Uncategorized

هل يمكن إنقاذ الليرة اللبنانيّة؟ إنقسام كبير بين الخبراء “بين الممكن.. وغير الممكن”! (الديار ٢١ تموز)

زهاء ثلاث سنوات، ولبنان يشهد على تدحرج عملته نحو الهاوية، مقابل تحليق مجنون للدولار الأميركي.

إنهيار قلب حياة اللبناني رأسا على عقب، وأفقده الثقة بعملة وطنه، ودفعه للسعي لاهثا خلف العملة الخضراء، مساهما بطريقة غير مباشرة في انهيارها أكثر فأكثر، فيما يقبع السبب الأول لهذا الإنهيار خلف أروقة السلطة السياسية ومثلها النقدية.

“الديار” استطلعت وجهة نظر خبراء في الإقتصاد والنقد والمال، إن كان بالإمكان إنقاذ الليرة اللبنانية في ظلّ هذا الظرف السياسي والإقتصادي الحرج! فكانت هذه الاجوبة:

 

محمد فحيلي: الدولة اللبنانية “طنّشت” عن الإصلاحات

رأى الخبير الإقتصادي الدكتور محمد فحيلي ان المخاطر المصرفية حول الأسباب الأساسية لإنهيار المنظومة المالية والنقدية في لبنان تتمثّل باللامبالاة من قبل الطبقة السياسية الحاكمة، وهذا ظهر من مؤتمر باريس 1، حيث طلبت الأسرة الدولية رزمة إصلاحات ولكن الدولة “طنشت” عن الموضوع، وتكرّرت هذه الطلبات بتقارير سنوية دورية لصندوق النقد وفي مؤتمرات باريس 2 و3 و”سيدر”، وفي سنوات الأزمة الحالية 2019 حتى 2022، وكذلك في الإتفاق المبدئي مع صندوق النقد، حتى وصلت شرارة التعثر غير المنظم الذي حصل في آذار 2020، بحيث كانت السلطة النقدية والسياسية على علم بالتداعيات الكارثية. لذلك على النظام المصرفي وعلى من يعتمد عليه لتأمين السيولة، ورغم ذلك قرّرت حكومة الرئيس دياب التوقف عن خدمة الدين نهائيا، من دون طرح كيفيّة جدولته وإعادة هيكلته، وحتى اليوم لم يتم اتخاذ أي إجراء تصحيحي أو إصلاحي حتى يغير من الوضع الحالي.

واشار الى أنّ الذهب لا يحدّد قيمة العملة الوطنية إذ لدينا ذهب ولم يفدنا بأي شيء، بل ثقة الناس بها واستقرار النظام السياسي والمالي والمصرفي، فالتدوال بالعملة يتّم إمّا بالأوراق النقدية أو عبر النظام المصرفي، والثقة بالدولة أساسي كونها الداعمة لوجود هذه الأوراق، ومثلها الثقة بالنظام المصرفي الذي يتم التداول بالعملة من خلاله.

لا مزيد من الانهيار

في السياق، حافظت الليرة اللبنانية على ثباتها لسنوات طوال، فهل يوضع ذلك في خانة الإيجاب أم السلب؟ يجيب فحيلي أنّ العملة الوطنية استطاعت إلى حد ما أنّ تحافظ على قيمتها خلال سنوات عديدة أثناء الحرب الأهلية، وكان هناك ثقة بها وسهولة في تداولها من خلال النظام المصرفي، وتدهورت قيمتها فقط في أواخر الحرب، أمّا في ما يتعلّق بسنوات ما بعد الحرب فإنّ الواقع لم يساعد على ثبات قيمتها بل تدخل ودعم المصرف المركزي، والتحاويل بالعملة الأجنبية من الخارج، والأزمة المالية العالمية 2008-2009، بحيث حصل توجها كبيرا لرأس المال نحو لبنان الذي لم يتأثر بتلك الأزمة.

واكد أنّ تثبيتها كان سلبيا لأننا ندفع ثمن هذا التثبيت المصطنع، فالليرة كانت تساوي أقل بكثير من (1500 ليرة للدولار الواحد)، وهذا لا يعكس الواقع الإقتصادي الحقيقي، والإضطرابات اليوم هي نتيجة لسنوات طويلة من الدفاع المصطنع عن الليرة ، فيما كانت الظروف مؤاتية جدا لتحرير سعر صرفها تحديدا بعد عامي 2008-2009، حيث كان هناك فائض من الرأسمال الأجنبي في لبنان، ولو فعلنا ذلك لكان لبنان في وضع اقتصادي أفضل بكثير.

ويستبعد فحيلي ، رغم كل الحديث بأننا وصلنا الى القعر، أن يحدث المزيد من الإنهيار، والسبب لا دخل له بالسلطة السياسية، بل بالمستهلك اللبناني الذي تأقلم مع المتغيّرات الإقتصادية ولم يعد يصرف أكثر من حاجته، كما أنّ هناك الكثير من المؤسسات التجارية مرت بفترة إعادة هيكلة، ولم يعد الكثيرون من موظفي القطاع العام يحضرون إلى عملهم فانخفضت مصاريف الدولة، كما تودي المؤسسات غير الحكومية دورا ايجابيا جدا بمنع المجاعة رغم تفشي الفقر من خلال مساعدات غذائية وسواها.

واكد ان الانهيار بالعملة الوطنية أكثر غير وارد حاليا، فمصرف لبنان لا يزال قادرا على التدخل ولو بشكل محدود، كما أنّ الظروف السياسية لا يمكن أن تتدهور أكثر، إذ لاحظنا بعد الإستحقاق الإنتخابي أن مكوّنات السلطة التشريعية عادت كما كانت، ولن تختلف عنها مكوّنات السلطة التنفيذية، وتقريبا تحدّدت رئاسة الجمهورية ولم يطرح أي أحد يؤسس لحالة مواجهة.

وحول القدرة على إنقاذ العملة الوطنية، يؤكد فحيلي أنّ ذلك لا يحدث الا باللجوء الى إجراءات تخفّف استعمال الأوراق النقدية، وتعزز التداول بالعملة من خلال النظام المصرفي، أي العودة الى الشيكات، بطاقات الدفع والإئتمان، والتحاويل المصرفية، كما يجب حماية القطاع المصرفي وليس حماية المصارف أو المصرفيين، بل يجب محاسبة الذين أخطؤوا حيال أموال المودعين، واستباحوا بالإستثمارات غير المدروسة، ويجب تصفية المصارف غير القادرة على خدمة الإقتصاد أو دمجها مع أخرى مقتدرة.

ليال منصور: لا مستقبل لليرة اللبنانية

المتخصصة في الإقتصاد النقدي في البلدان المدولرة الدكتورة ليال منصور، أوضحت من وجهة نظرها لـ “الديار”، أنّ ثبات العملة يعود لتدخل البنك المركزي وقد يكون خلف ذلك كوارث، كأن يتم استنزاف الاحتياطي من الدولار، لكن حين يكون الإقتصاد نقيا جدا وهناك شفافية ومحاسبة وحوكمة، فلا داعي لتدخل المركزي الذي يتدخّل ويجمّل، ولفتت إلى أنّه إذا كان المركزي يتدخّل كثيرا فذلك يعني أن الأرضية الاقتصادية فاسدة، وكلّما ارتفعت الفائدة دلّ ذلك على أنّ الاقتصاد سيىء، مشددة على أن كمية الاحتياطي من الدولار هي الأهم وانتهاءها يسمى “كارثة إقتصادية”.

ولفتت إلى أنّ تصرفاتنا بالأزمة متهورة، وما يحصل يدلّ على أننا لا نحب الليرة وخائفون كثيرا منها، لذلك أصبح هناك طلب على الدولار، وهي بمجملها مؤشرات تدل أنّها تنهار لذلك لا مستقبل لليرة اللبنانية، وأضافت: “أتمنى أن أقول أن هناك مستقبلا لليرة لكن اذا كان كل شيء في الإقتصاد اللبناني منهارا كيف يمكن أن نخلق الثقة من جديد بالعملة؟”، والحل هو استبدال الليرة إما بعملة جديدة تسمى “الدولار اللبناني” والتي تكون ذاتها الدولار الأميركي تحت عنوان “كارنسي بورد”، أو الإستغناء كليا عن الليرة اللبنانية واستعمال الدولار فقط، لا سيّما أنّ لبنان مدولر بنسبة 90%.

عماد عكوش: إنقاذ الليرة ممكن وبكل سهولة

يخالف الخبير الإاتصادي الدكتور عماد عكّوش وجهة النظر هذه، ويقول لـ “الديار” إنّ عملية وقف الإنهيار وإنقاذ الليرة ممكن وبكلّ سهولة، كما يمكن تعزيزها، لكن الأمر يحتاج إلى جرأة، والقرارات بسيطة تبدأ بتعيين بديل لحاكم مصرف لبنان، رفع سعر صرف الدولار رسميا وبشكل تدريجي، ربط هذه العملية برفع الرواتب في القطاع العام وبشكل تدريجي، وإقرار قانون الكابيتال كونترول والموازنة، منتقدا تعميم المركزي الأخير الذي يهدف الى دفع رواتب القضاة على سعر 8000 ليرة، فالمعالجة يجب أن تكون شاملة لكل القطاعات من خلال رفع سعر صرف الدولار الرسمي بشكل تدريجي، وليس كما تفعل الحكومة اليوم في الموازنة برفعه مباشرة إلى سعر المنصة، والمفروض أن يرفع بالتوازي مع رفع رواتب القطاع العام بشكل تدريجي، فالموازنة لا تتحمّل رفع الرواتب مباشرة على سعر 8000 ليرة، بل وفقا لأرقام الإيرادات وبشكل تدريجي لنتبين مدى تأثير ذلك في زيادة الواردات، ففي النهاية يجب تأمين واردات للخزينة لدفع وزيادة رواتب القطاع العام، لافتا في المقابل الى أنّ تراجع الحاكم عن هذا التعميم وتجميده أمر مهم جدا وإلا كان سيخلق مشكلة كبيرة جدا ويؤدي إلى إقفال كلّ القطاع العام.

ويجزم عكّوش أنّ هذه الخطوات يمكن إقرارها خلال أسبوع إذا كان هناك نيّة، فالقوانين موجودة في مجلس النواب، إصافة إلى إجراءات أخرى لاحقة منها إعادة هيكلة مصرف لبنان أي القطاع المصرفي، رفع تعرفة الكهرباء وهيكلة هذا القطاع، الإصرار على التنقيب عن الغاز في البحر، مشددا على أن الخطوات الأولى سهلة ويمكن تنفيذها وتؤدي الى استقرار بسعر الصرف وتعززه.

محمد حسين منصور: صعب جدا إنقاذ الليرة حالياً

بدوره، فإنّ ما يحدد قيمة أي عملة من ضمنها العملة اللبنانية، برأي مدير المعهد الأوروبي لدراسات الشرق الأوسط الدكتور محمد حسين منصور لـ “الديار” ، هو قوة الإقتصاد الذي تعتمد عليه، فالليرة اللبنانية تعتمد على قوة الإقتصاد اللبناني الذي يتمثل بالقطاعات المختلفة، وأيضًا بالصادرات والواردات، وبالتالي الطلب على العملة، ولبنان ليس لديه صادرات كثيرة ولديه الكثير من الواردات، فليس هناك طلب على العملة اللبنانية بل على العملات الأخرى ما يخفض من قيمتها.

وشرح أنّ من أسباب انهيارها هو ضعف الإقتصاد اللبناني، فهو ليس اقتصادا منتجا، حيث كان يعتمد بمرحلة معينة على قطاع الخدمات الذي ضعف بسبب الأزمات في المنطقة والأزمات اللبنانية ما أضعف الليرة اللبنانية، والسياسات والهندسات المالية غير الناجحة ، والقروض التي كان يعطيها مصرف لبنان للقطاع العام، والإعتماد بشكل كبير على المصارف التي انخرطت بدورها في العملية السياسية ولم تكن سياستها المالية ناجحة جدا.

وإذ أكد منصور أن كل شيء يمكن إنقاذه، لفت إلى أنّه بالمدى المنظور وبالمعطيات الموجودة صعب جدا – إن لم يكن مستحيلا- أن يتم إنقاذ الليرة حاليا، لأنه لتحسين قيمة العملة لا بد من تحسين الإقتصاد، ولتحسين الأخير يجب ألا يكون لدينا فساد وأن تكون الطبقة السياسية مستعدة للعمل، وأن تتعاون مع المجتمع الدولي وكلها عوامل لم تنضج بعد، متوقعا المزيد من الإنهيار لليرة لأنه لا يظهر أي حلول بالأفق، ولم نحسن أي شيء، ونهدر الدولارات الموجودة في مصرف لبنان، وهذا كله يضعف من قيمة الليرة، وحول إمكان تفلّت سعر صرف الدولار والرقم الذي يمكن أن يصل إليه، يختم بأنّنا لا نستطيع أن نحدد رقما أو سقفا معينا لارتفاع الدولار، من غير أن يستبعد أن يرتفع ربما لأكثر من 40 ألف ليرة.

خلاصة القول… بين الممكن والمستحيل، يترقّب اللبنانيون بحذر شديد ما ستحمله لهم الأيّام المقبلة على المستوى السياسي الداخلي والخارجي من تسويات أو خلافات، ما يشكّل نواة الإنفراج الإقتصادي من عدمه، وتبقى هذه القراءات على عمقها، مجرّد فصول يكتب نهايتها أهل الحكم وليس أهل العلم!

مقالات ذات صلة

شاهد أيضاً
إغلاق
زر الذهاب إلى الأعلى