
*سينتيا سركيس | موقع Mtv*
نسيرُ في لبنان دائما بالعكس… عكس التطوّر وعكس الانتعاش الاقتصادي، وعكس مسارات السلام، وعكس العالم بأسره… في الحياة كما في الممات! نعيش في القعر، ونصرفُ كأننا في القمة. وإليكم مثالا فاقعًا عمّا تقدّم.
فقط في لبنان، تصمدُ رواتب النواب السابقين والرؤساء السابقين إلى الأبد، لا بل إلى ما بعد الوفاة. ففي بلد الانهيار، والمليارات الضائعة، والخزينة المثقوبة، يتقاضى النواب السابقون رواتب تقاعدية مدى الحياة حتى لو خدموا في الشأن العام لسنوات قليلة، لا بل أن عائلاتهم تستفيد من هذا الراتب بحال الوفاة.
إذ يكفي أن يكمل نائب دورتين متتاليتين ليصبح مؤهلا لتقاضي راتب تقاعديّ مدى الحياة، بنسبة تتراوح بين 65 في المئة (إذا أكمل دورتين نيابيتين) و75 في المئة من راتب النائب الحالي (إذا أكمل 3 دورات أو أكثر)، كما يحصل الرئيس السابق على 75 في المئة من راتبه. والاحياء كما الأموات، إذ تحصل العائلة على الراتب التقاعديّ للنائب المتوفى الذي أمضى 3 دورات في البرلمان، وكذلك الامر بالنسبة لعائلة الرئيس السابق.
القصة بدأت عام 1998، حينما أقرّ هذا القانون، باعتبار أن النيابة هي وظيفة عامة تتطلب تفرّغا، كما لحفظ حق النائب السابق الذي قد لا يتمكّن من معاودة ممارسة مهنته الأساسيّة. ورغم الانهيار والوضع المادي المزري في البلاد لم يُصر إلى إحداث تعديلات على هذا القانون، خصوصا أن الموظف العادي في لبنان يحتاج للعمل لعشرات السنوات من أجل الحصول على راتب تقاعدي.
بتعبير أوضح، تخيّلوا أن النائب السابق الذي أكمل دورتين متتاليتين من العام 2000 لا يزال يتقاضى راتبا تقاعديا حتى اليوم، فيما أكثر من 100 ألف متقاعد في لبنان يتقاضون ما لا يصحّ حتى تسميته بالراتب.
لا نملك اليوم أرقامًا واضحة لكلفة هذه الرواتب على الخزينة، إلا أنها كانت تكلّف الدولة قبل عام 2019، حوالى 20 مليون دولار سنويا، وإذا أضفنا إليها المخصّصات الاخرى التي يحصل عليها هؤلاء تصبح الكلفة 38 مليون دولار.
بعد الانهيار، لا بدّ أن هذه الارقام اضمحلّت بشكلٍ كبير، فراتب النائب الذي كان يساوي قبل الأزمة حوالى 8 آلاف دولار، بات اليوم حوالى 1200 دولار، وهو مبلغٌ لا يغطّي طبعا مصاريفه، ما جعل النيابة في لبنان في السنوات الماضية أشبه بعبء ماليّ، بعدما كان ترفًا في الماضي.
وفي مقارنة سريعة مع عدد من دول العالم نرى أننا وحيدون في لبنان في تأمين مخصّصات لمدى الحياة لنوابنا السابقين، ففرنسا مثلا لا تؤمن معاشا تقاعديا لمدى الحياة، إنما تكتفي براتب لمن أتمّ أكثر من 5 سنوات في البرلمان ويكون مرتبطا بما دفعه خلال خدمته. الامر نفسه ينسحب على الولايات المتحدة الاميركية، حيث يعتمد الراتب التقاعدي على سنوات الخدمة، فيمثّل نسبة محدّدة من الراتب لكل سنة خدمة.
في بريطانيا وألمانيا أيضا، ترتبط المخصّصات بالمدة الفعلية للخدمة، وليس بمجرد العضوية.
بالتأكيد، ليست رواتب التقاعد للنواب سبب الازمة ولن ترفع “الزير من البير” لكنها تعكسُ واقعا غير منطقي في إدارة الدولة… وبالتالي عندما تعجزُ الاخيرة عن تمويل زيادات على رواتب المتقاعدين وموظفي القطاع العام إلا عبر ضرائب إضافية، يُصبحُ أمرًا مشروعًا إعادة النظر في سلّم الإنفاق كله، على أن نبدأ “من فوق”.



