Nouvelles Locales

الجدل في شأن التشريع خلال مهلة انتخاب الرئيس… (النهار ٢٦ تموز)

عند كل استحقاق دستوري يثار الجدل بشأن تفسير مواد دستورية عدة. فالاختلاف ينحو أحياناً في اتجاه إضفاء الرأي السياسي على التفسير الدستوري، وهذا ما شهده لبنان منذ عقود. لكن مسألة صلاحية التشريع مع بدء المهلة الدستورية لانتخاب رئيس للجمهورية أثارت اجتهادات وتفسيرات عدة علماً بأنه لا مادة في الدستور تحظر التشريع بحسب ما أكده الوزير السابق سليم جريصاتي.

في الأول من أيلول المقبل تبدأ المهلة الدستورية لانتخاب رئيس للجمهورية وتمتد حتى 31 تشرين الأول المقبل، علماً بأن الأيام العشرة الأخيرة أي من 21 تشرين الأول حتى نهايته يكون المجلس النيابي في حال انعقاد دائمة لانتخاب رئيس للجمهورية ولا يمارس أيّ صلاحيات أخرى.

الخلاف على الصلاحيات ليس أمراً مستجداً، وظهر جليّاً منذ عام 2005، ووصل إلى ذروته عام 2007 قبل انتهاء ولاية الرئيس السابق إميل لحود، ومن ثم كان الجدل بشأن تشريع الضرورة وكذلك حول النصاب القانوني لانتخاب رئيس للجمهورية.

أما اليوم، ومع تأكيد رئيس #مجلس النواب نبيه بري صلاحية البرلمان في التشريع وعدم تقييده بمهلة، فإن أكثر من تفسير حجز مكانه في المشهد الملبّد سياسياً وعلى الصعد كافة.

فأستاذ القانون الدستوري داوود الصايغ ينطلق من نصّ المادة ٧٤ التي تنصّ على دعوة الهيئات الانتخابية دون إبطاء و”ان المجلس يجتمع بحكم القانون حال الفراغ من الاعمال الانتخابية. أما في حال خلوّ سدة الرئاسة لأي سبب كان فلأجل انتخاب الخلف يجتمع المجلس فوراً بحكم القانون”.

ويلفت الصايغ الى أن “الأولوية المطلقة لانتخاب رئيس الجمهورية، أي إن المجلس يجتمع فوراً لانتخاب الرئيس دون أي إبطاء. عدا أن المجلس الملتئم لانتخاب الرئيس هو هيئة انتخابية لا اشتراعية”.

ويؤكد أن “الدساتير وُجدت لكي تضبط العمل السياسي، والسياسة هي في خدمة الدستور وليس العكس”، ويعرب الصايغ عن حسرته لما يحدث ولا سيما التعاطي مع الدستور مع إيمانه بأن لا خلاص للبنان إلا بالدستور وأعرافه وحسن نوايا القيّمين عليه، ويرى أنه “إذا طال الانتظار فقد علمتنا التجارب والسوابق أن هنالك من يجد المخارج… ولو خارج الدستور”.

بيد أن تفسير المواد الدستورية أدخل البلاد في ما يشبه العصفورية (بالاستعارة من الرئيس نجيب ميقاتي) وسط تفسيرات متناقضة، وإن كانت القاعدة العامة تقول “لا اجتهاد في معرض النص”، فمن باب أولى الركون الى تلك القاعدة وكذلك الى السوابق ومن أبرزها أن المجلس النيابي الذي التأم لانتخاب رئيس للجمهورية (الشهيد رينيه معوض) في 5 تشرين الثاني عام 1989، صادق على وثيقة الوفاق الوطني (الطائف) وبالتالي مارس صلاحياته كاملة، ولكن في جلستين منفصلتين حيث إن رئيسه حينذاك الرئيس حسين الحسيني رفع الجلسة وعاد وافتتحها حتى لا يكون المجلس مارس غير صلاحية الانتخاب في الجلسة عينها، ثم كان التشريع في جلسة منفصلة عن جلسة الانتخاب.

يستدل من ذلك على أن “المجلس الملتئم لانتخاب رئيس للجمهورية لم يمارس صلاحية أخرى وفي مقدمها التشريع”. لكن لا نصّ دستورياً يمنع على المجلس التشريع خلال مهلة الشهرين أي المهلة المحددة دستورياً لانتخاب رئيس للجمهورية والذي نصت عليه المادة 75 من الدستور، وبطبيعة الحال الأمر ينسحب على الفترة المحددة دستورياً في حال الإخفاق في إنجاز الانتخاب في موعده.

فالوزير السابق والعضو السابق في المجلس الدستوري جريصاتي يؤكد أنه “عند وضوح النص لا اجتهاد. إن المجلس الملتئم لانتخاب رئيس لا يستطيع أن يشرع. هذا يعني أنه عندما يوجّه رئيس مجلس النواب دعوة لانعقاد الهيئة العامة لانتخاب رئيس، فخلال هذا الالتئام لا يستطيع المجلس أن يشرع”.

ويشرح جريصاتي أنه “لا يُعقل أن يكون المشرّع الدستوري حظر على مجلس النواب أن لا يشرع خلال الشهرين اللذين يسبقان انتهاء الولاية الدستورية لرئيس الجمهورية ما دامت سلطة التشريع أناطها الدستور حصراً بمجلس النواب من دون سواه من السلطات الدستورية بحسب المادة 16 التي أكدت “تﺗوﻟﻰ اﻟﺳﻠطﺔ اﻟﻣﺷﺗرﻋﺔ ﻫﯾﺋﺔ واﺣدة ﻫﻲ ﻣﺟﻠس اﻟﻧواب”. ولفت الى أنه “فضلاً عن أن مجلس النواب منعقد استثنائياً بقوة الدستور في ظل حكومة تصريف أعمال حتى نيل الحكومة الجديدة الثقة وليس في الدستور مادة تحظر على مجلس النواب التشريع خلال هذه المدة”. ويختم “إن ما أتاه الرئيس برّي من تفسير في هذا الخصوص صحيح”.

وفي المحصلة يبقى الخلاف على تفسير النص الدستوري على الرغم من وضوحه وعدم الحاجة لتفسيره كما هي الحال في المادة 75 التي تؤكد أن المجلس الملتئم لانتخاب رئيس لا يمارس صلاحيات أخرى، ولم يأت نصّ مخالف يمنع التشريع خلال التئام المجلس لغاية غير انتخاب رئيس للجمهورية خلال المهل الدستورية بشأن انتخاب رئيس للجمهورية. لكن يبدو أن التباينات السياسية تطغى في أغلب الأحيان على تفسير المواد الدستورية وكذلك تهمل النصوص الواضحة التي لا مجال للاجتهاد بشأنها، وهو ما أشار إليه جريصاتي.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى