Uncategorized

إقتصاد الكاش خطر داهم على سمعة لبنان المالية… عالمياً (نداء الوطن 25 تموز)

هل سيصنف لبنان في القائمة الرمادية من قبل مجموعة العمل المالي (فاتف)؟

لا يمكن النظر إلى زيارة فريق من مجموعة العمل المالي لمنطقة الشرق الأوسط وشمال افريقيا (MENA FATF) إلى بيروت خارج سياق الأزمة الإقتصادية والمالية التي تعصف بلبنان، وتداعياتها التي تؤثر على قدرته في ضبط عمليات تبييض الأموال وتمويل الارهاب. وهي المهمة الاساسية التي تريد المجموعة التحقق من تنفيذها من خلال الاجراءات القانونية والتنفيذية المحلية والعالمية التي يتبعها، علماً أن لبنان كان من السباقين إلى إقرارها وتنفيذها في النظام المصرفي اللبناني وباقي المؤسسات المعنية.

مرد هذا الترابط بين الأزمة والهدف الذي تسعى المجموعة للتحقق منه لا يعود إلى نقص في القوانين والتشريعات، فلبنان هو عضو فاعل في المنظمة الإقليمية التي تتخّذ من المنامة مقرّاً رئيسياً لها. وهو من مؤسسيها في العام 2004. ولديه كفاءات مصرفية كبيرة ساهمت في إرساء قواعد الامتثال القانوني للعديد من المصارف اللبنانية والعربية، بل يعود إلى خاصرة مفتوحة في جسم الكيان اللبناني إزدادت إتساعاً بعد الأزمة. ومنها يمكن العبور لتنفيذ هاتين الجريمتين وتتمثل بالمعابر غير الشرعية (وما يمكن أن يتم عبرها من نقل أموال) والسوق السوداء لصرف الدولار، وإزدهار سوق الكاش ونقل الاموال «بالشنطة» من قبل الكثير من المغتربين وغيرهم إلى لبنان، بسبب التعقيدات التي تحيط بالتحاويل المصرفية. فضلاً عن إزدهار ظاهرة جمع التبرعات لدعم اللبنانيين خلال الازمة، وإفتتاح متاجر البيع بالتجزئة وبفروع متعددة في المناطق من دون أن يكون لها مردود تجاري حقيقي (التي تعد أحد أشكال تبييض الاموال) خصوصاً أن جميع المسؤولين يُقرون بتراجع القدرة الشرائية للبنانيين في ظل الازمة. وهي عوامل كلها تجعل من عملية تنفيذ القوانين لمكافحة تبييض الاموال وتمويل الارهاب من قبل السلطات المعنية أمراً غير يسير وإن كان النظام المصرفي اللبناني لا يزال يقوم بواجباته المتعلقة بالإمتثال وتطبيق نظام إعرف عميلك».”

تصنيف لبنان في المنطقة الرمادية؟

إنطلاقاً من كل هذه المعطيات الجديدة التي طرأت على مسار إلتزام لبنان بمكافحة هاتين الجريمتين، ثمة ترقب لما يمكن أن ينتج عن زيارة المجموعة إليه والتي تستمر ثلاثة أسابيع. وعمّا إذا كانت ستنتهي بإخضاعه لبرنامج التقييم المشترك الذي ينذر ببلوغ مرحلة الانضمام الى تصنيف «الدول الرمادية» بسبب هذه المعطيات التي طرأت. والتي قد تتبعها تعقيدات في العمليات المالية عبر الحدود وشبكة العلاقات مع البنوك المراسلة. علماً أن مهمة المجموعة حالياً هي إستكمال لعملية التقييم التي تجريها قبيل بلوغ مرحلة إصدار التوصيات ووضع خطة عمل ليتخذ لبنان ما يلزم، بالتعاون مع الجهات المختصة، لتنفيذها.

زيارة المجموعة فرصة وليس مشكلة

يقارب المستشار القانوني شهدان جبيلي زيارة فريق من مجموعة « MENA FATF» بيروت من زاوية أنها «فرصة» يُمكن للبنان الإستفادة منها وليس «مشكلة» قد تزيد من التخبط الذي يعيشه فيه إقتصادياً ومالياً منذ ما يقارب السنتين ونصف. ويشرح وجهة النظر هذه لـ»نداء الوطن» بالقول: «الظروف الصعبة التي يعيشها لبنان يجب أن تكون حافزاً لتطبيق القواعد المحلية والعالمية لمكافحة هاتين الجريمتين ومتابعة العمل على أخذ الاقتصاد اللبناني نحو الإتجاه الصحيح»، موضحاً أن «الجميع يُقر أن لبنان يواجه تحديات غير سهلة لكن اللجوء إلى الدواء لا يكون إلا حين يشتد المرض. وثمة هدفان للبنان والقطاع المصرفي. الاول تطبيق القواعد الدولية المتعلقة بهذه الجرائم رغم تحديات الوضع الحالي، والثاني والأهم هو السير بالإقتصاد اللبناني نحو التعافي». ويلفت إلى أنه «حين يتم تطوير قواعد مكافحة تبييض الاموال والارهاب سيزيد هذا الامر من الضوابط المشروعة التي تحول دون دخول «الكاش غير الواضح المصدر» في النظام المصرفي اللبناني. ولذلك من الأولى التركيز على تطبيق القواعد وتطويرها بما يتناسب مع القواعد العالمية». ويرى جبيلي أنه «من مهام جميع المسؤولين إبقاء لبنان على تواصل مع النظام المصرفي العالمي على أسس القواعد السليمة، وأن نعطيه القدر اللازم من الاطمئنان رغم الظروف الصعبة. ليس لأغراض سياسية بل لأنها تتعلق بحاضر ومستقبل أبنائه الاقتصادي والمعيشي. أي أن نبقى على علاقة صحيحة بالبنوك المراسلة العالمية لنبقى قادرين مثلاً على إستقبال تحويلات المغتربين إلى ذويهم وتحويل الأموال إلى الخارج لتعليم أبنائنا وتمويل العمليات التجارية».

ضرورة تطمين المصارف المراسلة

ويشدد على أن «مجموعة العمل المالي (FATF) هي المنظمة الاساسية العالمية المعتمدة من كل دول العالم، كي تضع وتطور القواعد لمكافحة تبييض الاموال وتمويل الارهاب لمجاراة التقدم الذي يحصل في عالم مكافحة الجرائم المالية، لهذا تمّ مثلاً وضع قواعد جديدة وتوصيات لمكافحة تبييض الاموال وتمويل الارهاب عبر العملات الالكترونية». مشيراً إلى أن «مهمة لبنان والقطاع المصرفي هو البقاء على تواصل دائم مع هذه التطورات العالمية لأن لبنان حين يلتزم بتطبيق القوانين لمكافحة هاتين الجريمتين، فهو يلتزم أيضا بتطبيق أي تعديلات تفرضها التطورات اللاحقة مثل القواعد المتعلقة بظهور العملات الرقمية أو بنشوء أي واقع رقابي أو نظامي جديد. ولذلك قاموا مثلاً بإصدار توصيات في ما يتعلق بمكافحة الفساد الذي هو تحدّ عالمي ولبناني»، معتبرا أن الاهم «أن من شروط بقاء العلاقة سليمة مع المصارف المراسلة إلتزام المصارف المحلية بمعرفة القواعد المطبقة عالمياً، لأن الاموال هي مثل المسافر إلى بلد ما حين تغادر الحدود «cross border» تصبح خاضعة للقانون الأجنبي إضافة الى القانون الوطني. وبسبب الازمة وجائحة كورونا تراجعت عائدات المصارف المراسلة من القطاع المصرفي اللبناني وزادت المخاطر»، ويؤكد على أنه «من واجبنا الدائم اعطاء المصارف المراسلة الاطمئنان على الشفافية وحُسن تطبيق قواعد الإمتثال. وهذا العنصر الاساسي الذي كان ولا يزال حجر الزاوية لإستمرارية هذه العلاقة وسلامتها، فصيانتها دوماً هي مصلحة وطنية أساسية».

التقييم المرتقب له وزن عالمي كبير

يشدد جبيلي على أنه «من واجباتنا كقطاع مصرفي ومؤسسات دولة سد أية فجوة يُمكن أن تحصل مع القواعد العالمية لمكافحة تبييض الاموال وتمويل الارهاب. وهذا ليس خياراً بل أمر ضروري»، شارحا أن «المجموعة أتت إلى لبنان لتقييم مدى إلتزامه بمكافحة هذه الجرائم، قد أتمت التحقق من هذا الامر من الناحية التقنية «Technical Assessment» أي تقييم القوانين والتشريعات اللازمة والتي ترتبط مع القواعد العالمية. وفي حال وجود بعض الثغرات سيتم الاشارة إليها لتتم عملية التصحيح». ويشير إلى أن «ما تقوم به المجموعة في المرحلة الثانية هي تقييم مدى فعالية تطبيق هذه القوانين «Effectiveness» بهدف مساعدة ليس فقط القطاع المصرفي بل لبنان، والتقرير الذي سيصدر سيكون له وزن كبير ومهم جداً لأنه سيصل إلى المراجع المختصة العالمية ومنها المصارف العالمية»، مؤكدا أنه «يجب على لبنان العمل بشكل مستمر ومثابر ودقيق لإظهار مدى جديتنا بالرغم من أي نواقص نعاني منها، ونثبت بأننا نملك الارادة والعزم، والمصداقية والخبرة التقنية اللازمة لتطبيق قواعد الامتثال في المصارف».

المصارف تقوم بواجباتها بالامتثال

يوضح جبيلي أنه خلال «الازمة المالية في لبنان، من دون التقليل من حجمها، حافظت المصارف اللبنانية على عاملين هما الثقة والمصداقية بتطبيق القواعد العالمية. ولذلك لا تزال المصارف المراسلة تتعامل معنا، لكن ذلك لا ينفي وجود تحديات ترافقت مع الازمة وشكلت عائقاً في مكافحة هذه الجرائم خلالها»، معتبرا أنه «مهما كانت نتيجة التقييم فالاهم هو أن تتثبت المجموعة أنه، واقعيّاً، هناك إرادة لبنانية واضحة وعمل جدي ومستمر لمكافحة هاتين الجريمتين بالشكل والمضمون، والالتزام بما يتناسب مع القواعد العالمية التي ساهمت بإرسائها FATF. فمن الامور التي تزيد من تقييم لبنان الايجابي هو تحديدنا للثغرات التي نعاني منها وإظهار إرادتنا الواضحة بالتصحيح والقيام بالاجراءات اللازمة».

يرى جبيلي أن «هذه المسائل مهمة جداً لأن التقييم سيشمل القطاع العام… مصرف لبنان وهيئة التحقيق الخاصة والجمارك وقوى الامن وكتاب العدل والقضاء الجزائي… وفي القطاع الخاص سيشمل المصارف والصرافين والمحامين والمحاسبين وتجار المجوهرات والعقارات ومؤسسات التحويل المالي وكازينو لبنان وكل الاماكن التي يمكن عبرها إرتكاب هذه الجرائم، لتبيان وجود القواعد ومدى تطبيقها وهل أن الكل- العام والخاص- يتفاعل بنفس الإتجاه ولتحقيق نفس الغرض».

ويختم: «في النهاية العبرة بالجدية والتطبيق الفعلي وعندنا الإمكانيات ولدينا شواهد على ذلك».

أوراق قوة إضافية

تجدر الاشارة إلى أن إنخراط لبنان في عملية الإصلاحات الهيكلية الشاملة في حال التقدم بإبرام إتفاقية البرنامج مع صندوق النقد الدولي، سيشكل قيمة مضافة لإصلاح ما يلزم إصلاحه من ناحية القوانين والتشريعات. ولا سيما أن البرنامج الدولي يتضمن إقرار سلسلة مشاريع قوانين مهمة بينها وضع ضوابط قانونية على حركة الرساميل والتحويلات (كابيتال كونترول) وتعديل قانون السرية المصرفية، فضلاً عن مشروع قانون إعادة هيكلة الجهاز المصرفي. كما يمكن للبنان إظهار جديته في مكافحة هاتين الجريمتين من خلال تطبيق قوانين مكافحة الفساد بعد أن تم إقرار القانون الرقم 175، والقانون الرقم 189 للتصريح عن الذمة المالية في العام 2020، والقانون الرقم 214 لاستعادة الأموال المتأتيّة من الفساد في العام 2021. وتمت ترجمة القانون الاول عملياً من خلال تأليف الهيئة الوطنية لمكافحة الفساد وتعيينها بنهاية الشهر الاول من العام الحالي.

الشك بقدرة لبنا

في ميزان الخبراء المصرفيين يرى الخبير المصرفي جو سروع لـ»نداء الوطن» أن إنهيار القطاع المصرفي في لبنان وعودة نظام الكاش لا يعني أنه لا يجب أن تكون هناك جهود لمكافحة تمويل الارهاب وتبييض الاموال»، مشدداً على أن «مجلس النواب أقر قوانين كافية لمكافحة هاتين الجريمتين. ولبنان ملتزم بالقوانين الدولية والمصارف اللبنانية لا تزال تطبقها كما أن هناك لجنة في مصرف لبنان تتابع وتراقب موضوع تبييض الاموال».

في المقابل يرى سروع أن «كل هذه العناصر لا تمنع الشك بقدرة لبنان على تحقيق هذا الامر كوننا في حالة فوضى مالية وليس هناك نظام مصرفي منتظم. والانتظام في المصارف يتعلق بخدمة الزبائن والمقاصة عنهم، كما يمكن تسجيل أن لجنة الرقابة على المصارف لم نشهد لها نشاطاً ملحوظاً حول هذه الملفات»، لافتاً إلى أن «MENA FATF» تأتي إلى لبنان في ظل هذه المعمعة للقيام بتقييم للبنان بالالتزام بتطبيق القوانين والتشريعات الخاصة بهاتين الجريمتين. لكن لبنان لديه ثغرة كبيرة هي أن المعابر غير مضبوطة والتهريب المستمر عبرها، والسوق السوداء، وإقتصاد الكاش الذي يكبر لدرجة أنه سيصبح أكبر من الاقتصاد الرقمي أو المصرفي. فالمناخ العام الموجود في البلد يستدعي الشك بنسبة لا بأس بها بإمكانية حصول تبييض الاموال وتمويل الارهاب».

يوضح سروع أن «وضع لبنان في منطقة التقييم الرمادية تكون بعد التأكد من تقصير المصرف المركزي ولجنة الرقابة على المصارف وهذا لم يحصل. ولكن إذا ثبت تورط أحد المصارف عندها يجب انتظار الاجراءات بحقه»، معرباً عن إعتقاده أن «الخطر على التقييم السلبي للبنان سيكون بسبب إزدهار إقتصاد الكاش والسوق السوداء حيث لا يمكن التثبت من أن الاموال المتداولة فيها نظيفة أم لا».

الثغرات في القوانين موجودة

لكن كل هذه النقاط الايجابية التي يجمعها لبنان في رصيده التشريعي لا تمنع من تسجيل ثغرات تحول دون محاصرة مرتكبي هاتين الجريمتين بشكل كامل حتى في المؤسسات الرسمية على حد تعبير المدير التنفيذي في جمعية «لا فساد» جوليان كورسون، الذي أكد لـ»نداء الوطن» أن لبنان كان يعاني من تحديات كبيرة في تطبيق القوانين التي تحول دون تنفيذ هاتين الجريمتين قبل إنتشار «إقتصاد الكاش» بشكل كبير. وهذه التحديات هي في الاطار المؤسساتي والقانوني والوضع الحالي يزيد منها». ويعتبر أن «أهمية الزيارة أنها جاءت لتقييم تطبيق القوانين بمكافحة هذه الجرائم ومنها القانون 44/2015 المتعلق بتبييض الاموال وتمويل الارهاب، إذ إن هناك ملاحظات على كيفية تطبيقه في اطار مؤسسات الدولة»، موضحاً أن «الثغرة القانونية تتعلق بأصحاب الحقوق الاقتصادية، أي الاصحاب الفعليين والحقيقيين للشركات والصناديق المالية، والتي بحسب هذا القانون من المفروض أن يكون هناك سجل في وزارة المالية لكل الشركات الموجودة للتصريح عن اسم صاحبها الحقيقي. لكننا لا نعلم إذا كان هذا السجل موجوداً بالرغم من محاولتنا (كمنظمة) التواصل مع وزارة المالية ولم ننجح في هذا الامر».

ويؤكد أن «ما نهدف اليه هو يكون هذا السجل موجوداً وأن يكون متاحاً للعام كي تكون المعطيات حول الاصحاب الحقيقيين للشركات والصناديق واضحة ومنشورة مما يساهم بمكافحة تبييض الاموال. لكن للأسف لم يتم العمل على سد هذه الثغرة نظراً لوجود الكثير من الاولويات في الوقت الحالي، ولكن من الضروري عليها على المدى المتوسط لأنه لا يمكن أن يحصل التعافي والنمو الاقتصادي من دون شفافية وربط الكتروني للنظام المالي في لبنان».

يتوقع كورسون ان «توصي المجموعة بحسن تطبيق القانون 44/2015 المتعلق بهاتين الجريمتين، علماً أنه تشريعياً هو قانون لا بأس به ويمكن تطويره أكثر. والاهم تطبيقه لتظهير الثغرات لتعديلها خاصة في ما يتعلق بدور هيئة التحقيق الخاصة في مصرف لبنان والحوكمة بما يتيح لها العمل بطريقة منسجمة أكثر مع المبادئ الدولية و لمصلحة لبنان العليا».

بواسطة
باسمة عطوي
المصدر
نداء الوطن

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى