Nouvelles internationales

الصين تريد “ضمّ” تايوان: حسابات الاقتصاد والقوميّة والأمن

المدن

تذرّعت الصين بزيارة الرئيسة التايوانيّة تساي إنغ ون إلى الولايات المتحدة، لتجري مناورات عسكريّة خطرة طوّقت من خلالها جزيرة تايوان، التي يقارب عدد سكّانها 23 مليون نسمة. ولهذا السبب، حبس العالم أنفاسه خلال الأيّام القليلة الماضية، خوفًا من تكرار السيناريو الأوكراني في منطقة أكثر حساسيّة، وأكثر تهديدًا لاستقرار الاقتصاد العالمي.

خلاف تاريخي.. وتشدّد مستجد
ذكّرت هذه المناورات، التي ترفع أسهم التوتّر العسكري المباشر بين تايوان والصين، بمناورات شبيهة استبقت زيارة رئيسة مجلس النوّاب الأميركي نانسي بيلوسي إلى الجزيرة في آب 2022، في مشهد حمل المخاطر والرسائل نفسها. وفي المرّتين، كانت الحجّة الصينيّة نفسها: تايوان مقاطعة تتبع للصين، وفق مبدأ “الصين الواحدة”. وأي علاقات أو زيارات مباشرة بين قيادة الجزيرة السياسيّة والدول الأخرى هو خرق لهذا المبدأ ومسعى انفصالي.

في واقع الأمر، يعود الخلاف على جزيرة تايوان، التي تملك حكمًا ذاتيًا بحكم الأمر الواقع، إلى العام 1949، أي منذ انتهاء الحرب الأهليّة الصينيّة. ورغم اعتراف الولايات المتحدة بسياسة “الصين الواحدة” عام 1972، ومن قبلها تايوان نفسها، إلا أنّ ذلك لم يثبّت المرجعيّة السياسيّة لهذه الصين الواحدة: هل هي حكومة جزيرة تايوان الصغيرة (حملت إسم جمهوريّة الصين)، أم هي جمهوريّة الصين الشعبيّة التي تسيطر على كامل البرّ الصيني بقيادة الحزب الشيوعي؟ وهذا تحديدًا ما ترك وضعيّة جزيرة تايوان معلّقة على مرّ العقود الماضية.

لكن أبعد من الخلاف التاريخي وشعار “الصين الواحدة” العام، ثمّة عوامل براغماتيّة تدفع الصين اليوم إلى التصعيد والتشدّد في مقاربتها للملف التايوانيّ، ومنها تلك التي تتصل بالاقتصاد والحروب التجاريّة والأمن وخطوط الإمداد، وتلك التي ترتبط أيضًا بالقوميّة واختلاف النموذج السياسي والاقتصادي.

عوامل الحروب التجاريّة
تستحوذ تايوان وحدها على نحو 90% من قدرة التصنيع العالميّة لأشباه الموصلات، أي الشرائح الإلكترونيّة التي تدخل في تصنيع جميع المنتجات العالية التقنيّة، كالهواتف والطائرات والكومبيوترات وغيرها. وهذه الصناعة بالتحديد، كانت محور العديد من العقوبات والقيود الأميركيّة التي أطاحت بمكانة كبرى الشركات الصينيّة، كشركة هواوي مثلًا، والتي تساهم اليوم بنزوح عدد كبير من الشركات الأجنبيّة إلى خارج الصين.

مقابل ضغط العقوبات والقيود الأميركيّة، ترفع الصين ضغطها على منبع أساسي لتصنيع هذه الشرائح، لعلمها أنّ وضع اليد على مركز تصنيع هذه الشرائح سيعطيها أفضليّة كبيرة في الحرب التجاريّة التي تخوضها في وجه الولايات المتحدة. مع الإشارة إلى أنّ ديناميكيّات الحرب التجاريّة المرتبطة بالشرائح الإلكترونيّة، باتت عاملًا من شأنه أن يحدد مستقبل الصناعات الصينيّة على المدى البعيد.

السباق على تأمين خطوط الإمداد التجاريّة
تمثّل تايوان إحدى الجزر المنتشرة شرق الصين، والتي تساهم في تضييق ولوجها المباشر إلى المحيط الهادئ، مقابل تعزيز نفوذ الولايات المتحدة التي تجمعها بمعظم هذه الجزر علاقات متينة. ومن هذه الزاوية بالتحديد، يمكن فهم طموحات الصين لتحجيم دور هذه الجزر، من ناحية التهديد الذي يمكن أن تشكله في المستقبل على خطوط الإمداد التجاريّة الخاصّة بها. وهنا بالتحديد، كانت الصين قد لحظت -وبريبة شديدة- اهتمام تايوان خلال السنوات الأخيرة بتطوير قدراتها البحريّة، ومنها تلك المتصلة بنشر السفن المخصّصة لنشر الألغام البحريّة.

ومن المهم الإشارة هنا إلى أنّ ممرّات بحر الصين الجنوبي يمر عبرها أكثر من 5.3 تريليون دولار أميركي من التجارة الدوليّة، ما يمثّل أكثر من 60% من حجم التجارة الدوليّة البحريّة، و40% من شحنات النفط العالميّة، بالإضافة إلى 65% من تجارة الصين الخارجيّة.

القوميّة والنموذج الاقتصادي والسياسي
في واقع الأمر، لم تكن تايوان -منذ انتهاء الحرب الأهليّة الصينيّة- جزءًا من الصين التي نعرفها اليوم، ما يجعل كلام الصينيين عن طموحات تايوان “الانفصاليّة” بعيدًا عن التشخيص المنطقي للأمور. أي بعبارة أخرى، لم تكن تايوان جزءاً من الصين الشيوعيّة، حتّى يصبح استقلالها انفصالًا عنها.

بل وعلى العكس تمامًا، يمكن القول أن ما تسعى الصين للقيام به هو ضم كيان لطالما امتلك استقلاليّته المعنويّة والسياسيّة والإداريّة. الخلفيّة الفعليّة لهذه المسألة، تتصل بالعوامل اللغويّة والعرقيّة والقوميّة، التي ترى فيها الصين سببًا كافيًا لامتلاك الأحقيّة بضم تايوان إلى سيادتها. وبصورة أوضح: تسعى الصين، من خلال طموحاتها التاريخيّة في ضم تايوان، إلى توحيد المتحدثين بالصينيّة، تحت مظلّة واحدة.

ما يزيد من حساسيّة المسألة القوميّة هنا، هو تحسّس الصين من النموذج الآخر التي تمثّله “تايوان الصينيّة” في مقابل نموذجها السياسي والاقتصادي، والمرتكز تحديدًا على فكرة السوق المفتوحة والحرّة والتنوّع السياسي وتداول السلطة. بالتأكيد، لا تمثّل تايوان الدولة الوحيدة التي تعتمد هذا النموذج في شرق آسيا، لكنّها تمتاز بتقديمها نموذجاً صينيّ القوميّة، مختلف عن ذلك الذي تقدّمه جمهوريّة الصين الشعبيّة.

الأمن والعسكر والردع النووي
يتصل جزء أساسي من هواجس بكين بعوامل الأمن والعسكر. فوجود تايوان كدولة ذات نفوذ عسكري متنامٍ، يساهم في الحد كثيرًا من هامش المناورة التي تملكه الغوّاصات النوويّة الصينيّة. إذ تسمح سلسلة الجزر الحليفة للولايات المتحدة، والواقعة شرق الصين -ومنها تايوان- بكشف ورصد حركات الغوّاصات النوويّة، فور اتجاهها نحو المحيط الهادئ. ومن المعلوم أن تايوان واليابان بالتحديد تمتلكان إحدى أحدث القدرات البحريّة التي تسمح بمكافحة حركة الغوّاصات ورصدها. وهذا العامل سيساهم تلقائيًا بالحد من خيارات الصين النوويّة، في مقابل الولايات المتحدة، وهو ما تأخذه الصين بالاعتبار في معادلات الردع النووي.

في النتيجة، ساهمت كل هذه العوامل بدفع الصين إلى تحدّي تايوان وتضييق الخناق عسكريًا عليها، وصولًا إلى تطويقها بإحدى أخطر المناورات العسكريّة، التي يمكن أن تدفع شرق آسيا بأسره إلى تصعيد لا تُحمد عقباه. في المقابل، يخشى كثيرون أن يكون ما يجري في تايوان مجرّد مقدّمة تسمح لبكين -في حال نجاحها بضم تايوان- بالمطالبة بضم أقاليم وجزر بحريّة أخرى متنازع عليها في شرق آسيا، ومن ثم توسيع منطقتها الاقتصاديّة على هذا الأساس. وهكذا، ستكون بكين قد شرعت بتنفيذ ما تحدّثت عنه لوقت طويل: إرساء أسس نظام عالمي جديد.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى