Uncategorized

القطاع المصرفي بين إعادة الهيكلة وإعادة التكوين: الفرق شاسع! (النهار ٢١ تموز)

مذ سقط قطاع المصارف في فخ شراء الوقت في انتظار الإنقاذ لم يتوقف الكلام الاتهامي في حقه وإن كان بعضه “شعبوياً” بخلفيات سياسية ومصالح ضيّقة. في المقابل، برزت مبادرات وطروحات علمية يمكن التعويل عليها وأخرى لم تُكتب لها الحياة فدفنت في لحظتها.

وإن كان هدف هذه الطروحات إنقاذ ما بقي من القطاع وإعادة تأسيس بنية تحتية مصرفية تراعي إمكانيات الاقتصاد وقدرته على الاستمرار في النظام الاقتصادي الليبيرالي، فإن خطة التعافي رسمت خريطة طريق للنهوض بالقطاع المصرفي بغية الحفاظ على حقوق المودعين ولا سيما الصغار منهم، وكذلك أموال المؤسسات، وإعادة تفعيل دور القطاع المصرفي بشكل يخدم الاقتصاد، من خلال تمويل القطاع الخاص لتحفيز النموّ وتوفير فرص عمل.

الطروحات المتداولة تهدف في معظمها الى التأسيس لانطلاقة منتجة للمصارف، جديدة كانت أو قديمة، بغية تصويب نشاطها في الإفادة من الودائع التي تعهد إليها في تفعيل الاقتصاد وتطويره. من هذه الطروحات مشروع إلغاء القطاع العتيق برمّته وإعادة إطلاقه في 5 مصارف رأسمال كل منها 500 مليون دولار تبنّته مرجعيات سياسية، فيما عارضه معظم الاقتصاديين وخصوصاً المصرفيين خوفاً من أمرين، أولاً تغيير الهوية الاقتصادية والمصرفية للبنان، وثانياً مذهبة رخص المصارف الجديدة وتوزيعها حصصاً ومغانم لأهل السلطة. مشاريع أخرى طُرحت منها تمليك المصارف للمودعين وإعادة ضخ سيولة من مساهمين جدد لإعادة تنشيط السيولة في عروقها، الى أفكار أخرى أكثر عقلانية وقبولاً من المؤسسات الدولية والقطاع المصرفي اللبناني خصوصاً حيال ما تضمّنته الخطة الاقتصادية للحكومة التي لا تزال قيد النقاش الحامي قليلاً بين #جمعية المصارف من جهة ورعاة مشروع الحكومة من جهة أخرى.

الى جانب كل هذه الطروحات، برز طرح تبنّاه الرئيس السابق للجنة الرقابة على المصارف سمير حمود ويقضي بإعادة تكوين المصارف، وهو أمر استغربه نائب رئيس الحكومة سعادة الشامي، فيما المطروح حالياً وفق ما قال لـ”النهار” هو “إعادة هيكلة المصارف لتكون مستوفية كل متطلبات “بازل 3″ حيال السيولة ورأس المال وغيرها من المتطلبات التي تفضي الى استمرارية المصارف خصوصاً أن وضع المصارف حالياً أقرب الى الانهيار”. ولكن كل ذلك بحاجة الى دراسة معمقة، لذا سيُستعان بشركات متخصّصة لتقييم وضع المصارف والنظر في إمكان استمراريتها أو دمج بعضها ببعض”، وفق الشامي. أما ما يروّج عن إنشاء 5 مصارف، فيجزم الشامي بأن الأمر غير مطروح بتاتاً… وأكثر، فإن “الأمور لا تزال غير محسومة بالنسبة لعدد المصارف الحالية، إذ يمكن أن يبقى العدد على حاله أو يمكن خفضه الى أقل من 60 مصرفاً، كل ذلك متوقف على إعادة الهيكلة وقدرتها على تلبية الشروط والمعايير الدولية… وهذه الامور في انتظار صدور قانون إعادة الهيكلة”.

في المقابل، لا يرى حمود أي جدوى من إعادة هيكلة المصارف كما طرحتها خطة التعافي الاقتصادي التي أعدتها الحكومة الحالية. ويجزم لـ”النهار” بأنه “لا يمكن للقطاع المصرفي أن يعود الى عهده الذهبي من دون إعادة تكوين المصارف”. فإعادة الهيكلة كما هي مطروحة في خطة النهوض تعني برأي حمود “العمل على إصدار قوانين لإراحة المصارف الموجودة حيال مطلوباتها وتقسيطها. ولكن هذه الهيكلة لن تنفع على اعتبار أنه لن يكون في المقدور تصنيف هذه المصارف وفقاً للمعايير الدولية. وتالياً لا بد من إعادة تكوينها عبر إنشاء مصارف جديدة تقطع العلاقة مع البنك المركزي وكذلك المقاصّة بالعملة الاجنبية، على أن تستقطب الودائع وتعمل على تسليف القطاعات الاقتصادية وتعمل من جديد بأدواتها الخاصة، أي أن لا تحصل على فوائد على حساباتها في البنك المركزي”.

ويقول: “الترخيص لأي مصرف يعني وفق قانون النقد والتسليف، أن يكون البنك المرخص وسيطاً بين المودع وبين المقترض. وبما أن المصارف في وضعها الحالي لا تمارس مهمتها الاساسية أي إقراض أيّ شخص أو مؤسسة، حتى إنها لا تعيد الوديعة لأصحابها ولا تقبل أيّ وديعة من أحد، فهذا يعني أن رخصتها لم تعد قائمة. وتالياً يجدر السؤال: كيف يمكن لإعادة الهيكلة أن تبقى صالحة؟”.

ما يعتبره حمود خطأً فادحاً، هو “إنشاء مقاصة بالعملة الاجنبية بدأت عملها في عام 1988، وهو أمر لم يسبق أن حصل في أي دولة من دول العالم”. من هنا ليس مستغرباً، في رأيه، أن “لا يكون لدى صندوق النقد الدولي أي خبرة في معالجة أزمة المودعين مع المصارف لأن أموالهم مع المصرف المركزي”، لذا يشدّد على ضرورة وقف المقاصة الداخلية بالعملة الاجنبية وحصر التحصيل النهائي من خلال الحسابات في الخارج.

الدمج غير مجدٍ!
ولكن ماذا يعني مصطلح إعادة الهيكلة؟ وهل دمج المصارف هو الحل الانجع في إعادة الهيكلة؟ مصادر متخصّصة في الرقابة القضائية على المصارف المركزية توضح أن مصطلح إعادة هيكلة القطاع المصرفي يعني تنظيم القطاع المصرفي، ليصبح وجوده بأعداده متناسباً مع حجم الاقتصاد، خصوصاً أن “ثمة تضخماً كبيراً في عدد المصارف نسبة الى الواقع الحقيقي للبنان. ففي سويسرا مثلاً يوجد نحو 10 مصارف فيما حجم اقتصادها يعادل نحو 700 مليار دولار، بخلاف لبنان الذي يضم نحو 60 مصرفاً لحجم اقتصاد كان قبل عام 2019 نحو 48 مليار دولار، علماً بأن 7 من أصل 10 مصارف تستحوذ على نسبة 80% من الودائع”.

أما الدمج فيعني وفق المصادر عينها “التأسيس على ما هو موجود لإعادة تنظيم القطاع المصرفي من خلال “استحواذ” مصارف على أخرى، أي دمج بنك أو أكثر يملك نسبة سيولة إيجابية، مع مصرف أو أكثر يملك نسبة سيولة سلبية، بطريقة تقلل نسبة الانكشاف والمخاطر، وعلى نحو يمكّن البنك الذي دُمج به من أن يسير بنحو سليم وأن لا يصل الى مرحلة التعثر”. بمعنى آخر، “يجب أن يستطيع مصرف دامج قوي مليء تحمّل البنك المدموج المتعثّر”. ولكن عملية الدمج، وفق المصادر، ليست دائماً الوسيلة الناجعة للإنقاذ، مستندة بذلك الى فشل سياسة دمج المصارف التي اتُّبعت في اليابان إبان أزمة التسعينيات، مشيراً في هذا السياق الى ما صرّح به البروفسور تاناكا تاكايوكي الذي كان يعمل لدى بنك اليابان للتسليف الطويل الأمد بالقول: “كان يجب على اليابان ضخ رؤوس الأموال على الفور في البنوك عندما انهارت فقاعة الأصول، كما هي الحال في تعامل الولايات المتحدة مع الأزمة المالية العالمية عام 2008”.

وفيما سألت المصادر “هل التزمت المصارف بتعميم مصرف لبنان وضخت رؤوس أموال جديدة في ميزانياتها؟”، رأت أن “كل ما يُطرح يرمي الى إعادة إنتاج العيّنة نفسها التي أوصلت البلد الى هذا الدرك الأسفل والإفادة من عامل الوقت لإلهاء المواطن والاقتصاد، فيما الحل هو في تطبيق أصول القانون الرقم 2/ 67 الذي يرمي أولاً وأخيراً الى حماية المؤسسة المصرفية عبر تعيين لجان إدارة جديدة مهمتها تعويم المصرف وحماية الودائع”.

وختمت بالقول “إعادة الثقة هي الأساس لإعادة إحياء القطاع المصرفي وهي الكفيلة بإعادة الودائع واستقرار سعر الصرف”.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى