Uncategorized

استبعاد المصارف عن تقرير مصيرها: وراء الأكمة ما وراءها! (النهار 2 آب)

“ليست رمّانة بل قلوب مليانة” هذا ما يمكن فهمه من انتفاضة جمعية المصارف المفاجئة الأسبوع الماضي بمواجهة الحكومة، أو من يعمل منها، بإدراك متعمّد الى تقويض القطاع المصرفي الحالي، واستبداله بقطاع هجين، ضيّق القدرة والوظيفة، أقل ما يقال فيه وفق المراقبين أنه يشبه مؤسسات الدولة، بتوزعه حصصاً بين الطوائف والمذاهب والمرجعيات.

لم يكن أمام جمعية المصارف، بعدما لمست استغيابها وتنحيتها عن وظيفتها بتمثيل القطاع، إلا رفع الصوت وفضح المستور، عبر بيانها الناري، بعدما استنزفت انتظارها أن تبادر الدولة الى محاورة أهل القطاع ومناقشتهم بما هم غارقون فيه بسبب السياسات المالية للدولة. الجمعية كانت تأمل بناء تفاهم مشترك يرسي أرضية صلبة لإعادة إطلاق النشاط المصرفي والثقة بمؤسساته، بما يخدم المودعين الموجوعين خصوصاً، والاقتصاد الوطني عموماً، وتالياً يحمي ما بقي من احتياطات وموجودات وكوادر بشرية لدى هذا القطاع

لكن صبر المصارف نفد، فيما السلطة مستمرة بتجاهل التواصل مع جمعيتهم وإبعادها عن المداولات “السرّية جداً” التي تجريها الحكومة، بما يشي أن أهل الربط والحل وواضعي خطط الإنقاذ الاقتصادي العتيدة، ومشاريع إعادة هيكلة القطاع المصرفي، لا يزالون ملتزمين مشروع إلغاء المصارف الذي أقرّته حكومة حسان دياب، لمصلحة استيلاد 5 مصارف جديدة، بديلة من القطاع الحالي برمّته. ولا ينفع إنكار أهل السلطة ونفيهم المضيّ في هذا المشروع، إذ إن معظم ما يفعلونه، وما يتداولونه من أوراق ومعلومات، وما يقولونه في الغرف المغلقة، معطوفاً على تعمّدهم استبعاد الحوار مع القطاع المصرفي، بالإضافة الى التأجيل “المشبوه” والمستمرّ لمواعيد الحوار، والجواب الجاهز بأن “لا شيء نهائياً” حيال إعادة هيكلة القطاع، ليس إلا مؤشراً صريحاً وواضحاً على استمرارهم في مكيدتهم، واللعب على استنفاد الوقت، وحشر المصارف في اللحظات الأخيرة، لفرض أمر واقع يستجيب لثقافة تسللت الى عقول البعض، بأن لبنان بأسواقه وإمكانياته المالية والاقتصادية لا حاجة له الى قطاع مصرفي فضفاض كما كان، ويكفيه 5 مصارف تلبّي ما يحتاج إليه أهله ومغتربوه.

جواب جاهز!

مصرفي كبير استغرب التعاطي غير المبرّر مع القطاع المصرفي وقال لـ”النهار”: “يتحدثون عن خطة لإعادة هيكلة المصارف، وعندما نسأل المعنيين يقولون أن لا شيء نهائياً بعد. ولكن السؤال: ما أهمّية أن ينجزوا الخطة ومن بعدها يطلعونا عليها، هذا إن كانت لديهم نيّة في ذلك. حتى الآن لم نفهم لماذا نُستعبد، علماً بأن وفداً من الجمعية سأل عن الموضوع، لكنه لم يلق جواباً واضحاً”.

“النهار” بدورها تواصلت مع أحد النواب في لجنة المال والموازنة فسمعت الجواب عينه الذي يسمعه أهل القطاع “لا شيء نهائياً بعد، ومن المؤكد أن الحكومة ستتواصل مع جمعية المصارف لتطلعها على تفاصيل مشروع إعادة الهيكلة”.

ولكن وفق مصادر مسؤولة في جمعية المصارف فإن “المنحى الذي تعتمده الدولة ليس بجديد، إذ لم يسبق لها أن أشركت القطاع المصرفي في خططها منذ بدء الأزمة. فهم يتحدثون عن مفاوضات مع صندوق النقد الدولي، ومن دون أدنى شك فإن الجمعية مع أي خطة للتعافي انطلاقاً من قناعتها بأن أي خطة ستكون أفضل من الوضع الحالي الذي نعيشه. أما ما تتذرّع به الحكومة لتفرض إجراءات ليست لمصلحة لبنان أو القطاع المصرفي على أساس أنه مطالب لصندوق النقد فهو أمر غير مفهوم، إذ لا يمكن أن نصدق أن صندوق النقد يطلب مصادرة 80% من ودائع الناس. يمكن أن يضع صندوق النقد شروطه ويقول للحكومة إنه لن يضع أموالاً في سلة مثقوبة، ولكنه بالتأكيد لن يطلب من الحكومة شطب الـ70 مليار دولار التي استدانتها من ودائع الناس”.

تعترض جمعية المصارف على التصاريح الرسمية للمسؤولين بالمجاهرة برفض ردّ ما استلفته الدولة من مصرف لبنان خلافاً للقانون، وتصادره خلافاً للدستور، “بما يعني أن ثمة تغييراً كلياً لهيكلة النظام اللبناني”. والإصرار على هذا المنحى سيؤدّي وفق المصادر عينها الى خسائر كبيرة في الاقتصاد، وسيحدّ من الاستثمارات في القطاع المصرفي والاقتصاد عموماً، إذ إن وضع اليد على أموال المودعين مرة، يمكن أن يتكرر مرة أخرى، فيما الهدف يجب أن يكون زيادة الودائع لا إلغاءها”.

وبرأي المصادر فإن “الخطة يجب أن تبدأ بالتأكيد على أن ودائع الناس هي مسؤولية الدولة ومسؤولية المصارف. فالناس أودعوا أموالهم في المصارف، ومسؤولية الأخيرة مع الدولة ردّها، وهو أمر ليس مستحيلاً، إذ إنه بعد المضيّ بالإصلاحات التي طلبها صندوق النقد يمكن للاقتصاد إعادة تكوين هذه الودائع، وجمعية المصارف الى جانب الدولة في هذا الموضوع”.

وتلفت الى أن “ما يقال عن خسائر تكبّدتها الدولة هو عن سوء نيّة، فالدولة لا تخسر لكونها ليست شركة تجارية. واقع الأمر أن الدولة عليها ديون غير قادرة على ردّها، ولكن يجب أن تلتزم بردّها… وهذا واجب أخلاقي قبل أن يكون قانونياً”.

أمّا التحضير لمشروع قانون إعادة هيكلة المصارف، فحكاية أخرى لا يمكن لجمعية المصارف أن “تهضمها” على حد قول مصادر الجمعية، فبنود هذا القانون تضعها حالياً الأجهزة المختصة في مصرف لبنان، “ولكن الجمعية لم تعلم حتى اليوم بأيّ تفاصيل عما يمكن أن يتضمّنه هذا القانون”. وتقول المصادر “هذه السلطة عبء على الناس وليست بخدمتهم كما هو مفترض أن يكون واقع الحال، تريد بقرار سياسي فوقي ومن دون استشارة المصارف إعادة هيكلة القطاع… هذه هرطقة”، تقول المصادر التي لا تستبعد بل تصرّ على أن ما تقوم به السلطة ما هو إلا طريقة مقنّعة لإنشاء المصارف الخمسة التي كانت قد خطّطت لها حكومة حسان دياب، وإلا فكيف يفسّر إعادة الهيكلة من دون التشاور مع أهل القطاع؟، ورأت أن إلغاء القطاع واختصاره بـ5 مصارف جديدة موزعة على الطوائف كافة، يعني أنهم يريدون أن ينقلوا الطائفية الى القطاع المصرفي، ولكن السؤال: هل يمكن للبنان أن يكمل بهذا المنحى الطائفي الذي أهلك القطاعات كافة؟

إعادة هيكلة القطاع تكون وفق ما تقول المصادر عبر “إعطاء مهل معينة للمصارف لتسوية أوضاعها وفقاً لقواعد السوق، بحيث إن المصرف الذي لا يمكنه تسوية أوضاعه بأموال جديدة يتفق مع مصرف آخر للاندماج معه، على أن يكون وفق قواعد السوق التجارية لا بقرارات اعتباطية فوقية. فالمصارف يمكن أن تعيد هيكلة نفسها حسب قدرتها ولا يمكن للسلطة غير المسؤولة أن تقوم بهذه المهمة، على أن يترافق ذلك مع إجراء الإصلاحات وبناء المالية العامة وكفّ يد الدولة عن القطاع المصرفي. حينها كل مصرف لديه القدرة على الاستمرار في تعزيز أمواله الخاصة بنسب بازل، أما المصرف غير القادر فعليه أن يندمج مع مصرف آخر لكن وفق قواعد السوق التجارية لا بقرار سياسي”.

ولكن ماذا لو استمرّت السلطة في تجاهل أهل القطاع؟ البيان الأخير لجمعية المصارف نبّه بشكل غير مباشر الى موقف قد تتّخذه “وجدنا من الطبيعي أن يكون موقف الجمعية مبدئياً، يتسم بالإيجابية، ولكننا مدركون في الوقت عينه أن الشياطين تكمن في التفاصيل”، بيد أن مصادر الجمعية قالت لـ”النهار”: “نحن نخضع للسلطة ولسنا سلطة، ولكن في المقابل لا يمكن لهذه السلطة أن تنظم قطاعاً خاصاً من دون التشاور معه، ولا يمكنها إلا أن تعيد التزامها باحترام الملكية الخاصة، وإلا فإن أي مشروع هيكلة لن يأتي بأموال جديدة”.

 

بواسطة
سلوى بعلبكي
المصدر
النهار

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى