
كتبت الاعلامية د علا القنطار
رئيسة جمعية التحديث والتطوير التربوي
حين تتحوّل المدارس إلى ملاجئ… بأي منطق نصرّ على صفوف الأونلاين؟
في زمن الأزمات الكبرى، لا يُقاس نجاح المؤسسات بعدد القرارات التي تصدرها، بل بمدى قدرتها على فهم الواقع الإنساني والتفاعل معه. واليوم، بينما تتحوّل مدارس كثيرة إلى مراكز إيواء للعائلات النازحة، يبرز سؤال ملحّ لا يمكن تجاهله: بأي منطق نطالب الطلاب بمتابعة صفوف الأونلاين فيما الصفوف نفسها باتت مأوى للنازحين؟
المشهد أقسى من أي توصيف إداري أو تربوي. قاعات كانت مخصصة للتعلّم تحوّلت إلى أماكن للنوم، وحقائب مدرسية استُبدلت بحقائب نزوح. أطفال كانوا يجلسون خلف مقاعد الدراسة أصبحوا اليوم يجلسون على أرض مراكز الإيواء، يشاركون الخوف والقلق مع عائلاتهم. في الخارج دمار يهدّد الاستقرار، وفي الداخل قلق لا يهدأ.
وسط هذا الواقع، تبدو الدعوة إلى الاستمرار في الصفوف الافتراضية وكأنها محاولة لتجميل مشهد لا يمكن تجميله. فالتعليم ليس مجرد تطبيق يُفتح على الهاتف، ولا برنامجًا يمكن استكماله بأي ثمن. التعليم، في جوهره، علاقة إنسانية تقوم على الاستقرار النفسي والشعور بالأمان، وهذان الشرطان غائبان اليوم لدى آلاف الطلاب.
أي تركيز يمكن أن يُطلب من طالب يعيش تجربة النزوح؟ وأي واجب مدرسي يمكن إنجازه فيما العائلة تبحث عن مكان للنوم أو عن أبسط مقومات الحياة؟ إن الإصرار على متابعة الصفوف الأونلاين في ظل هذا الواقع لا يعكس حرصًا حقيقيًا على التعليم بقدر ما يكشف فجوة مؤلمة بين القرار والواقع.
ليس المطلوب تعليق التعليم إلى الأبد، ولا التخلّي عن حق الطلاب في التعلّم. المطلوب ببساطة هو إدراك أن التعليم في زمن الكوارث يحتاج إلى إنسانية قبل أن يحتاج إلى تقنيات. فحين تتحوّل المدارس إلى ملاجئ، يصبح دورها الأول حماية الإنسان لا تقييمه، واحتضان الطالب لا محاسبته على حضوره الرقمي.
لقد أثبت التاريخ التربوي أن المجتمعات التي خرجت أقوى من الأزمات لم تكن تلك التي أصرت على إنهاء المناهج في زمن الحرب والدمار، بل تلك التي وضعت كرامة الإنسان وراحته النفسية في صدارة الأولويات.
اليوم، وأمام مشهد المدارس التي تحوّلت إلى مراكز إيواء، يصبح السؤال الحقيقي ليس: كيف نتابع الدروس؟
بل: كيف نحمي أطفالنا من أن يتحوّل التعليم نفسه إلى عبء إضافي فوق معاناتهم؟
ففي زمن الأزمات، قد يكون القرار الأكثر حكمة في التربية هو الاعتراف بحقيقة بسيطة:
الإنسان أولًا… ثم يأتي كل شيء بعد ذلك.



