Nouvelles Locales

الانهيار واقع ولكن من يحدث عن سبل الإنقاذ واللملمة؟ (النهار 25 تموز)

في لبنان شبه إجماع على أن الانهيار والتداعي للأوضاع عموماً هو من الموعود والمنتظر لا بل الحتمي، لكن الآراء تتعدّد وتذهب مذاهب شتى عندما يكون النقاش والسؤال عن سبل الخروج من عنق زجاجة المأزق وعن كيفية لملمة هذا التشظي الفارض نفسه عنيداً على كل المستويات.

هذا الضياع حاضر عند كل القوى السياسية وعند المشتغلين بالشأن العام من ناشطين ومحللين على حدّ سواء، واللافت أن ثمة استسهالاً لدى البعض من مكوّنات وشخصيات في تبرير فحواه أن مفتاح الحلّ هو بإلغاء الآخر أي الطرف المناوئ أو المخالف من المعادلة، وعندها تستقيم الأمور ويقوَّم الاعوجاج وينطلق قطار الانفراجات المنتظرة. وإلى جانب ذلك يكمن رهان مضمر حيناً ومعلن حيناً آخر على حلم تسوية خارجية تهبط على لبنان لتنقذه وتحقنه بشحنة الأمل الموعود.

عن سبيل الإنقاذ واللملمة يقدّم القيادي في التيار الوطني الحر النائب #آلان عون الرؤية الآتية: “في تقديري، إن المدخل الى اللملمة يكون باعتماد جدّي لمنطق جديد تحسم فيه المعالجات. المشكلة أن المساعي السابقة ديدنها الحفاظ على السلطة ومغانمها وليس بناء دولة مستدامة مفتوحة على التطوّر والعصرنة والحداثة. في تجارب مرحلة ما بعد الطائف كان ثمّة تركيز على إعادة إنتاج الصراعات والنزاعات السابقة ولم تكن عند هؤلاء أولوية المعالجات والحلول العميقة والدائمة التي تفتح باب الاستقرار وتبعث الطمأنينة والثقة بغد أفضل”.

والمشكلة الكبرى في رأي عون “هي في هذا التسليم التاريخي عند البعض بأن الحلول عند حالات الاستعصاء والانسداد مصدرها الخارج الإقليمي أو الدولي. وهذا الاستسهال والإذعان الكلي لهذه المقولة كان له جانبان سلبيان: الأول استرخاء الداخل بكل تلاوينه عن التفكير في إنتاج حلول وإنضاج تسويات، وهذا ما نراه انسحاقاً واستلاباً أمام الخارج وإلغاءً طوعياً للشخصية الوطنية الفاعلة. والثاني أن الخارج – بصرف النظر عن هويّته – استسهل التلاعب بالداخل إن لم نقل استمرار أسر هذا الداخل ورهنه.

واستطراداً، هذا ما يمكننا إسقاطه على واقعنا الحالي. فثمّة من روّج لنظرية أن محطة الانتخابات النيابية هي محطة مفصلية سيكون ما بعدها ليس ما قبلها، فبعدها الحلول وأبواب الفرج الموعود، ولكننا بعد الانتخابات عدنا الى مربّع التأزيم وربما بشكل أسوأ من ذي قبل. والأدهى أن ثمة من قدح زناد فكره وشحذ أسلحته ليقنعنا بأن كوّة الأمل والانفراج آتية ساعتها بعد انتهاء العهد الرئاسي الحالي ودخول ساكن جديد الى قصر بعبدا. إنها لعبة “بلف” للرأي العام من جهة وإهدار للوقت من جهة أخرى وتضييع لفرص إنضاج حلول ومخارج بهدوء ورويّة وعقلانية وليس بعقلية الإلغاء وتصفية الحساب مع الخصوم”.

ويخلص عون الى أنه “لفرط تكرار تلك التجارب المرة والرهانات الخائبة والوعود الزائفة يترسّخ يوماً بعد يوم اعتقاد فحواه أن الحلول في لبنان لا تكون إلا عبارة عن ولادة من الخاصرة أو ولادة قيصرية تأتي بعد مخاض وطني عسير”.

ويقدّم الباحث في علم الاجتماع السياسي والأكاديمي الدكتور طلال عتريسي إجابة أكثر براغماتية فيقول: “البحث دائماً عندنا يكاد ينحصر في كيفية إيجاد مخارج ولو آنية وعاجلة وكيفما اتفق من الاستعصاءات الدورية في حياتنا السياسية منذ نشأة الكيان حتى اليوم، خصوصاً أن ثمة من جرّب وحاول وناضل لتأسيس واقع سياسي وطني وطموح لكن تجاربه تلك ذهبت مع الريح وباءت بالخسران”.

ويستطرد عتريسي “وبعد حال التشظي الذي وصلنا إليه كما ورد في معرض السؤال، فإننا نكاد لا نعد أنفسنا بأكثر من تجديد الرهان الضمني على انفراجات إقليمية يرتفع منسوب الكلام عنها أخيراً وهي ما من شانها وفق المأمول أن تنعكس على واقعنا المحاصر بالأزمات. لذا، فرهاننا الأقرب هو على تقدّم الحوار السعودي – الإيراني المفتوح منذ أشهر عدة. وثمة بشائر تأتي من هذا المصدر أو تلك الجهة عن أن هذا التقارب الحاصل بين هاتين الدولتين قد بلغ ذروته، وهي الوعد بلقاء على مستوى وزراء الخارجية بين البلدين. وهو حدث إن اكتمل لا يمكن إلا نبني عليه آمالاً عراضاً خصوصاً مع علمنا بأن جزءاً كبيراً من التوتر الداخلي له صلة بالتوتر بين البلدين. وإن كان الانفراج الإقليمي الموعود عامل انفراج للاحتقان السياسي عندنا فإننا نرى أن التقدم الذي يمكن توقعه على مستوى الحصول على ثرواتنا النفطية والغازية المخزونة في عرض البحر والتي تحاول دولة الاحتلال حرماننا من الجزء الأكبر منها سينعكس انفراجاً على أحوالنا الاقتصادية والمالية المتعثرة وتزوّدنا بشحنة أمل انفراجية”.

وفي تقدير عتريسي، إن السجال والتراشق الحاصل المحتدم في الآونة الأخيرة لن يغيّر ويبدّل في الأوضاع. وخلص “مشكلة أخرى يعاني منها الواقع السياسي، وهي حال التفكك الدائم على مستوى الاجتماع السياسي الذي قارب حدّ التشظي، إذ إن كل القوى تبدو في حال وهن وتضييع لبوصلة التوجّهات وعدم القدرة على الفعل والتأثير واستطراداً عدم القدرة على الفصل بين المناورة والتكتيك والاستراتيجيا. فواقع مثل هذا لا ينتج حلولاً بل جنوحاً نحو المزيد من الصراعات وانعدام الرؤى”.

ويخلص عتريسي إلى “أن واقع الحال هذا يوجب على القوى المناهضة والحليفة لـ”#حزب الله” على حدّ سواء عدم الرهان على إضعافه وإنهاكه بل الذهاب الى التفكير في الاستفادة من قوته وحضوره بغية المضيّ معه نحو واحد من خيارين، إما تطوير العقد السياسي الحالي معه أو التجرّؤ على الذهاب نحو التفكير في عقد جديد”.

المصدر
النهار

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى