
الصراعات الدولية الملتهبة بين مصالح البراغما ووهم الدوغما
البروفيسور جعفر عبد الخالق
بدون شرح مطول، أصبحنا جازمين أن التباين أو التنافس، إذا أراد البعض تسميتة “بالصراع” القائم بين روسيا والصين، وكل على حدة، وبين اميركا وأوروبا وأغلب دول جنوب شرق أسيا هو تنافس أو تباين ضمني (أو صراع سيان) بين رأسمالية مشبعة وأخرى متعطشة. والسبب الحاسم والأساس بذلك هو التالي:
١- في حال النقيض، ما هو الإختلاف الإيديولوجي بين الرأسماليتين المشبعة والمتعطشة إذن؟
الجواب: لا شئ يذكر بالمطلق…
٢- ومن ناحية أخرى بالمقارنة؛ ما هو اللقاء أو المشترك ايديولوجيا بين الرأسمالية المتعطشة وبعض من يدعون “بالأقطاب” الاخرى عالمياً؟ أي بين الصين المنفتحة رأسماليا حتى العظم، أو روسيا الرأسمالية الناشئة منذ بداية التسعينيات، وبين كوريا الشمالية أو كوبا أو فنزويلا مثلا المنغلقين كليا مثلاً، أو مع إيران المعتنقة لإيديولوجية دينية محظ كاملة…
الجواب المنطقي عند الجميع: لا شئ تقاطعي أبدا بينهم في الدوغما (الجمودية) الأيديولوجية، ولا حتى بالمصلحة البراغماتية الواقعية. لأن روسيا والصين وحتى فيتنام لم ينتهجوا مبدأ الانغلاق على الاقتصاد الدولي من ناحية، ومن ناحية ثانية، ماذا يستطيعون الحصول عليه اقتصاديا من تلك الدول المنغلقة، ولا يستطيعون الحصول عليه بأضعاف مضاعفة من الدول الرأسمالية العالمية كاملةً…
فروسيا اعتمدت منذ التسعينات النظام الرأسالي، ورفعت مستوى اقتصادها وشعبها من 500 دولار للفرد بالسنة عام 1992 إلى 15000$ العام 2025، وإذا حدث وتعارضت أو تشاكست مع النظام العالمي، فهي متيقنة أنها تعود رويدا أو بسرعة إلى المستويات المتدنية.
والصين بإنفتاحها الشامل على النظام الرأسمالي الدولي، رفعت مستواها من 375$ للفرد (من أفقر الدول) عام 1992 ألى 13500$ عام 2025، والصين استراتيجياً حاسمة بعدم دخولها بأي حرب تحت أي ظروف، لأنها متيقنة من عودتها رويدا أو سريعاً إلى حالات الإفقار أمام شعب كونفوشيوسي تجاوز 1.3 مليار نسمة. وحتى الفيتنام المنتصرة على ثلاث امبرياليات بالتتالي (اليابان وفرنسا وأميركا) وبإعتناقها التناغم الإنفتاحي مع الرأسمال الأجنبي، انتقلت من مستوى 250$ للفرد عام 1992 إلى 5000$ عام 2025، وغيرت كل إيديولوجيتها السابقة حكماً.
هذا الواقع الملموس والمنطقي البراغماتي، لم ولن يستطع أي من المحللين الايديولوجيين الدوغماتيين من هضمه أو حتى ادراجه ضمن الفرضيات، لأنهم بذلك ينتهجون مسار ذات أمرين لا ثالث لهما:
١- إما الوصول إلى إلغاء فرضياتهم الإيديولوجية الأخرى، وبالتالي إنتهاج البراغماتية الواقعية التي تلغي حتما ايماناتهم الإيديولوجية حتى الدينية.
٢- أو إعتبار (وهذا وهماً مريباً) أن هكذا دول كبرى (رأسمالية متعطشة) ستكون بموقع الحلفاء لهم ضد الامبريالية العالمية الصهيو-أميركية (بحسب رأيهم)، وهذا بالتالي يؤدي إلى أنكشاف زيف الفرضيات بالأصل، ولا صحة للتوقعات والتحاليل غير المنطقية عند الإستحقاقات المصيرية في الصراعات الاقليمية أو الدولية… وأكبر مثال على ذلك بإختصار الأحداث التالية:
١- حرب غزة منذ عامين ونصف وتدميرها بالكامل، بتفويض دولي مريب وشامل لإسرائيل (فإكتفت روسيا والصين ببيانات إدانة ومحاولة توسط لا أكثر)، وتشكل مجلس سلام عالمي لغزة برئاسة ترامب دون اعتراض من أحد دولياً.
٢- الدور الروسي في السقوط المدوي للنظام الأسدي في سوريا، وذلك درءاً لعدم إنغماس أميركا في الحرب الاوكرانية حتى العمق، ولعب دور الوسيط المقبول من كل الأطراف.
٣- الهجوم الاسرائيلي المدمر المفاجئ على ايران في حزيران 2025 لفترة 12 يوماً، والذي انتهى بتدخل أميركي “بمطرقة نصف الليل” ولليلة واحدة فقط، لضرب المفاعلات النووية الإيرانية وإيقاف الحرب (بيانات إدانة روسية صينية فقط).
٤- بداية العام الحالي، إسقاط أميركي مريب وسريع للنظام في فنزويلا، خلال شهر ونصف من الحصار المحكم، وهجوم بري محدود لساعات، أعتقل خلاله الرئيس مادورو، وتغير النظام مباشرة بإستلام نائبة الرئيس الحكم (بيانات استنكار روسية وصينية لا أكثر).
٥- الهجوم الأميركي الاسرائيلي (وحتى الدولي) التدميري على ايران منذ 28 آذار 2025 حتى الآن، والذي يمكن أن يستتبع قريباً بهجوم بري بالطبع محدود، ولا أحد يتكهن بمدته ونطاقه (بيانات إدانة روسية صينية، وعروض توسط فقط لا غير)، وقبول نسبي ومبدئي لوساطة باكستان وتركيا، ولكن الحرب التدميرية مستمرة بأفق واسعة بحال عدم الإتفاق على ما يجب الإتفاق عليه دولياً. من بدايات هذه الحرب، لم يجتمع مجلس الأمن أبدا، وإنما إجتمع في اليوم الثاني عشر بطلب من الكويت، وقام بالإجماع بإدانة القصف الصاروخي الإيراني على الدول المحيطة، أفلم يكن من الأجدى بالدول الرأسمالية النووية المتعطشة (الصين وروسيا)، بإستعمال فقط التهديد بالفيتو، وذلك فقط لإضافة جملة عامة تقول: “وإدانة أي إعتداء على سيادة الدول الاخرى”.
إذن فالنستنتج بحزم وحسم:
أولا: الصراعات الدولية الملتهبة إبان وجود المعسكرين الاشتراكي والرأسمالي، كان يحكمها توازن الرعب بين الجيوسياسي Geopolitics المنعكس على الجيواقتصادي Geo-economics، والمنطلق من صراع ايديولوجي اشتراكي راسمالي عند كلا الإتجاهين، وإنعكس ذلك بحرب باردة طويلة نسبياً، إنتهت بسقوط المعسكر السوفييتي الاشتراكي.
ثانيا: الصراعات الدولية بعد سقوط الرديف الإيديولوجي، أضحت يحكمها براغما المصالح الجيواقتصادية المنعكسة على الوقائع الجيوسياسية، وبالتالي استبعاد كل الايديولوجيات الدوغماتية (الجمودية) وتأثيراتها من الحسبان…
ثالثا: أضحى من الضروري لكل أطراف الصراعات القائمة (مهما كانت)، احتساب موازين القوى على هذا الأساس، وأنه بالتالي هناك تحالفات ضمنية مرئية كانت أم مخفية، بين الرأسمالية الامبريالية المشبعة وبين الرأسمالية المتعطشة، وبينهم جميعا وبين الصهيونية العالمية كاساس في نظام المصالح المالية الدولية (إذا اردتم)، وكي نكون أكثر براغماتيين وواقعيين للأسف.
رابعا: إن التعويل عمليا، على احتمالية نشوء صراع مصالح حاسم، يؤدي إلى بدايات حروب اقليمية أو عالمية بين الدول الكبرى الامبريالية المشبعة والدول الرأسمالية المتعطشة، يكاد يكون الإحتمال صفرا صحيحا. وأكبر دليل أنه بعد سيطرة أميركا على فنزويلا، تم تأمين حصص المصالح الصينية من البترول الفنزويلي أولا، من قبل اميركا، وبأسعار تقل ب 5 دولارات للبرميل عن ما كانت تحصله سابقا. ودليل آخر أوضح، هو ما يحصل اليوم مع الصين خاصة، ودول جنوب شرق آسيا عموماً، وخلال فترة إنتظار حسم مصير إيران ومضيق هرمز ضمناً، فإن الدول الامبريالية المشبعة تؤمن الطاقة للصين المتعطشة أولاً، وثم باقي الدول بدون أي تردد أو ريبة، كما كل الحلفاء، وبحسب الحاجة والأولويات الحرجة عند البعض. وحالياً بدأ يتشكل تحالف دولي واسع بين الإمبرياليين المشبعين والرأسماليين المتعطشين، حول فتح مضيق هرمز بكل الطرق (وكلنا يعلم معنى ذلك)، وبشكل طارى قيام أميركا وباكستان وضمنا روسيا والصين، بمطالبة اسرائيل بعدم استهداف رئيس البرلمان الإيراني قاليباف ووزير الخارجية عرقجي وضمنا الرئيس بازشكيان (واللبيب من الإشارة يفهم)، وذلك عطفاً على المبهم واللامعلوم علناً، في من يتفاوض مع ترامب.
البراغما تعتبر حدود الفهم الواقعي للتصرف المنطقي، وتأمين مصالح الدول والأنظمة وتالياً الشعوب، بالترابط الدولي المتبادل Interdependence.
أما الايديولوجيات الدوغماتية تاريخياً، الدنيوية منها والمتدينة، فهي رسماً لحدود حافة الأوهام المدقعة، المؤدية حكماً للتصرفات المتهورة… إن لم نقل القاتلة حتى درجة العزلة الدولية International Isolationism
يستتبع



