Nouvelles Locales

هل دنت «ساعة» الخلاص للبنان؟

منير الحافي- السهم

 

«ساعة» واحدة كانت كفيلة بكشف هشاشة الوضع اللبناني بأكمله، وربما فكرة هذا «اللبنان» العظيم. طوائف متآلفة. محبة مطلقة بين المناطق. عيش مشترك بل واحد!

كل هذا النفاق الذي عمره من عمر لبنان الكبير سقط خلال ساعة!

فكرة عدم تقديم الساعة وتأجيل الأمر عدة أيام حتى انتهاء شهر رمضان الكريم، التي خرج بها الرئيس نبيه بري «مراعاة للصائمين» كي يبقى موعد إفطارهم عند السادسة مساء ووافقه فيها رئيس الحكومة المستقيلة نجيب ميقاتي، قد يكون قراراً متسرعاً، بل ربما يكون قراراً «على فنجان قهوة» (الوصف للدكتور سمير جعجع) لكنه بالتأكيد لا يستدعي هذا الكم الغاضب والهائل من مجموعة من السياسيين المتحمسين لما يسمى «التوقيت العالمي».

 

أسوأ الزلات دخول رجال الدين على خط القرار «الإداري» فأعلنت البطريركية المارونية أن قرار رئيس الحكومة بتأجيل اعتماد التوقيت الصيفي «لم يتم استشارتها فيه» ! وفي المقلب المسلم خرج بعض العلماء المسلمين بنداء إلى سيد الصرح يطلبون منه التراجع عن القرار المناقض للقرار «الإداري» الذي أخذه رئيس مجلس الوزراء، ويذكره بالتضحيات التي قام بها المسلمون في لبنان وقبولهم مثلاً بالعطلة الأسبوعية يوم الأحد بدلاً من الجمعة كرمى للمسيحيين. كما ذكروه بأن عطلة عيد الميلاد المجيد تمتد أسبوعين كاملين وأحياناً أكثر، فيما عيد المولد النبوي يكون ليوم واحد! وطالب مشايخ بأن تتراجع بكركي و«من حرّضها» عن «موقفها المسيء للمسلمين جميعاً وللوحدة الوطنية وللعيش المشترك المنصوص عنه في مقدمة الدستور».

 

هل يستأهل موضوع الساعة كل هذا الصخب؟ أليس الأجدى أن يُرفع الصوت لأجل مسائل أكثر صعوبة على اللبنانيين الغارقين جميعاً – في «الشرقية والغربية» – بمآسي السقوط المريع للدولة وهبوط الليرة وفقدان قوتهم اليومي؟

 

للمفارقة الشديدة المعاني، فقد ترافق هذا السجال الذي أخذ بعداً طائفياً مقرفاً مع حدثين مهمين جداً حصلا في لبنان. الحدث الأول تحذير وفد صندوق النقد الدولي حيث حذر صندوق النقد الدولي من أن لبنان في وضع خطير للغاية بعد مرور عام على التزامه بإصلاحات أخفق في تطبيقها.

 

وقال رئيس بعثة الصندوق أرنستو راميريز ريغو في مؤتمر صحفي في ختام زيارته لبيروت: «نعتقد أن لبنان في لحظة خطيرة للغاية، عند مفترق طرق» مؤكداً أن «التقاعس عن اتخاذ إجراءات مطلوبة من شأنه أن يدخل البلاد في أزمة لا نهاية لها».

ا

لأمر الثاني الخطير هو ما قالته مساعدة وزير الخارجية الأميركية باربرا ليف في بيروت من أن «لبنان موجود على مفترق طرق. وهو في لحظة حرجة للغاية». وعندما سئلت ليف عما إذا اقتنع المسؤولون اللبنانيون منها وهي تمثل الإدارة الأميركية، بضرورة انتخاب رئيس جمهورية قالت ليف: إنها تأمل ان يكون لرسالة واشنطن القادمة بها تأثير إيجابي، وتابعت «انا لا أفهم غياب العجلة التي على ما يبدو العديد من القادة السياسيين وأعضاء البرلمان لا يشعرون بها».

 

المسؤولون اللبنانيون، سيدة ليف ومستر ريغو، لا يشعرون بالعجلة فهم في وادٍ والناس في وادٍ آخر. المسؤولون يتقاذفون المسؤوليات ويخترعون المشاكل ويتلهون بأمور سخيفة، فيما ٩٥ بالمئة من أهل لبنان باتوا يعيشون تحت خط الفقر.

المسؤولون اللبنانيون، كل واحد منهم يريد حفظ رأسه وماله في ظل مساءلة قد تأتي يوماً من الداخل أو الخارج. هذه المساءلة قد تضع العديد منهم أمام المحاكم. البداية من «الحاكم» لكن سيتبعه العشرات إذا كان للبنان أن يعود إلى مسار الدول «الطبيعية». الكل خائف على نفسه، وأتباعه مرعوبون.

 

هناك «مسؤولون» آخرون لا طريق لهم إلا إثارة النعرات الطائفية مع «الآخرين». يزايد رئيس التيار، يلحقه رئيس الحزب، يليه رئيس الحزب الثالث. وبين هؤلاء تتبارى الجيوش الألكترونية على «تحرير» لبنان من «الأفكار المتخلفة» وعلى المطالبة بالفيديرالية بدءاً من «الساعة».

 

السؤال الذي يسأله العقلاء من الناس: هل حانت فعلاً ساعة الخلاص من هذه الأفكار الهدامة التي تصيب لبنان في مقتل وتقضي على آخر أمل له في العودة إلى الحياة الكريمة والطبيعية؟ هل حانت فعلاً ساعة عودة الدولة القوية العادلة، القادرة على بسط سلطتها على كل أراضيها وعلى بسط كلمتها على الجميع دون استثناء؟ متى يصبح الوقت متاحاً للبنانيين أن ينعموا برئيس جمهورية نظيف الكف ونظيف العقل، قادر على لم الشمل وتأليف حكومة مع رئيس وزراء ووزراء قادرين على الإنقاذ وتخليص لبنان؟

 

حتى ذلك الوقت، خلصونا من هذه المسرحية الفارغة التي اسمها تقديم الساعة أو إبقاؤها كما هي. وبالمناسبة التوقيت العالمي لا يعتمد على لبنان، والتوقيت العالمي ليس قرآناً ولا إنجيلاً لا يُمس. عشرات البلدان العالمية والعربية لا تعتمد التوقيت الصيفي. وهناك دول اعتمدت التوقيت الصيفي ثم أجلته أو اتخذت قراراً بإلغائه في بعض الأحيان بحسب حاجات البلد. لم يحصل شيء جلل لهذه الدول ولا لشعبها بسبب هذه القرارات التي رأتها الحكومات مفيدة. بقيت هذه الدول «حضارية» وما خلصت الدني!

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى