Nouvelles Locales

محنة المتنبي (الجمهورية ١٩ تموز)

«ما مُقامي بِأَرضِ نَخلَةَ إِلّا        كَمُقامِ المَسيحِ بَينَ اليَهودِ

ضاقَ صَدري وَطالَ في طَلَبِ الرِز قِ قِيامي وَقَلَّ عَنهُ قُعودي

عِش عَزيزاً أَو مُت وَأَنتَ كَريمٌ   بَينَ طَعنِ القَنا وَخَفقِ البُنودِ

فَاِطلُبِ العِزَّ في لَظى وَذَرِ الذُلــلَ وَلَو كانَ في جِنانِ الخُلودِ

لا بِقَومي شَرُفتُ بَل شَرُفوا بي   وَبِنَفسي فَخَرتُ لا بِجُدودي

أَنا تِربُ النَدى وَرَبُّ القَوافي     وَسِمامُ العِدا وَغَيظُ الحَسودِ

أَنا في أُمَّةٍ تَدارَكَها اللَــهُ         غَريبٌ كَصالِحٍ في ثَمودِ»

المتنبي

 

منذ أيام، شاركتُ في حفل تأبين لمناسبة مرور أربعين يومًا على وفاة الدكتور محمد عبد الحميد بيضون، بمبادرة من لقاء «سيدة الجبل». ومع أن التقليد الفرعوني كان يعتقد أنّ روح الميت تبقى تحوم لأربعين يومًا، فإن التقليد الاجتماعي فرض هذه العادة على شعوب المنطقة ولم تتمكن الأديان ولا العلم والفلسفات من ثني الناس عن هذه العادة. الواقع هو أن وعي البشر بفقدان الأحبة يضعهم في حالة تمسك ولو بالذكرى، أو أن البشر يتمنون أن يتخلد اسمهم في استمرار ذكر أسمائهم بعد غيابهم. لكن محمد عبد الحميد بيضون عن كل هذا غافل، فهمّه الأساسي هو ما كان يسعى إلى تحقيقه أثناء حياته. خاض تجربته بشؤونها وشجونها، لأنه يحيا في العالم الحقيقي ويتفاعل معه، وليس في عالم نظري. فقد تكون أعظم العقول في العالم مثلها مثل أي نبتة أو حجر، إن لم تخض تجربتها في العالم وبالتفاعل معه.

 

رفضه للانغلاق على الذات بما يحمله من فكر وآمال، هذا بالضبط ما وضع محمد عبد الحميد بيضون في موضع التجربة القيادية في حركة «أمل»، آتيًا من تجربة اليسار العلمي، لعله يضع بعضًا من الحلاوة على علقم الوعي المذهبي، الذي أسس لحركة «أمل» ووريثها المضارب «حزب الله» فيما بعد. وهنا، يخطئ من يظن أن نكران الذات والتضحية هو ما يدفع المرء الى المبادرة، ومخطئ أيضًا المبادر، الذي يخوض غمار الشأن العام، إذا اعتقد أنه مجرد شمعة تذوب لإضاءة درب الجماهير. فمعظم التضحيات أساسها حب الذات وسعيها إلى التسامي فوق العالم وفوق الذات. أو ما يمكن تسميته بالنرجسية بمعناها الواسع الذي يبدأ بما نسميه غريزة البقاء والحفاظ على الحياة، لتصل في أقصاها إلى النرجسية الخبيثة وجنون العظمة. لكن لولا هذا التجاوز النرجسي المعتدل، الذي نسميه تحبّبًا ريادة أو طموحا أو إبداعا، لما تجاوزت البشرية العصور الحجرية الأولى. لكن، أيضًا، لولا التمادي في الطموح والإبداع والسعي إلى الريادة، لَما وصلنا إلى احتمال التدمير الذاتي في التوحّش النووي وتدمير البيئة والولوج الأعمى إلى مرحلة ما بعد الإنسان، والتسليم الأعمى لسطوة التكنولوجيا.

 

ما دخل النرجسية والطموح بأزمة المتنبي ومحمد عبد الحميد بيضون؟

 

محمد بيضون دفعته نرجسيته المتوازنة إلى اقتحام تجربة الريادة في تغيير مسار نهر المذهبية الجارف، فأراد أن يدخل بعضًا من فكره إلى تيار ديني في أساسه، أملًا في تزويج فكر اليسار مع الاندفاعة الدينية التي اجتاحت العالم أواخر القرن الماضي، بعد فشل ذريع ضرب الحراك العلماني والقومي، يسارًا ويمينًا. هذا ما دفع عالمنا من جديد إلى أحضان الأصوليات، لاعتقاد الناس أنّ العودة إلى فلسفات «الماضي المجيد» هي الوسيلة للتخلّص من الحاضر الشرير! هذا المسار الرجعي شمل العالم بأجمعه وليس فقط عالمنا الثالث، بعد ثورة الحرية والتساؤل في ستينات ذاك القرن، وهي التي وضعت كل البديهيات الاجتماعية والسياسية والاقتصادية والفنية والدينية موضع التشكيك والمساءلة.

للأمانة، لم يكن عالمنا وحده المأخوذ بانطلاقة الثورة الخمينية في إيران، بل كانت معظم حركات التحرر في مواجهة ما كنّا ندعوه «الإمبريالية الأميركية»، وبعد فشلها الفلسفي والعملي الذريع في تحقيق أي تقدم في تحقيق تطلعاتها، تظن أنها قادرة على التسلل وتلوين الحركات السياسية الثورية الدينية الطابع، ببعض اللون الأحمر الاشتراكي، المخلوط ببعض الرومانسية الطوباوية. كما أن البعض بدأ ينظر لإطلاق الفكر اليساري الإسلامي، وأصبح فكر «علي شريعتي»، المفكر الإيراني، أحد أعمدة عصر التنوير الثوري الإسلامي. وقد ذهب بعض الثوريين في بيئتنا يعطون مثل تحوّل الكنيسة الكاثوليكية، في بعض بلدان أميركا اللاتينية، من داعمة للإقطاع والديكتاتورية والرأسمالية، إلى حليفة للفقراء والعمال والفلاحين ومدافعة عن حقوقهم في وجه الديكتاتوريات!

 

واجَهت محمد بيضون إخفاقات وخيبات أمل وهو في موقع القيادة في حركة المحرومين، إلى أن قرر الخروج، يائسًا من تحقيق ذاته في الحركة، بعد أن فشل في التأثير على مزاج عام أصبح يخوّن ويستهدف كل من يتحدى جموح الإجماع المذهبي والطائفي. للأمانة أيضًا، فإنّ هذا المنحى شمل كل الطوائف والمذاهب، حتى تلك التي كانت تبالغ لتصف نفسها بأنها أمة وليست طائفة. ولم تنج حتى الحركات اليسارية العلمانية من التعسكر المذهبي الطائفي.

 

أزمة المتنبي أنه كان يرى في كل من خدمهم، وعن حق، بأنهم أدنى منه بكثير في الحصافة والثقافة وسرعة البديهة والنبوغ، لكنه في الوقت نفسه كان في حاجة الى منبر يعبّر فيه عن ذاته وعن نبوغه. وحتى عندما كان يمدح سيف الدولة الحمداني، كان واضحًا أنّ مديحه لذاته كان يغلب على القصائد العبقرية التي كان ينظمها. وبالطبع، فقد كان بلاط الأمراء والملوك يعجّ بالمادحين من درجات مختلفة، وكان البعض يحسد البعض الآخر. ورواية السجال بين المتنبي والشاعر الأدنى مرتبة، إلا لكونه من العائلة المالكة، أي سيف الدولة الحمداني، مشهورة في تاريخ الأدب، لأنه فيها أروع ما نظم أبو الطيب من شعر، وهي القصيدة العظيمة المعروفة بـ «واحرّ قلباه»، وهي التعبير الدقيق على مرارة الشاعر العبقري من كونه كان مجبرًا على الركون في ظل من هم أقل قيمة إنسانية ومعرفية وثقافية وعبقرية منه، لمجرد أنهم ورثوا أو استولوا على سلطة ما.

 

فقال: «يا أعدلَ الناس إلا في معاملتي   فيك الخصامُ وأنت الخصم والحكم

أنا الذي نظرَ الأعمى إلى أدبي         وأسمعَت كلماتي مَن به صمم

أنام ملء جفوني عن شواردها         ويسهر الخلق جَرّاها ويَختصم

وجاهل مده في جهله ضحكي         حتى أتَته يد فرّاسة وفم

إذا نظرت نيوبَ الليثِ بارزة        فلا تَظنّن أنّ الليث يبتسم

فالخيل والليل والبيداء تعرفني      والسيف والرمح والقرطاس والقلم»

لكن التعبير الأهم عن محنة المتنبي ومن هم أمثاله هو:

«أذمّ إلى هذا الزمان أُهَيلَه      فأعلمهم فدم وأحزمهم وغد

وأكرمهم كلب وأبصرهم عمٍ   وأسهدهم فهد وأشجعهم قرد

ومن نكد الدنيا على الحر أن يرى عدوًا له ما من صداقته بدّ».

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى