Uncategorized

أحكام القانون 2/67… إعادة هيكلة المصارف وفق المعايير الدولية

بعيداً عن النقاشات التحليلية حول الملابسات الكامنة وراء الأزمة المصرفية، ما هو ثابت حتى الآن، أنَّ تأثيرها الشامل أصاب القطاع في عمق كيانه، وارتدّ بثقله على كاهل حقوق المودعين واستثمارات العملاء، حتى أصبح حجرة العثرة عند كل مقاربة للإنقاذ الاقتصادي.

فصل المسار والمصير بين المصارف لملاقاة صندوق النقد الدولي
العلاقة بين ❞الثقة❝ و❞الائتمان❝ في عالم الصيرفة والبنوك، وطيدة بامتداداتها، وهشّة بتوازناتها، فأدّى الغلو في منسوب الأول وسوء إدارة مخاطر الثاني إلى انحراف المصارف اللبنانية عن القواعد العالمية. أزمة القطاع المصرفي هي أزمة أخلاق وضمير وليست أزمة نصوص وتشريع.

اليوم، بات تصنيف البنوك اللبنانية مرحلة واقعة لا محالة لفصل الجيّد منها عن السيّئ، القابل لإعادة الهيكلة عن العاجز تماماً. إنه شرط مسبق على عاتق السلطات للمضيّ قدماً باتجاه اتفاقية قرض مع صندوق النقد الدولي.

لذا، يقتضي البدء بفصل المسار والمصير بين المصارف العاملة، بغية التوصل إلى إيجاد الحل الملائم على قاعدة احترام استقلالية الوضع القانوني لكل شركة مصرفية، وهذا ما أكده بوضوح تام صندوق النقد الدولي عندما أصرّ على ضرورة إجراء تقييم مالي من قبل شركات محاسبة دولية موثوقة لـ14 مصرفاً في لبنان، كلٌّ على حدة.

مفهوم إعادة الهيكلة في القانون الدولي
بعد الأزمة العالمية سنة 2008، كان لمجموعة البنك الدولي دورٌ كبير في وضع المعايير المشتركة بالتعاون مع لجنة الأمم المتحدة للقانون التجاري الدولي UNICITRAL ولجنة معالجة الإعسار وحماية حقوق الدائنين ICR STANDARD التي شددت على أهمية القوانين والممارسات المقوننة لضمان سلامة النظم المالية.

اعتبرت المجموعة أنه لا يمكن اعتماد نهج موحّد لإعادة الهيكلة يناسب جميع الحالات، لكنها ركّزت على ثلاث آليّات لإعادة الهيكلة؛ آلية قانونية من خارج سلطة المحاكم، وآلية قانونية مختلطة بإشراف المحاكم، وآلية قانونية تحت سلطة المحاكم المطلقة، على أن تراعي كل الآليات وجوب توفر الشروط الآتية:
• أن تكون المؤسسة المعنّية قابلة للاستمرار، أو قابلة للحياة،
• وقف النزف التشغيلي،
• وجود القوانين ذات الصلة لتنظيم إعادة الهيكلة المالية والتشغيلية،
• ضرورة مشاركة مختلف أصحاب المصلحة،
• إتاحة بيئة مؤاتية لإجراء مفاوضات نزيهة وبحسن نيّة،
• ضمان تحقيق منافع اقتصادية عامة،
• استخدام الأدوات القانونية بفعالية.

القانون 2/67… آلية قانونية لإلزام المصارف بإعادة الهيكلة
إزاء هذا الواقع الدولي، لا بدَّ من البحث عن الخيارات القانونية اللبنانية المتاحة، بعيداً عن التجاذبات السياسية المستمرة داخل مجلس نواب 2022، لتنقية المنظومة المصرفية من الشوائب وفقاً لمعيار قدرة المصرف المتعثر على ردم فجوته المالية ونيته للنهوض مجدداً وقدرته على استعادة نشاطه الطبيعي.

أرسى المشرّع اللبناني، بموجب القانون 2/67، مبدأ التعويم، ويعني استحداث السبل القانونية القادرة على إنقاذ الشركة المصرفية من ضائقة مالية مستحكمة، أو بعبارة أخرى، تصحيح الأوضاع المالية للمصرف الذي يعاني حالة من الشّح النقدي بحيث يعجز معها عن دفع التزاماته التشغيلية.

مشهد الازدهار المصرفي العابق بالإنجازات، أفرغ أدراج المحاكم اللبنانية لسنواتٍ طويلة، من قضايا مماثلة، قبل أن تعيد الأزمة الحالية، لمبدأ التعويم الذي أقره قانون 2/67 أولويته ولحيثيات قرار ❞يوروميدبنك❝ عمقها الاقتصادي الاجتماعي.

القانون 2/67… إعادة هيكلة المصرف المتعثر تحت إشراف المحكمة
نُقدّم في ما يأتي، القانون 2/67 ضمن رؤية قانونية إصلاحية؛ أساسها الإبقاء فقط على البنوك التي تترجم عملياً التزامها معيار الشفافية لضمان جودة المهنة المصرفية، وإنقاذية؛ مقياسها الإمكانيات التنافسية الذاتية لاجتياز المصرف امتحان أهلية كفاءته الكمّية واستبيان مهاراته النوعية.

وحرصاً منّا على مواجهة الأزمة بحلولٍ لبنانية الجذور وقانونية المنشأ، بعيدة عن الشعارات الفضفاضة في مضمونها، والفارغة إلّا من الغوغائية والشعبويّة، نلقي الضوء على تجربة إعادة هيكلة المصارف استناداً إلى قانون توقف المصارف عن الدفع.

القانون 2/67… مرحلتان إلزاميتان لإنقاذ المصرف قبل التصفية النهائية
درءاً لخطر التصفية النهائية، اعتَمد قانون إنترا تدابير خاصّة، بعد إعلان توقف المصرف المعنيّ عن الدفع، تبدأ لِزاماً بمرحلة إدارية، أولية ثم نهائية:

• المرحلة الأولى؛ تُعيِّن خلالها المحكمة لجنة إدارة، يكون فيها للمودعين الدور المباشر للبحث عن الوسائل الممكنة لضخ الأموال في المصرف المعنيّ. ومع أنّها تتمتع بصلاحيات مزدوجة بين الجمعية العمومية العادية ومجلس الإدارة في الشركات المساهمة، فإنّ كل محاولات اللجان الإدارية الأولى باءت بالفشل.

• المرحلة الثانية؛ تُكلَّف لها لجنة جديدة بمرسومٍ صادرٍ عن مجلس الوزراء، وفقاً للمادة ١٢المعدّلة بالمرسوم الاشتراعي 44/67، وتتألف من حاكم مصرف لبنان رئيساً وعضوية كل من رئيس مجلس شورى الدولة والمدير العام لوزارة المالية وقانوني وخبير مالي، ممّا يشير إلى تدخلٍ استثنائيٍّ للسلطات الرسمية مقابل استبعاد الدائنين والمساهمين، بحجّة تضارب المصالح.

القانون 2/67… ❞يوروميدبنك❝ نموذجاً
في هذا السياق، تَبرز قضية ❞يوروميدبنك❝ كتجربة فريدة للتعويم، بعد إعلان توقفه المؤقت عن الدفع، حيث نجحت لجنة الإدارة الثانية في إبرام اتفاقية مع ❞كريدي ليونيه فرنسا❝، وبالرغم من اعتراضات بعض المساهمين المدلى بها، صَدَّقت محكمة الدرجة الأولى في بيروت بتاريخ ٢٨/١/١٩٩٣ على بنود الخطة الإنقاذية، وأعلنت زوال حالة توقف ❞يوروميدبنك❝ عن الدفع. وللتوضيح، نَرصد المحصّلة النهائية لهذا القرار لكونها نواة قانونية لإعادة كفاية رأس المال، كالآتي:

• إعادة ترتيب الأولويات؛ بحيث يأتي إنقاذ المصرف في أعلى القائمة ليتفوّق حتى على حقوق المساهمين، تغليباً للمصلحة العليا للشركة على المصلحة المشتركة.

• إرساء توقف مصرف عن الدفع؛ الخط الفاصل لانطلاق رحلة البحث عن منقذ، ويترافق مع إقفاله الإلزامي دون شطبه عن لائحة المصارف، بما أنّ قرار التوقف الآيل إلى التعويم، لا يكتسب قوة القضيّة المقضيّة ليبقى إعلان زوال هذه الحالة متاحاً إذا ما نجحت جهود التمويل.

• ربط تنفيذ اتفاقيات التمويل في حال إبرامها بمصادقة المحكمة عليها؛ وقرارها لهذه الناحية نهائي غير قابل للاستئناف ولأيّ طريق من طرق المراجعة.

• تأكيد صوابية التفرّغ الإجباري عن الأسهم؛ بعد وصْف اعتراض المساهمين بالتعسّفي على اعتبار أن إلغاء قيمة أسهمهم الفعلية، واقع لا محال، بسبب هلاك رأس المال.

القانون 2/67… لوقف النزف المصرفي
وبما أنه لا توجد وصفة واحدة سحرية للتصدّي لهذه التحدّيات. يبقى من الأجدى إتاحة مجموعة واسعة من الأدوات لحل مشاكل التعثر المالي للمصارف على نحو يُحقّق أقصى ضمانة قانونية لأصحاب المصلحة، ويُعزّز في الوقت نفسه مستوى الثقة والشفافية.

في الواقع، لا يمكن أن تكون المخاطرة باللجوء إلى القانون 2/67 أن تكون أسوأ ممّا هو عليه الوضع الآن. عندما تكون الأدوات القانونية المناسبة متاحة، فإنها تساعد من جهة، على الحدّ من استنزاف أموال المودعين لتغطية المصاريف التشغيلية الباهظة للبنوك المتوقفة تماماً عن أداء نشاطها التجاري الطبيعي، وتحافظ من جهة ثانية على قيمة الموجودات. أما في المقابل، فإن مخاطر عدم القيام بذلك باتت شديدة الوضوح إزاء الفشل السياسي في معالجة الأزمة طوال السنوات الماضية.

يمثل القانون 2/67 نصاً متكاملاً يتوافق مع المعايير الدولية لأفضل الممارسات في سياق إعادة الهيكلة ويُقدّم نهجاً واضحاً لضمان حقوق المودعين.

بواسطة
الدكتورة سابين الكك
المصدر
النهار

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى