
تشير نتائج استطلاع تجريه مؤسسة غالوب سنويا إلى أن النساء، بشكل عام وفي جميع أنحاء العالم، أصبحن أكثر إحساسا بالغضب خلال السنوات العشر الماضية. فما سبب ذلك؟
قبل عامين، كانت تاشا رينيه تقف في مطبخها، وعلى حين غرة، خرجت من أعماق صدرها صرخة غاضبة، عميقة. لقد فاجأها الأمر.
وتقول “لطالما كان الغضب شعورا من السهل أن أمر به”. لكن تلك المرة كان غضبها لا يشبه على الإطلاق ما سبق أن اختبرته.
كان ذلك في أوج انتشار وباء فيروس كورونا، وكان لدى تاشا ما يكفيها من ضغوط، وتشعر أنها غير قادرة على تحمل المزيد، وكانت قد أمضت نحو عشرين دقيقة وهي تتجول في أرجاء منزلها، وتعدد لنفسها بصوت عال كل الأشياء التي تجعلها تشعر بالغضب.
ولكن بعد تلك الصرخة شعرت براحة وتحرر جسدي كبيرين.
تاشا، أخصائية في المعالجة بالتنويم المغناطيسي و”لايف كوتشينغ”، وهي منذ ذلك الحين تجمع نساء من أنحاء العالم في جلسات على تطبيق زووم يتحدثن فيها عن كل ما يثير غضبهن، ثم يطلقن صرخات ليشعرن بعدها بالراحة.
ووفقا لتحليل أجرته بي بي سي لبيانات استطلاع مؤسسة غالوب العالمية خلال السنوات العشر الأخيرة، فإن مستوى الغضب لدى النساء في ازدياد.
وفي كل عام، يسأل الاستطلاع أكثر من 120 ألف شخص في أكثر من 150 دولة – من بين أمور أخرى- عن أبرز مشاعرهم خلال اليوم السابق.
وقد كانت النساء يتحدثن باستمرار عن إحساسهن بمشاعر سلبية على وجه الخصوص مثل الغضب والحزن والتوتر والقلق أكثر من الرجال.
ووجد تحليل بي بي سي أنه منذ عام 2012، تحدثت نساء أكثر من الرجال عن شعورهن بالحزن والقلق، رغم الاتجاه المستمر بالارتفاع في مستوى هذين الشعورين لدى الجنسين.
وعندما يتعلق الأمر بالغضب والتوتر، فإن الفجوة بين النساء والرجال آخذة في الاتساع. ففي عام 2012، كانت مستويات مشاعر الغضب والتوتر لدى الجنسين متقاربة. ولكن بعد تسع سنوات، أصبحت النساء أكثر غضبا بفارق ست نقاط مئوية، كما ارتفع لديهن التوتر أيضا. وكان الاختلاف واضحا بشكل خاص خلال فترة انتشار الوباء.
ولم تكن هذه النتائج مفاجئة بالنسبة لسارة هارمون، وهي معالجة من الولايات المتحدة. في أوائل عام 2021، جمعت سارة مجموعة من زبائنها ليقفن معا في حقل ويصرخن.
وتقول سارة “أنا أم لطفلين صغيرين وكنت أعمل من المنزل، وكان لدي شعور مستمر بالإحباط ويتراكم ليصبح غضبا شاملاً”.
وبعد عام، اشتهرت سارة هارمون بتلك الصرخة، وهي تقول “تلك الصرخة انتشرت على نطاق واسع” وذلك بسبب صحفية كانت ضمن إحدى مجموعاتها من الأمهات على الإنترنت، وفجأة بدأ الصحفيون يتصلون بسارة من جميع أنحاء العالم.
وتعتقد سارة أنها استغلت أمرا كانت تشعر به النساء في كل مكان، وهو الإحباط الشديد جراء أعباء الوباء التي كانت تقع على عاتقهن بشكل كبير.
ووجدت دراسة استقصائية أجريت عام 2020 من قبل “معهد الدراسات المالية” وشملت ما يقرب من 5000 من الآباء والأمهات في إنجلترا، أن الأمهات تحملن المزيد من المسؤوليات المنزلية أثناء الإغلاق وبدرجة أكبر من الآباء. ونتيجة لذلك، اضطررن إلى تقليل ساعات عملهن، حتى في الحالات التي كانت فيها المرأة هي صاحبة الدخل الأعلى في الأسرة.
وكان الاختلاف في العدد بين النساء والرجال الذين قالوا إنهم شعروا بالغضب في اليوم السابق في بعض الدول أعلى بكثير من المتوسط العالمي.
وفي كمبوديا، كانت الفجوة 17 نقطة مئوية في عام 2021، بينما بلغت في الهند وباكستان 12 نقطة.
وتعتقد الطبيبة النفسية الباكستانية لاكشمي فيجاياكومار أن هذه النتائج ناجمة عن تزايد عدد النساء المتعلمات والموظفات والمستقلات اقتصاديا في هذه الدول.
وتقول “في الوقت نفسه، تعاني النساء (في هذه الدول) من قيود نتيجة الأنظمة الأبوية والثقافة البالية”. وتضيف “التناقض بين النظام الأبوي في المنزل وصورة المرأة المتحررة خارج المنزل يسبب الكثير من الغضب”.
وتشير إلى أنها في تشيناي بالهند تشهد مظاهر هذا التناقض مساء كل يوم جمعة في ساعة الذروة عقب انتهاء وقت الدوام.
وتوضح قائلة “تشاهد الرجال يسترخون، يذهبون إلى مقهى، ويدخنون. وتجد النساء يسارعن إلى الحافلة أو إلى محطة القطار. يفكرن بما يجب طهيه. وتبدأ العديد من النساء في تقطيع الخضار في القطار وهن في طريق عودتهن إلى المنزل”.
وتشير الدكتورة لاكشمي إلى أنه في الماضي، لم يكن أمرا مقبولا ومناسبا أن تقول النساء إنهن غاضبات، لكن هذا يتغير. وتقول “الآن هناك مساحة أكبر قليلا لكي يعبرن عن مشاعرهن، وبالتالي فإن الغضب يظهر أكثر”.
وقد يكون لتأثير الوباء على عمل المرأة دورا أيضا. فقبل عام 2020، كان هناك تقدم بطيء في مشاركة المرأة في سوق العمل، وفقا لما ذكرته جينيت أزكونا، وهي عالمة مختصة بالبيانات لدى هيئة الأمم المتحدة للمرأة. لكن التقدم توقف عام 2020، كما تقول.
ومن المتوقع أن يكون عدد النساء العاملات هذا العام أقل مما كان عليه عام 2019 في 169 دولة.



