Uncategorized

ماكرون يتوغل في حقل الألغام اللبناني

جوني منيّر – الجمهورية

قد تكون المبالغة هي إحدى سمات الحياة السياسية اللبنانية، أكان ذلك سلباً أم ايجاباً، فكيف بالحري في مرحلة صاخبة وحساسة وضبابية كتلك التي تمرّ حالياً، إن على المستوى الداخلي واستحقاقاته الكبيرة، او على المستوى الاقليمي والتحوّلات الهائلة الحاصلة. أضف إلى ذلك المحطات الزمنية الداهمة، أكانت داخلية مثل «الفراغات» المتلاحقة في مواقع أساسية، والتي تهدّد ما تبقّى من الهيكل المهترئ للدولة اللبنانية كمثل حاكمية مصرف لبنان، في ظلّ الشغور الرئاسي، أم اقليمية كمثل القمة العربية والتي ستنعقد بعد منتصف الشهر المقبل في السعودية، على وهج المصالحة السعودية ـ الايرانية وظهور «طيف» الصين للمرة الاولى في الشرق الاوسط، وحيث ملف إعادة سوريا إلى الحضن العربي لم يصل إلى خواتيمه الحاسمة بعد.

وما بين هذه التواريخ حربان كبيرتان تلفحان أرجاء الشرق الاوسط. الاولى في اوكرانيا والتي دخلت عامها الثاني مع مزيد من اللهيب والدمار، وسط استعدادات اوكرانية لهجوم معاكس على وقع مساعدات عسكرية اميركية واوروبية، كان آخرها إرسال المانيا لمنظومة صواريخ «باتريوت» للدفاع الجوي. والثانية بدأت للتو، وهي أقرب بكثير جغرافياً، وتقع في الحضن العربي، والمقصود هنا السودان، حيث تشير المعطيات إلى حرب دموية طويلة عند البوابة الشرقية لإفريقيا والمجاورة لمصر والسعودية، وحيث بدأ الهمس عن كباش اميركي ـ روسي عند شاطئ البحر الاحمر، حيث تسعى روسيا لإنشاء قاعدة بحرية لها، بعد ان نجحت مجموعة «فاغنر»الروسية في نسج علاقات تعاون مع قوات الدعم السريع المشتبكة مع وحدات الجيش. وهو ما يعني أنّ المصالحات والتفاهمات تختلط مع الحروب والنزاعات، وفي كلا الحالتين إعادة رسم الخرائط وفق مصالح القوى الكبرى وعلى وقع الحرب الباردة المتصاعدة بين واشنطن وبكين.

 

وانطلاقاً من هذه التشابكات والتبدّلات، شرع الرئيس الفرنسي ايمانويل ماكرون في البحث عن موقع نفوذ لبلاده، وعلى أساس انّ فرنسا هي العاصمة السياسية لأوروبا، وما بين خروجها من إفريقيا وفقدانها لآخر موطئ نفوذ خارجي، وبين الحرب المستعرة في اوكرانيا والتي تستنزف القارة العجوز، قد يكون ماكرون وجد في الاعتماد على المساعدة الاميركية على مستوى الخريطة الدولية عقبة اكثر منه إفادة، أمام سعيه إلى تحقيق المصالح الفرنسية. وفي غياب الهيبة العسكرية، شعر الرئيس الفرنسي بضرورة التعويض عبر سلوك درب التسويات، من خلال المفاوضات الديبلوماسية. أضف إلى ذلك، الأزمات الداخلية التي انفجرت في وجهه مع بداية ولايته الثانية، والتي جاءت ذروتها مع ازمة رفع سن التقاعد وما تلاها من تراجع حاد في شعبيته وخسارته الغالبية البرلمانية. كل هذا شكّل حافزاً له للتمايز والذهاب إلى الصين والسير بسياسة مستقلة في الشرق الاوسط. وهو سلوك على درجة عالية من المخاطرة. ففي الصين حقق ماكرون نقاطاً تجارية، ولكنه فشل في تحقيق نقاط سياسية. وعلى سبيل المثال، لم يجاريه الرئيس الصيني في الملف الاوكراني ولا حتى في إجراء اتصال مباشر مع الرئيس الاوكراني، لكنه طرح خطة استثمارات ضخمة في الصناعة الخضراء في اوروبا، ووقّع اتفاقيات تجارية عدة. وهذا ما جعل الانتقادات الفرنسية كما الاوروبية، ولا سيما منها الالمانية، تطاوله بعد عودته إلى باريس، خصوصاً لجهة دعوته إلى الوقوف كفريق ثالث بين واشنطن وبكين. وتركّزت هذه الانتقادات على أنّه يرفع نبرة خطابه اوروبياً كتبرير لتنازلات سياسية قدّمها للصين في مقابل عقود تجارية.

 

 

وفي إطار استراتيجيته الجديدة، انطلق في اتجاه الشرق الاوسط عبر البوابة اللبنانية، والتي تشكّل إحدى آخر ساحات الحضور الفرنسي في العالم. وبعد الفشل الذي حصدته مبادرته الاولى غداة انفجار الرابع من آب والثانية مع اعتذار مصطفى اديب عن مهمّة تشكيل الحكومة، انصرف ماكرون إلى استرجاع الدروس الفرنسية حيال الأزمة اللبنانية، فاستمع لشهادات مسؤولين سابقين تعاطوا بالملف اللبناني ايام الرئيسين فرنسوا ميتران وجاك شيراك، قبل ان يتوصل إلى خلاصته التي ترتكز على استعادة تجربة شيراك اللبنانية، مطعّمة بدروس مرحلة ميتران الدموية. وخلص إلى استبدال المعادلة التي كانت قائمة على ركيزة شيراك ـ رفيق الحريري، والذي كان يشكّل حضوراً قوياً مسنوداً على الخليج، الى معادلة ماكرون ـ «حزب الله»، والذي يشكّل القوة الطاغية داخل التركيبة اللبنانية. وكما كان شيراك يعتبر المسيحيين تحصيلاً حاصلاً ولن يخرجوا عن المظلّة الفرنسية، انطلق ماكرون من المبدأ نفسه وشاركه في رسم خطوط سياسته الجديدة كبير مستشاريه ايمانويل بون، والذي عمل كسفير لفرنسا في لبنان في مرحلة سابقة.

 

 

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى