Nouvelles internationales

درنة المنكوبة تواصل معركة البقاء ضدّ الأوبئة والفساد والإهمال

تُسابق فرق البحث والإنقاذ الدولية الآتية من كل حدب وصوب إلى المناطق المنكوبة في شرق ليبيا، الزمن، لمحاولة إنقاذ ناجين وسط ركام المباني أو انتشال غرقى في أعماق المياه والوحول، في ظلّ وضع بيئي يُنذر بكارثة صحيّة.

وبالتزامن، تجمّع مساء أمس آلاف الناجين يؤازرهم مواطنون من مدن ليبية أخرى أمام مسجد الصحابة في درنة، مطالبين بإسقاط مجلس النواب وفتح تحقيق في الفساد الذي أدّى برأيهم إلى سقوط آلاف الضحايا في كارثة الفيضانات، بعد تجاهل التحذيرات التي سبق أن أطلقها خبراء بشأن البنى التحتية في المدينة وجوارها.

وبعد أيام من الكارثة، لا يزال العمل جارياً في درنة بحثاً عن علامات حياة محتملة تحت الأنقاض، إضافة إلى محاولات حصر الأضرار. اجتماعات لقيادات عسكرية محلية ودولية لتنسيق الجهود وتوزيع المهام، فرق البحث المدججة بالكلاب المدرّبة تواصل تقفّي أي أثر لناجين وسط ركام المباني، عمّال يستقلّون الرافعات ويحاولون رفع الوحول والحجارة من أنهر الطرق الرئيسية، فيما فرق الغطس تتناوب على النزول إلى أعماق البحر بحثاً عن مفقودين جرفتهم الفيضانات إلى المتوسط.

وبالتزامن، تصل الشاحنات المحمّلة بالمواد الإغاثية والغذائية الآتية من المدن الليبية كافة، في حين تعمل الفرق الطبية في ظروف قاسية وإمكانات محدودة لإسعاف المصابين الذين يتوافدون بالعشرات إلى مستشفيات ميدانية جرى تدشينها سريعاً. ووسط كل ذلك، أطلّت معضلة بيئية تهدّد بتفشّي الأوبئة في المناطق المنكوبة، بسبب كميات الأمطار غير المسبوقة التي شكّلت بركاً واختلطت بمياه الصرف الصحي.

حالة طوارئ صحية
وأمام هذا الوضع، أعلنت السلطات الصحيّة الليبية حالة الطوارئ في المناطق المنكوبة، وعمدت إلى رش الشوارع والمباني بالمطهّرات والمبيدات. وأعلن وزير الصحة في الحكومة المكلّفة من مجلس النواب عثمان عبد الجليل، البدء بحملة تطعيمات في المناطق المنكوبة، ومنح لقاحات لفرق الإنقاذ والعاملين في القطاع الصحي. وأشار إلى عمليات تحليل للمياه، داعياً للابتعاد عن أي مصادر للمياه الجوفية.

مدير المركز الوطني لمكافحة الأمراض حيدر السائح أكّد إعلان حالة الطوارئ في المناطق المنكوبة لسنة، “وقد فعّلنا الرصد النشط خلال هذه الفترة تحسباً لظهور أي أمراض أو أوبئة”. وأضاف لـ”النهار العربي”: “ننصح سكان المناطق المنكوبة أن تغادرها إلى المناطق الآمنة. وفي حال ظهور تفشٍّ لأمراض سنُعلن إغلاق المدينة خوفاً من انتقال الأوبئة إلى مناطق أخرى”.

وأوضح السائح أنّ الفِرَق الطبية تعمل في مدن درنة وسوسة والبيضاء الأكثر تضرّراً جراء الإعصار. الفِرَق عاينت المناطق المنكوبة خصوصاً في درنة، وقيّمت مبدئياً الوضع الصحي والوبائي. وأشار إلى استقبال 150 حالة في درنة أُصيبت بالإسهال خلال اليومين الماضيين بسبب تلوث مياه الشرب، “وحذّرنا من استخدام مياه الشرب العادية في المدينة لأنها أكبر مصدر للعدوى”.

تقسيم المناطق المنكوبة
ونفى أن يكون انتشار جثث الضحايا في المناطق المنكوبة مصدراً للعدوى، مؤكّداً أنّ الجثث غير ناقلة للمرض طالما أنّ صاحبها لا يحمل مرضاً. وقال: “أوصينا بتقسيم درنة إلى ثلاث مناطق، الأولى المنكوبة بالكامل، ويُحظر دخولها للمواطن العادي، بل فقط فرق الإنقاذ والإسعاف، أما الثانية، فهي المناطق التي تضرّرت بفعل السيول، لكن المنازل لم تتأثر حالتها ويُحظر فيها التنقل، كذلك استخدام مياه الشرب لاختلاطها مع مياه الصرف، وهو ما تمّ إثباته بالتحاليل. وثمة منطقة ثالثة آمنة وهي مسموح فيها بنزوح العائلات وتنقّلهم، لكننا أيضاً نُحذّر من استخدام المياه”.

وقدّرت مصادر محلية إجمالي المباني المتضرّرة جراء الإعصار “دانيال”، بنحو 1500 مبنى، بينها 891 تهدّمت بشكل كامل، فيما غمر الوحل 398 مبنى آخر، وتضرّر 211 بشكل جزئي.

وبالمثل، حذّر الطبيب في مستشفى درنة الميداني عارف عبدالله من تفشّي الأوبئة في المدينة، مشيراً لـ”النهار العربي” إلى “استقبال المستشفى الميداني عشرات الحالات المصابة بالنزلات المعوية التي تعاملنا معها بالعقاقير والمضادات الحيوية والمطهرات المعوية ومخفضات الحرارة”.

وإذ أكّد عبدالله أنّ “الوضع الصحي تحت السيطرة، وتمّ التعامل مع الحالات الطارئة ونقلنا الحالات التي تحتاج إلى عناية فائقة إلى مستشفيات خارج المدينة”، اشتكى من ضعف الإمكانات للتعاطي مع الحالات التي تستقبلها المستشفيات الميدانية، مطالباً بـ”توفير أعداد أكبر من الأجهزة وكميات من العقاقير، في ظلّ توقّعنا انتشار الأوبئة في المدينة”.

تحذيرات من أزمة إنسانية ثانية
وكانت منظّمة الإغاثة الإسلامية حذّرت في بيان لها، السبت الماضي، من أنّ “أزمة إنسانية ثانية على وشك الحدوث في درنة”، مشيرةً إلى “تزايد خطر انتشار الأمراض المنتقلة عبر المياه ونقص الطعام والأدوية والمأوى”.

وقال الناشط في المنظمة صلاح أبو القاسم، إنّ “الآلاف من الأشخاص ليس لديهم مأوى للنوم ولا طعام”. وأضاف: “في مثل هذه الظروف، يمكن أن تنتشر الأمراض بسرعة نظراً لتلوث أنظمة المياه. المدينة تشمّ رائحة الموت”.

بدورها أعلنت منظمة “أطباء بلا حدود” أنّها نقلت فرقاً إلى شرق البلاد لفحص إمدادات المياه والصرف الصحي هناك. وقالت منسّقة الرعاية الطبية مانويل كارتون: “في مثل هذا النوع من الأحداث، يساورنا القلق الشديد بشأن الأمراض المرتبطة بالمياه”. ووصفت الوضع في مدينة درنة بأنّه “فوضوي”. وشدّدت على أنّ “أعداداً كبيرة من المتطوعين وصلوا من كل أنحاء ليبيا والخارج، وينبغي إعطاء الأولوية لتنسيق المساعدات”.

ترافق ذلك مع مناشدات أطلقتها منظمة الصحة العالمية ومنظمات إغاثة أخرى للسلطات في ليبيا بـ”التوقف عن دفن ضحايا الفيضانات في مقابر جماعية، أو حرق الجثث بشكل جماعي”. وأكّدت المنظمة أنّ “جثث الضحايا لا تشكّل أي تهديد صحي تقريباً، وأنّ دفنها بشكل متسرّع قد يؤدي إلى مشكلات نفسية طويلة الأمد لذوي الضحايا، إضافة إلى مشكلات اجتماعية وقانونية”. ودعت إلى “تحسين إدارة عمليات الدفن، لتكون في مقابر فردية محدّدة وموثقة بشكل جيد”.

لكن الناطق باسم الهلال الاحمر الليبي توفيق الشكري، دافع عن الإجراء، وقال لـ”النهار العربي”: “صحيح أنّ دفن الجثث يجب أن يكون في مقابر فردية، لكن ثمة استثناءات في مثل هذه الكوارث”. وأضاف: “عندما تكون أعداد الضحايا كبيرة جداً، والمقابر المخصّصة للدفن غير كافية، في هذه الحالات يتمّ الدفن الجماعي بعد تسجيل البيانات والمعلومات، وهذا الدفن موقت لقلّة الإمكانات المتوافرة لدينا”. وأوضح الشكري أنّ “بعض الجثث تمّ تسليمها إلى ذويها لدفنها، وحالات أخرى يتمّ دفن الجثامين في المقابر الجماعية بحضور العائلة”.

وكان الناطق باسم مركز الإسعاف والطوارئ في ليبيا، أكّد أنّ الضحايا دُفنوا في ثلاثة مقابر جماعية.

تحركات الموفد الأممي
إلى ذلك، التقى الموفد الأممي عبدالله باثيلي، الأحد، رئيس المجلس الرئاسي محمد المنفي في مقرّه بالعاصمة طرابلس، غداة تفقّده المناطق المنكوبة في درنة، مشيداً بصمود وتماسك الشعب الليبي. وشدّد في سلسلة تغريدات على “الحاجة الملحّة لتوحيد المؤسسات الوطنية للاستجابة لكل التحدّيات التي تواجه الأمة”.

واقترح باثيلي “إنشاء آلية شاملة للإشراف على جهود التعافي وإعادة إعمار المناطق المنكوبة في شرق ليبيا، وتحديد الأولويات وضمان المساءلة”. ومن جهته، أوضح المنفي، في بيان، أنّ اللقاء شهد “طرح إنشاء مؤسسة موحّدة مختصة بالمدن المنكوبة، يحظى أعضاؤها بالخبرة والقدرة والسمعة الطيبة وثقة سكانها، تأكيداً على أهمية وحدة المؤسسات في التعامل مع الكارثة”، مطالباً بدور فني ورقابي للأمم المتحدة على جهود الإنقاذ والتعافي للمدن المنكوبة، لتعزيز الشفافية والإفصاح والرقابة.

النهار العربي

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى