نحن بحاجة إلى رئيس-ة جمهورية ورئيس-ة مجلس وزراء ووزراء متناغمين وغير منتمين إلى أي فريق سياسي. كي يتمكنوا من انتشال لبنان وإيصاله إلى بر الامان». مؤكداً أن «المسألة ليست إنخراط موظفين في الدولة اللبنانية أو مشكلة موظفين متقاعدين، فالموظفين الحاليين غير المتقاعدين يعانون من مشاكل صعبة جداً».

يضيف: «طرحت منذ زمن بفصل القطاع العام عن القطاع الخاص لأن لكل منهما إنتاجية معينة، ويجب إعطاء الموظفين معاشات بحسب الإنتاجية التي بذلوها خلال سنوات العمل وهذا ينطبق على القطاعين العام والخاص»، معتبراً أن «مشاكلنا تحتاج إلى إعادة هيكلة عميقة للقطاع العام وترك المجال للقطاع الخاص بتحديد اجوره. على ان تحدد الدولة الحد الادنى المناطقي والقطاعي المطلوب لعيش كريم، ومن هنا يمكن النفاذ أو وضع رؤية أي لبنان نريد أن نبني وفي أي إتجاه إقتصادي». ويُشدد على أن «المطلوب هو الاجابة على الاسئلة المجتمعية الكبيرة التي لم تطرح بأي خطة. وللأسف، المسؤولون اللبنانيون غير قادرين على مناقشة هذه القضايا الاساسية، لأن الحل السياسي الذي يحدد وجهة لبنان في المنطقة غير مطروح للبحث حالياً أي الحياد». ويرى أنه «في حال بقينا على هذا المنوال سنبقى كأصحاب المركب الذي يجذف كل منهم في إتجاه معين. وعلى المسؤولين السياسيين الانسحاب من إتجاهاتهم الخارجية للإتفاق على أنه لا يمكن الاستمرار على هذا المنوال، لأن الاستمرار في ذلك يعني أنه لن يبقى في لبنان خلال عشر سنوات أكثر من مليوني شخص وهذا قاتل».

يختم: «نحن نحتاج إلى رؤية لن تتظهر إلا بإنتخاب رئيس أو رئيسة تنتشل البلد من الوضع الذي يعيشه وخلال أشهر. فإما يحصل هذا الامر أو أننا ذاهبون نحو الهلاك النهائي»

بواسطة
باسمة عطوي
المصدر
نداء الوطن

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى