
ليست المرة الأولى التي تُعلن فيها الإدارة الذاتية التابعة لقوات سوريا الديمقراطية (قسد) مبادرة للحل في سوريا، لكن ما يميزها هذه المرة هو توقيتها المتزامن مع الانفتاح العربي والإقليمي على النظام السوري، لتبدو المبادرة تعبيراً عن مخاوف قسد من أن يكون تقارب النظام مع تركيا على حسابها.
وحدة سوريا
وتتضمن المبادرة التي أعلنت عنها الإدارة الذاتية خلال مؤتمر صحافي في مدينة الرقة، تسع نقاط، منها الاعتراف بوحدة سوريا مع ضرورة الاعتراف بالحقوق المشروعة لمكونات المجتمع السوري، واعتماد نموذج الإدارة في كل البلاد، وتوزيع عادل للثروات بين كل المناطق السورية.
ومن النقاط التي جاءت عليها المبادرة التأكيد على استعداد الإدارة لاستضافة النازحين واللاجئين في مناطق سيطرتها، ومكافحة الإرهاب.
ومقابل تأكيد الإدارة الذاتية على خروج تركيا، دعت الدول العربية والأمم المتحدة وجميع القوى الفاعلة في سوريا إلى “دور إيجابي وفعال”، يضمن حلاً مشتركاً بينها وبين النظام والقوى الوطنية الديمقراطية (المعارضة).
قسد تذكر بوجودها
ويرى الخبير بالشأن الكردي الدكتور فريد سعدون أنه يمكن وصف المبادرة ب”القديمة-الجديدة”، حيث لم ينقطع الحوار بين الإدارة ودمشق، لكنه لم يفضِ إلى تقدم.
ويؤكد سعدون ل”المدن”، أن بنود المبادرة لم تضِف أي جديد، ولم تتضمن أي خطوات فعلية يمكن البناء عليها، وكل ذلك يبعث على الاعتقاد بأن المبادرة في جوهرها ليست إلا تذكيراً للأطراف الإقليمية والعربية بوجود قسد المدعومة أميركياً.
وبحسب سعدون، فإن مسارات التطبيع مع النظام تُقلق واشنطن وقسد أيضاً، التي ترى أن نجاح التطبيع يعني زيادة الصعوبات، ومن هنا تبحث قسد عن مخرج بهذه المبادرة.
وعن حظوظ هذه المبادرة، يعرب الخبير بالشأن الكردي عن اعتقاده بعدم نجاحها، لأن المسألة تحتاج توافقاً دولياً على الأقل بين الأطراف الدولية الموجودة على الأرض، في إشارة إلى الموقف الأميركي.
شرعنة التجربة الكردية
ولا يمكن فصل المبادرة عن السياقات السياسية السورية الجديدة، حيث تتطلع الإدارة الذاتية إلى أن تكون من بين أطراف الحل السياسي.
ويقول السياسي الكردي رديف مصطفى ل”المدن”، إن الإدارة الذاتية تبحث عن شرعنة تجربتها في ظل سياسات حمى التطبيع مع النظام السوري، مضيفاً أن “قسد باتت تستشعر الخطر وبدأت إرسال رسائل إلى النظام والجهات الإقليمية والدولية مستخدمة بعض الشعارات الوطنية والديمقراطية والتي هي بعيدة كل البعد عنها عملياً لجهة تبعيتها لحزب العمال الكردستاني التركي أو لجهة ممارسة القمع والاستبداد في مناطق سيطرتها”.
وعلى النسق ذاته، يؤكد مدير مركز “رامان للبحوث والاستشارات” بدر ملا رشيد أن المبادرة تأتي ضمن سياقات جديدة حيث هناك محاولات التطبيع العربي مع النظام إلى جانب تقدم المحادثات الرباعية بين النظام السوري وتركيا بتيسير روسي وإيراني.
وبما يخص إعلان الإدارة الذاتية عن استعدادها للحوار مع جميع الأطراف السورية (النظام والمعارضة)، يقول رشيد ل”المدن”، إنه عندما تضيف المبادرة القوى الوطنية كأحد الأطراف التي تدعوها لقبول المبادرة، هي تدرك مدى صعوبة تحقق ذلك، وفق الظروف الموضوعية لخارطة القوى المتقاسمة للنفوذ في سوريا، إذ لا يمكن لأي فصيل أو فاعل محلي سوري أن ينظم عملية تغيير حقيقية، نتيجة ارتباط هذه القوى بمشاريع الدول المتقاسمة للنفوذ.
من جانب آخر، تُشير معطيات حصلت عليها “المدن” من مصادر مقربة من الإدارة الذاتية، إلى موافقة ضمنية أميركية على المبادرة، مرجعة ذلك إلى محاولة واشنطن التقليل من الحرج السياسي في حال نجحت مسارات التطبيع مع النظام السوري.



