Nouvelles Locales

واشنطن: تطورات لبنانية إيجابية في 2023 (الجمهورية 1 آب)

قبل أن يحطّ الموفد الاميركي أموس هوكشتاين في مطار بيروت، عاجله «حزب الله» بشريط مصور لإحداثيات منصّات استخراج الغاز الاسرائيلية، والتي جرى تصويرها قبل فترة وجيزة، وبتقنيات عسكرية جديدة ومتطورة. اراد «حزب الله» ان يذكّر هوكشتاين بأنّه موجود بقوة، وانّه قادر ساعة ما يشاء على الوصول إلى المنصات البحرية التي هي في دائرة مرماه.

وبخلاف التفسير المتسرّع للبعض بأنّ رسالة «حزب الله» تناقض رسائل الرئيس نبيه بري قبل ساعات، فإنّ رئيس المجلس النيابي كان قد قال، ولو بصياغة ايجابية، بأنّ الذهاب إلى الناقورة افضل من الذهاب الى «مطرح تاني».

صحيح انّ الأجواء الصادرة من اسرائيل والولايات المتحدة على السواء أوحت بالايجابية، الّا انّ ثمة تفاصيل كانت لا تزال عالقة، وانّ الموفد الاميركي سيعمد لاستخدام حنكته التفاوضية لتحصيل اكبر قدر من المكاسب.

وصحيح انّ رسالة «حزب الله» لم تستسغ البعض، لكن في الواقع فإنّ الرسالة المصورة ستعزز موقع المفاوض اللبناني وستفيده في تحسين شروطه.

لكن النتيجة محسومة سلفاً. فطالما انّ الذهاب إلى الحرب غير وارد لألف سبب وسبب، فإنّ الاطراف المعنية بالمفاوضات ملزمة بإنجاز التفاهم المطلوب، ولو انّ لديها بعض الوقت للمناورة قبل الوصول إلى مطلع ايلول او الحدّ الفاصل. تكفي الإشارة مثلاً إلى انّ المنصّة العائمة في كاريش لا تزال تحظى بتأمين كبريات شركات التأمين الدولية. والمعروف انّ شركات التأمين الكبرى، والتي تتقاطع مع عواصم القرار، تسحب تأمينها في المناطق التي ترتفع فيها مخاطر اندلاع الحروب، وهو ما يعزز الانطباع بأنّ الدخان الابيض سيتصاعد قريباً لا الدخان الاسود.

وقبل انطلاق هوكشتاين كان قد صدر عن وزارة الخارجية الاميركية بيان معبّر جاء فيه، انّ ادارة بايدن ملتزمة بتسهيل المفاوضات بين لبنان واسرائيل حول الحدود البحرية، وانّ التوصل ألى حل أمر ضروري وممكن، ولكن لا يمكن تحقيقه الّا من خلال المفاوضات الديبلوماسية. والكلام الاميركي الرسمي هنا ليس بحاجة لأي تفسير. كذلك، فإنّ السفيرة الفرنسية في لبنان آن غريو عمدت وبطلب من بلادها، إلى البقاء في لبنان بانتظار انتهاء مهمة هوكشتاين في بيروت، قبل مغادرتها إلى باريس لوضع المسؤولين الفرنسيين في نتائج مهمّة المفاوض الاميركي، على ان تبقى في بلادها لتمضية اجازتها السنوية

وهذا مؤشر ايجابي اضافي حيال الحرص الفرنسي على نتائج مهمة هوكشتاين والانفراج المتوقع حول الترسيم البحري، ما سيعطي إشارات دولية من المفترض ان ترخي بظلالها على الاستحقاق الرئاسي الذي لا يزال غامضاً.

الرئيس نبيه بري ضاعف من الغموض الحاصل عندما تحدث للمرة الاولى عن انّه لن يدعو إلى جلسة لانتخاب الرئيس الّا بعد إقرار مجلس النواب للاصلاحات المطلوبة من قِبل صندوق النقد الدولي. وهو موقف يحمل الكثير من التأويل، خصوصًا لناحية الربط بين المطالب الدولية والاستحقاق الرئاسي. وخلال الاسابيع الماضية حضر لبنان في محطات دولية ثلاث: الاولى خلال زيارة الرئيس الاميركي للسعودية، والثانية من واشنطن مع موقف للرئيس بايدن، والثالثة في القمة الفرنسية – السعودية.

هذه المواقف المتتالية عن لبنان لا تبدو انّها في الإطار الانشائي او الموقف الروتيني. فهي توحي انّ ثمة تحضيرات بدأت في الكواليس لمحاكاة الاستحقاق الرئاسي المنتظر. ذلك انّ ثمة من يعتقد بأنّ واشنطن ستعمد لتجيير دورها على مستوى الاستحقاق الرئاسي لصالح فرنسا والسعودية معاً.

ذلك انّ لباريس والرياض دوراً اساسياً في ملف إعادة بناء النظام الاقتصادي اللبناني بعد إقرار الاصلاحات المطلوبة من قِبل صندوق النقد الدولي، وتولي السعودية فتح ابواب المساعدات الخليجية للمرحلة المقبلة. وبالتالي، فإنّ تفاهمات سياسية لا بدّ ان تسبق هذه المرحلة.

طبعاً من السخافة الاعتقاد بأنّ واشنطن ستغيب عن لبنان، فهي الجهة الدولية الوحيدة القادرة على ترتيب تسوية سياسية تسمح برسم صورة المرحلة التي ستلي انتخاب رئيس جديد للجمهورية. لكن المقصود انّ واشنطن ستترك الصورة لباريس والرياض، وهو تأكيد اضافي على التمسّك بهيكل اتفاق الطائف وعدم المساس بتوازناته الجوهرية، كما شاع خلال المراحل الماضية. الواضح انّ الاستحقاق الرئاسي قد لا يحصل قبل إنتاج تسوية داخلية ترسي قواعد المرحلة المقبلة، وهذه التسوية قد تكون بحاجة لمناخ اقليمي مؤاتٍ خصوصاً مع إيران لناحيتين: الاولى، تتعلق بالاتفاق النووي والثانية تتعلق بالتقدّم بالعلاقات ما بين السعودية وايران.

ورغم ذلك، فإنّ اوساطاً ديبلوماسية اميركية مطلعة، تحدثت بإيجابية حيال الواقع اللبناني، واعتبرت أنّ العام 2023 سيشهد اختراقات ايجابية في المشهد اللبناني. وهذا الكلام هو الاول من نوعه اميركياً منذ فترة طويلة. في هذا الوقت تتعقّد الصورة اللبنانية الداخلية حول الاستحقاق الرئاسي، ما يرفع من مستوى التوقعات التي تشير إلى الذهاب إلى فراغ رئاسي ولو محدود.

صحيح انّ زيارة سليمان فرنجية إلى الرئيس نبيه بري كانت ممتازة وفق اجواء الطرفين، الّا انّ تأمين ظروف انعقاد جلسة انتخاب رئيس لا تزال غير مؤمّنة وتحمل مخاطر حيال اكتمال حظوظ فرنجية. وعدا موقف وليد جنبلاط، والذي سيتولّى الرئيس بري معالجته، فإنّ العقدة الأكبر تبقى في موقف النائب جبران باسيل. صحيح انّه لم يحصل تواصل بين فرنجية وباسيل منذ عشاء المصالحة الذي تمّ عند امين عام «حزب الله»، الّا انّ ما جرى تناقله بالتواتر وبطريقة غير رسمية، رسم صورة صعبة ومعقّدة. فلقد جرى التناقل بأنّ باسيل يريد حصة وازنة جداً للسير وراء فرنجية، كمثل وزارتي الداخلية والطاقة وقيادة الجيش وحاكمية مصرف لبنان، على ان يضمن «حزب الله» هذا الاتفاق في حال التوصل اليه.

وهذه المطالب التي جرى تناقلها بالتواتر من دون ان تصدر مباشرة عن باسيل، تبدو مستحيلة بالنسبة لفرنجية، والتي تعني إفراغ الرئاسة من مضمونها. وأشيع انّ باسيل عمد إلى مناورة اضافية من خلال فتح ابواب التواصل بين محسوبين عليه وآخرين محسوبين على «القوات اللبنانية»، والتباحث في كلام باسيل حول إمكانية التفاهم على اسم مشترك للرئاسة «لما فيه المصلحة المسيحية».

صحيح انّ هذا التواصل غير رسمي ويبقى من دون «تكليف من القيادة الحزبية» كما قيل، لكنه معبّر وله اهدافه واغراضه، وحكماً سيعرف به فرنجية لأنّ «البلد صغير».

لكن ثمة من يعتقد انّ باسيل يرفع الشروط ويناور لتحسين مطالبه، لكنه في النهاية «سيمشي». الّا انّ ثمة رأياً آخر يقول بأنّ حسابات باسيل أبعد وأعمق. فصحيح انّه بات مدركاً لخسارته السباق إلى بعبدا، لكنه يعمل حالياً على فرض نفسه وإعادة تعزيز موقعه بأفضل شكل ممكن، بانتظار استحقاق العام 2028، وثانياً وهو الاهم، المحافظة على متانة موقعه مع «حزب الله» واستمرار حاجة الحزب له ولدوره ولموقعه. وهو ما يعني ان يكون هو الرجل الأقوى على مستوى السلطة في المرحلة المقبلة، ما يجعل «حزب الله» بحاجة اليه هو اكثر من فرنجية، حتى ولو كان الاخير رئيساً للجمهورية. أي ان يكون هو «موتور» السيارة ولو كان المقود يمسك به فرنجية. والّا فإنّ الذهاب بالنسبة اليه الى المعارضة يصبح اكثر ربحاً، حيث انّه سيكون قادراً اولاً على إعادة تعزيز وضعه الشعبي، وثانياً جرّ «حزب الله» إلى موقعه.

واياً تكن الصورة الحقيقية، الّا أنّ الواضح انّ تأمين ظروف انعقاد جلسة انتخاب الرئيس لا تزال صعبة ومعقّدة وغير مؤمّنة، وهو ما يفسّر كلام بري، حتى ولو تضمن لفتة ايجابية باتجاه صندوق النقد الدولي.

بواسطة
جوني منيّر
المصدر
الجمهورية

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى