Uncategorized

الأزمة تُضعضع القطاع العقاري بشكل كبير (نداء الوطن 1 آب)

فورة في التسويات وتراجع في الإنشاءات

في خضم الانهيار وأمام كثرة التحليلات عن واقع ومستقبل القطاع العقاري، كان لا بد من أخذ وقت مستقطع مع المهندس راشد جان سركيس للتحليل بالأرقام. فبين منحنيات مؤشراتها وتعرجات نسبها المئوية، تبقى الأرقام هي المرجع الأدق لفهم ما يمر به واحد من أهم القطاعات الاقتصادية وأكثرها مدعاة للتساؤل، خصوصاً أن العقار لم يعد جدراناً وسقفاً، إنما ملجأ للقيمة، ووسيلة للتحوط والادخار، ومكمن للمضاربة. وأمام المرحلة الضبابية التي تمر بها البلاد بشكل عام والقطاع العقاري بشكل خاص، كان هذا الحوار العلمي الموثق بالأرقام في تحليل الأزمات البنيوية في عالم العقار والبناء على السواء.

كم بلغت المساحات المسجلة لرخص البناء الجديد منذ بدء الازمة؟ وكيف يمكن تفسير الرقم؟

بعد انتهاء العامين 2020 و2021، صار من المفضل المقارنة بين السنتين بكمالها، فنستطيع إذ ذاك مقارنة مساحات الترخيص ببناء جديد التي سجلت في نقابة المهندسين، والتي بلغت 2,569,091 م² في العام 2020، بعد أن كانت عند عتبة الـ 3,329,629 م² في العام 2019. فالعام 2020 كان عام التقلبات الحادة في كل شيء، وبالأخص القطاع العقاري الذي تضعضع بشكل واضح وكبير. فالاسعار تزاحمت بين الشك المصرفي، واللبناني والنقدي وكل أنواع التفلتات غير المنطقية خارج العقل والضوابط العلمية التي لم تعد تفيد حتى بلوغ الاستقرار اللازم، والذي يتوجب العمل للوصول إليه.

على الرغم من ثقل الازمة، إلا أن الارقام تبين عدم تراجع المساحات المسجلة لرخص البناء الجديد بنسبة كبيرة في العام 2021؟ وعليه ما هي نسبة التأثر بالازمة؟ وكيف توزعت بحسب وظائف ووجهة الاستعمال، وكيف يمكن تفسيرها؟

في العام 2021، وصلت الأرقام المسجلة في الترخيص لبناء جديد إلى 2,168,922 م² أي بانخفاض منطقي عن العام الفائت (2020)، بنسبة 15.6%. يمكن إعطاء الرقم قيمة مضافة بحسب الاستعمال، وهذا يرتبط بالمتداول به، الذي يمكنه بحسب خبراته وعلمه وثقافته، وضع الرقم في خانة المركز الأول للتخطيط والتحليل والتوجيه والتطوير، في حين يغيب عن بال الكثيرين البُعد الخاص الذي يقدمه هذا الرقم. إن تسجيل المعاملات في نقابة المهندسين وخاصة تراخيص البناء الجديد تتأثر بشكل واضح بعناصر كثيرة تتعلق بالانظمة الارتفاقية والحقوق المكتسبة والقوانين المرعية، والانظمة الداخلية والتعقيدات المتراكمة والكلفة المرتقبة وزياداتها العنيفة. ولا سيما في خضم الفوضى المالية التي شهدها السوق والتخمين العقاري الذي يشكل الرقم الوهمي – الكذبة الكبيرة في تسعير كلفة الترخيص ما بين الرسوم المالية والبلدية والنقابية ومتعلقاتها في الإسكان والتعمير (قصة راجح) والجاري والصرف الصحي والارصفة… وعلى ما يبدو فان الأرقام تشير إلى توجه الناس إلى البناء الجديد في القرى والبلدات النائية في الأرياف. وهذا إن دل على شيء فعلى الضعف الجوهري الذي تعاني منه التجمعات السكنية الكثيفة بفعل الافتقار إلى بنية تحتية صحيحة توفر للناس الخدمة التي كانوا ينتظرونها… فخابت آمالهم، وما ان عصفت بالبلاد أزمة حادة بهذا القياس القاتل، حتى ارتد الناس باتجاه العودة إلى المصدر والجذور…

شهد العام 2021 ارتفاعاً ملحوظاً في مجموع المساحات العامة المسجلة بالمقارنة مع العام 2020، فهل يمكن اعتبار هذه النسبة مقياساً، أم أنه لا يجوز المقارنة مع أرقام العام 2020، بل الأصح المقارنة مع أرقام السنوات التي سبقت الازمة؟

لا يجوز مرة مقارنة تراخيص البناء الجديد ومرة أخرى كافة معاملات الترخيص… إن مقارنة الرقم 7,788,110 أمتار مربعة المتعلق بكافة التراخيص المسجلة في العام 2021، بالرقم 4,416,355 م² المتعلق بكافة التراخيص المسجلة في العام 2020، إن دل على شيء فعلى التدافع لتسجيل معاملات التسويات التي مددت مهل الاستفادة فيها من الحسومات التي نص عليها القانون، علاوة على تثبيت التخمين بالسعر الرائج بتاريخ صدور القانون أي تموز 2019.

هل من علاقة بين تراجع عمليات التشييد وبين أسعار الاسمنت، خصوصا أن هذه المادة كانت مفقودة لمدة طويلة كما شهدت ارتفاعات كبيرة في الاسعار؟

في دراسة سابقة لي حول كميات المواد التي تتطلبها عمليات البناء في لبنان، تبين لي أن هناك عدم توازن بين الترخيص وتسجيل أوامر المباشرة. فقانون البناء يسمح للمالك الذي حصل على ترخيص بالبناء ان يقوم بتنفيذ مندرجات الترخيص وحقوقه المكتسبة فيه، خلال مهلة ست سنوات قابلة للتجديد لمدة سنتين، مما يعطي المالك حرية الاختيار لتاريخ بدء اعماله، ولا سيما في ظروف متبدلة كالتي تمر بها البلاد. إن موضوع الترابة هو موضوع تجاري بحت، ولا علاقة أبداً بين مقارنة انتاج الترابة وتراخيص البناء، والعام 2021 يؤكد بأرقامه هذه الفكرة، فالتسويات لا تستهلك مواد، والمواد تزداد إنتاجاً لأن أصحاب معامل الاسمنت يتاجرون بالمواد حتى خارج الحدود اللبنانية.

هل من أرقام عن حجم انتاج الاسمنت خلال العام الماضي، وفي النصف الاول من العام الحالي، خصوصاً أن عمليات التشييد تعتمد بنسبة 100 في المئة على الاسمنت الوطني. وهل شهدت هذه الصناعة تراجعات أيضاً، نتيجة تراجع عمليات البناء؟

ليست لدي أرقام دقيقة عن انتاج معامل الاسمنت، إلا انني استطيع أن أؤكد أن كمية الاسمنت المنتجة تفوق بكثير حاجة السوق المحلية. وبتقديرات ومقارنات سابقة كان لدينا تصور بان النسبة هي ثلث الانتاج معد للاستهلاك الوطني الداخلي، والثلثين للتصدير. تجدر الاشارة إلى أن هناك تراجعاً كبيراً في المشاريع العامة التي تستهلك هي أيضاً كميات ضخمة من الاسمنت، وهي اليوم في حالة الركود القاتل ويمكن بتحليل بسيط لتطور اعمال المتعهدين الكبار، ملاحظة الامر.

هل شكلت الازمة عملية تصحيحية في القطاع العقاري لجهة الاسعار وعمليات البناء (الانتقال إلى الشقق ذات المساحات الصغيرة) وانحصار الطلب بالحاجة وليس بالمضاربة؟

بدءاً من العام 2007 ظهرت طفرة عقارية اختلقتها إشاعة أن بيروت تفتقد إلى العقارات القابلة للبناء، حتى قال البعض أن العقارات التي يمكن بناؤها أصبحت معدودة… وهذا الأمر جعل الطلب يتضاعف على العقارات في بيروت، وتضاعفت معه الاسعار، وبالتالي انسحب الأمر مع تردد هذه الطفرة لينتشر من الوسط إلى كل المناطق اللبنانية. بين العامين 2008 و2009، كان لي الكثير من المداخلات على الإعلام، ونبهنا كثيراً إلى ضرورة التقشف واستخدام المساحات الذكية التي يحتاجها الانسان لسكنه وعدم الذهاب الى كماليات المساحات الفضفاضة التي تكلف أموالاً طائلة، وتزيد المشكلة تعقيداً في المرحلة التالية، حيث التشغيل والصيانة والتنظيف والتأهيل والحفاظ على المتانة – متانة البناء (المادة التي ينص عليها قانون البناء ولا أحد يطبقها). وقد تجاوب مع هذه الدعوات الكثير من المستثمرين الذين عدلوا تراخيصهم وخففوا من قياسات الشقق التي كانون ينشؤونها…

إلا أن الازمة الراهنة بدأت تُظهر بعداً أكثر احتداماً في اتجاه التقليص والتصغير، وهذا يتعلق خاصة بالتجمعات السكنية الكبرى – المدن وضواحيها. وبرأيي، إن الأزمة المالية التي تعصف بالبلاد، بسبب قرار رسمي بذلك، أدت إلى تكبيد القطاعات خسائر فادحة تفوق بكثير الخسائر المصرفية التي يتكلم عنها هؤلاء أضعاف الأضعاف، وهو أمر مؤسف للغاية. ومع بوادر الانقباض العام، بدأ الناس يتفهمون معنى التزام الحاجة وعدم الذهاب أبعد من ذلك إلى كماليات ليست من الضروريات. وهذا الأمر بدأ يترعرع في المجتمعات اللبنانية وصار الناس يعملون على توفير الحاجة الضرورية ويعرفون ان يختاروا اولوياتهم.

هل ستستمر موجة التراجعات في أسعار العقار؟ وكم يمكن أن تبلغ؟ أم أن القطاع سيستعيد عافيته وبأي شروط؟

كما كل التداولات التي تشبه البورصة، يبقى العقار في لبنان موضع تقلبات صغيرة وكبيرة، وقد يتأثر بخبر من هنا أو إشاعة من هناك، وكما ذكرنا وذكّرنا بما حصل في العام 2007-2008، يمكن ان تتكرر التجربة مع إضافات كبيرة في الأسعار. إلا ان الثابت الجديد الذي لن يتغير هو الجنوح نحو المساحات الأصغر والوحدات الاكثر.

فتبدل العادات المجتمعية وتوق الناس إلى الحرية الفردية وتوجه العائلات إلى تخصيص كل ولد بغرفة، ستطبع المرحلة المقبلة بمبادرات تصغير المساحات وتكثير الوحدات داخل الشقة الواحدة وعدم الاهتمام بغرفة الطعام مثلاً، وكل مساحة مشابهة لا يمكن الاستفادة منها لوقت اطول.

سيفكر الناس في كل خيار يجعلهم يستثمرون كل متر مربع طوال الأربعة وعشرين ساعة، بكل ما فيها من مكان واستخدام الطاقة والبنية التحتية المتوفرة لتخفيض الكلفة التشغيلية التي صارت أكثر من همّ، ومسبب لقلق يومي عن مستقبل، كذب في استعماله البنوك حين اتخذت منه في شعاراتها، انه سيكون أفضل.

لا بد من تسجيل بعض الملاحظات العامة بشكل سريع:

1 -تسجل في نقابة المهندسين كافة الأعمال الهندسية التي يحققها المهندسون في كافة الإختصاصات، وهي تنقسم في مجال البناء إلى قسمين:

الأول، يتعلق بالترخيص بالبناء الجديد – الذي يشكل محور موضوعنا.

الثاني، يتفرع إلى شقين

i. أبنية قائمة يتم العمل على ترميمها أو تأهيلها أو الإضافة مع أو بدون بعض التعديلات.

ii. أبنية تتم تسوية مخالفات بناء عليها، وهي ولا تُحتسب في رصيد الابنية الموجودة، بسبب انجازها سابقاً…

مصدر الأرقام: تقارير هيئة المندوبين في شهر آذار في نقابة المهندسين في بيروت لعامي 2021 و

بواسطة
خالد أبو شقرا
المصدر
نداء الوطن

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى