Uncategorized

كهرباء لبنان معلّقة بمشاريع “غير واقعية” مع أربع دول

لم تتمكّن وزارة الطاقة والمياه حتّى اللحظة من السير بأي خطّة تصحيحيّة شاملة لقطاع الكهرباء، بما يصحّح التعرفة من جهة، ويضمن زيادة التغذية على المدى القصير من جهة أخرى، تمهيدًا للتوسّع بزيادة الإنتاج وبناء المعامل الجديدة بعد استعادة القطاع لانتظامه. وبانتظار ذلك، لا يبدو أن هناك ما يمكن الرهان عليه، باستثناء الرهان على المشاريع المتفرّقة، التي يمكن أن تمد مؤسسة كهرباء بالحد الأدنى من المحروقات أو الكهرباء المستجرّة من الخارج، المطلوبة لمنع القطاع من الانهيار كليًّا. وجميع هذه المشاريع، تأتي أشبه بمساعدات خارجيّة مؤقتّة، وبتفاهمات غير مربحة للدول الأخرى المنخرطة فيها. وهذا تحديدًا ما يدل على عدم استدامة هذا النوع من الحلول، القائمة على استجداء الدعم الخارجي الإقليمي، بدل بناء نموذج استثماري مستدام.

رهانات الوزارة لمنع انهيار القطاع تتركّز على أربعة مشاريع: تمديد عقد الفيول العراقي، ومحاولة إطلاق مشروع الغاز المصري، بالإضافة إلى مقترح استجرار الكهرباء من تركيا، والحصول على شحنات من الفيول الجزائري. لكن جميع العارفين بتفاصيل المشاريع الأربعة يشيرون إلى أنّ أقصى ما يمكن تحقيقه حاليًّا من هذه الأهداف هو تجديد عقد الفيول العراقي، بالنظر إلى حجم المشاكل الشائكة التي تحيط بالمشاريع الأخرى. بمعنى آخر، أفضل السيناريوهات بالنسبة إلى وزارة الطاقة اليوم سيكون الحفاظ على معدلات الإنتاج الحاليّة، في حال تجديد عقد الفيول العراقي، أو ربما زيادة معدلات التغذية إلى حدود الأربع ساعات كحد أقصى في حال زيادة واردات لبنان من هذا الفيول.

تجديد عقد الفيول العراقي
يمثّل عقد الفيول العراقي حاليًّا المصدر الوحيد الذي تعتمد عليه مؤسسة كهرباء لبنان، لمد معامل الكهرباء اللبنانيّة بالفيول المطلوب لتشغيلها. وكما هو معلوم، يقوم العقد حاليًّا على مراكمة التزامات بالدولار المحلّي في مصرف لبنان لمصلحة المصرف المركزي العراقي، مقابل شحنات الفيول، على أن يتم استخدامها من قبل العراقيين في السوق المحليّة. مع الإشارة إلى أنّ حجم المستحقات التي تراكمت حتّى اللحظة على لبنان تجاوزت حدود 500 مليون دولار، وهي مستحقات يبحث العراقيون في كيفيّة استخدامها حتّى اللحظة.

في كل الحالات، من المفترض أن تنتهي مدّة عقد الفيول العراقي بحلول شهر أيلول المقبل، ما سيعني انقطاع آخر مصادر المحروقات التي تغذّي معامل الكهرباء في حال عدم تجديد العقد. لكنّ مصادر وزارة الطاقة أشارت إلى أنّ مدير عام الأمن العام عبّاس إبراهيم تمكّن من انتزاع “وعد شفهي” من رئيس الوزراء العراقي، بتجديد العقد في أيلول ومضاعفة حجم الواردات السنويّة التي ينص عليها العقد، وما سيعني زيادة معدلات التغذية اليوميّة من ساعتين إلى أربع ساعات.

لكن وبمعزل عن التفاؤل المفرط في حديث مصادر وزارة الطاقة، تشير المعلومات المتوفّرة إلى أنّ الجانب العراقي مازال ينتظر تفكيك بعض العقد قبل البحث في مستقبل عقد الفيول الموقّع مع لبنان، وأهمّها كيفيّة الاستفادة من المبالغ الضخمة المتراكمة في مصرف لبنان، وتلك التي ستتراكم في حال تجديد العقد. وهذه المسألة بالتحديد، ستكون موضوع بحث وفد عراقي سيزور العاصمة بيروت خلال الأيام المقبلة، للبحث في البدائل المتوفّرة مع كل من مصرف لبنان ووزارة الماليّة وعدّة مؤسسات خاصّة في قطاعات اقتصاديّة مختلفة. مع الإشارة إلى أن الجانب العراقي يحاول البحث في إمكانيّة استعمال هذه المبالغ لشراء منتجات زراعيّة وسداد رسوم جمركيّة وتلقي خدمات تدريب طيّارين وطباعة الكتب. وحتّى بعد معالجة هذه الإشكاليّة، من المفترض أن يعقد وزير الطاقة اللبناني مجموعة من اللقاءات في العراق للبحث في مندرجات العقد الجديد والتوافق على تفاصيله مع الجانب العراقي، وهو ما لم يتم حتّى اللحظة.

الغاز المصري: ملف عالق عند البنك الدولي
حتّى إشعار آخر، سيبقى ملف مشروع الغاز المصري عالقًا لدى البنك الدولي، الذي لم يوافق حتّى اللحظة على منح لبنان القرض المطلوب لتمويل شراء الغاز من مصر. وكما هو واضح، لم يقتنع البنك الدولي حتّى اللحظة باستدامة أو واقعيّة خطّة الكهرباء التي تم تقديمها إليها، لنيل القرض على أساسها، بغياب خطّة تصحيح نقديّة وماليّة شاملة متفق عليها مع صندوق النقد. وبصورة أوضح، بات البنك الدولي على قناعة بأن جميع خطط التصحيح القطاعيّة –كخطة الكهرباء- لن تملك فرص النجاح، إذا لم تأت من ضمن سلّة الإصلاحات الشاملة التي يفترض أن تعيد انتظام الماليّة العامّة وسوق القطع. فالقدرة على تأمين العملة الصعبة لمؤسسة الكهرباء لسداد إلتزاماتها، سترتبط مثلًا بسياسة توحيد وتعويم سعر الصرف، فيما ستعتمد قدرة الدولة على صيانة البنية التحتيّة على مستقبل ماليّتها العامّة. وكل ذلك، يربطه البنك الدولي ببرنامج صندوق النقد، والبدء بتطبيق خطّة التعافي المالي.

أما من جهة عقبة الإعفاءات الأميركيّة من قانون قيصر، فالإعفاءات الخطيّة انتظرت في البداية توقيع الجانبين اللبناني والمصري على عقد المشروع، بالنظر إلى إصرار الجانب المصري على ربط الإعفاءات الخطيّة بنص العقد الموقّع مع لبنان. ولهذا السبب، لم يكن من الممكن الحديث عن عراقيل أميركيّة أو تأخير في منح الإعفاء الخطّي قبل توقيع الاتفاق في 21 حزيران الماضي. أمّا بعد هذا التاريخ، دخلت كرة الإعفاءات الخطيّة في ملعب الأميركيين، وبات من الممكن ربط أي تأخير إضافي في منح الإعفاءات بموقف ما من الجانب الأميركي.

كهرباء تركيا وفيول الجزائر
آخر الرهانات غير الواقعيّة، تركّز على إمكانيّة استجرار الكهرباء برًا من تركيا، لتأمين زيادة معيّنة في التغذية الكهربائيّة. لكن جميع المصادر المواكبة لهذا المسار بالتحديد أشارت إلى وجود عراقيل تحول دون إمكانيّة البحث بهذا المشروع بشكل واقعي، أبرزها انتفاء التفاهم السوري التركي اللازم للقيام بهذا النوع من المشاريع المشتركة، بالإضافة إلى عقبة العقوبات الأميركيّة على سوريا التي قد تعيق مشروعاً كهذا، إذا لم تمتلك الإدارة الأميركيّة الحماسة له.

أمّا أهم ما في الموضوع، فهو أن تركيا مازالت حتّى اللحظة تطالب بتحصيل ما يقارب 250 مليون دولار، من الأموال المستحقة لمصلحة شركة كارادينيز، صاحبة بواخر الكهرباء الشهيرة التي غادرت الشواطئ اللبنانيّة على خلاف مع الجانب اللبناني. وبوجود هذه المستحقات غير المدفوعة، من المستبعد أن يوافق الجانب التركي على مراكمة إلتزامات جديدة لمصلحته على الجانب اللبناني، وخصوصًا في ظل التأزّم المالي الذي يمر به لبنان.

رابع رهانات وزارة الطاقة، يتركّز اليوم على إمكانيّة الدخول في اتفاقيّة جديدة لتوريد الفيول من الجزائر، مع تسهيلات ماليّة بالدفع وفترة سماح يمكن أن تمتد لأشهر عدّة، وهو ما يخطط وزير الطاقة للعمل عليه خلال المرحلة المقبلة. لكن مرّة جديدة، يبدو من الواضح أن هذا الرهان لا يتسم بالكثير من الواقعيّة، بالنظر إلى الخلافات التجاريّة التي حصلت في مراحلة سابقة مع شركة سوناطرك الجزائريّة، والتي أدّت إلى مغادرة سوناطرك السوق اللبناني لاحقًا بعد انتهاء عقدها مع لبنان. وهكذا، لا تؤشّر علاقة لبنان المتشنّجة بسوناطرك إلى إمكانيّة دخول الشركة الجزائريّة بعقد متساهل مع لبنان، مع فترات سماح وتحمّل لمخاطر عدم السداد المرتفعة.

هكذا، لا يوجد ما يمكن الرهان عليه في الوقت الحالي سوى الحفاظ على الحد الأدنى من واردات الفيول العراقي، بعد شهر أيلول المقبل، لمنع سيناريو انهيار شبكة الكهرباء العامّة بشكل تام. وفي حال تعثّر تجديد العقد لأي سبب من الأسباب، فسيفقد اللبنانيّون آخر ساعات التغذية التي تؤمّنها مؤسسة كهرباء لبنان في الوقت الراهن، وهو ما سيعني إحالتها إلى التقاعد. أمّا سيناريوهات عودة الانتظام للقطاع، بما يمكنه من استعادة توازنه المالي وشراء الفيول، فمربوط بخطّة سابقة قدمها وزير الطاقة لربط فواتير المؤسسة بسعر صرف منصّة صيرفة، إلا أن هذه الخطّة مجمّدة في الوقت الراهن بانتظار تشكيل الحكومة التي يجب أن توافق عليها أولًا.

بواسطة
علي نور الدين
المصدر
المدن

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى