Uncategorized

الشرق الأوسط بعد الحروب الكبرى: سقوط وهم الهيمنة وبداية عصر التوازنات القسرية

ميلاد السبعلي

لم تعد الحروب التي يشهدها الشرق الأوسط منذ سنوات مجرد جولات عسكرية متفرقة أو نزاعات إقليمية تقليدية، بل أصبحت تعبيراً عن تحوّل تاريخي يعيد تشكيل النظامين الإقليمي والعالمي معاً. فما يجري من غزة إلى لبنان، ومن الشام والعراق إلى المواجهة المفتوحة مع إيران، يتجاوز حدود الصراع المحلي، ويرتبط مباشرة بإعادة توزيع النفوذ العالمي في مرحلة تتراجع فيها الأحادية الأميركية تدريجياً، بينما يتشكل عالم أكثر تعقيداً وتعددية.

وفي قلب هذا التحول، حاولت إسرائيل، بدعم أميركي وغربي غير مسبوق، فرض نفسها كقوة مركزية مهيمنة في الشرق الأوسط، مستفيدة من الانقسامات العربية، والتفوق العسكري والتكنولوجي، والتحولات الكبرى في النظام الدولي. وقد اعتقد نتنياهو أن الحروب الأخيرة ستؤسس لشرق أوسط جديد يقوم على “السلام بالقوة”، أي على إخضاع المنطقة سياسياً وأمنياً عبر التفوق الإسرائيلي المطلق.

لكن ما حدث على الأرض كشف حدود القوة العسكرية، وأسقط جزءاً كبيراً من التصورات الأميركية والإسرائيلية حول مستقبل المنطقة، بعدما اصطدمت مشاريع الهيمنة بعوامل صمود واستنزاف وتوازنات إقليمية ودولية أعادت خلط موازين القوى، ومنعت حتى الآن ولادة شرق أوسط خاضع بالكامل للهيمنة الإسرائيلية الأميركية.

وهذا البحث لا يشكّل مقالاً تعبوياً أو خطاباً لرفع المعنويات، ولا يتناول الموقف المبدئي من العدوان والاحتلال، بل يحاول تقديم قراءة تحليلية موضوعية ومنهجية لمسار التحولات الجارية.

** الشرق الأوسط في قلب الصراع على النظام العالمي الجديد

لم يعد ممكناً فهم ما يجري في الشرق الأوسط من زاوية الصراعات المحلية فقط، لأن المنطقة تحولت إلى إحدى أهم ساحات إعادة تشكيل النظام العالمي المقبل. فالولايات المتحدة تدرك أن تراجع نفوذها فيها لا يعني خسارة منطقة جغرافية فحسب، بل اهتزاز البنية التي قامت عليها هيمنتها العالمية منذ نهاية الحرب الباردة، خصوصاً أن الشرق الأوسط ما زال يتحكم بالطاقة والممرات البحرية وسلاسل الإمداد والأسواق العالمية.

وفي المقابل، تتحرك الصين بهدوء لبناء نفوذ طويل الأمد عبر الاقتصاد والبنى التحتية والطاقة والتكنولوجيا ضمن مشروع “الحزام والطريق”، بينما تحاول روسيا الحفاظ على دورها كلاعب دولي يمنع الاحتكار الغربي للقرار العالمي، رغم استنزافها في أوكرانيا. أما أوروبا، فتعيش حالة ارتباك بين تبعيتها الاستراتيجية لواشنطن وتصاعد الغضب الداخلي من الحروب الإسرائيلية وتداعياتها.

وهكذا، أصبحت حروب غزة ولبنان وإيران والبحر الأحمر جزءاً من صراع أوسع على شكل النظام الدولي المقبل، وعلى ما إذا كان العالم سيتجه نحو تعددية قطبية حقيقية، أم نحو محاولة أميركية جديدة لإعادة تثبيت هيمنتها العالمية.

** إسرائيل ومشروع الهيمنة الإقليمية

ضمن هذا السياق العالمي، رأت إسرائيل أن اللحظة مناسبة للانتقال من موقع “الدولة الباحثة عن الاعتراف” إلى موقع القوة المركزية في الشرق الأوسط، مستفيدة من الانقسام العربي، وضعف الدول المركزية، والخوف الخليجي من إيران، والدعم الغربي المفتوح.

ومن هنا، بنت استراتيجية مزدوجة تقوم على الاندماج الإقليمي عبر التطبيع والتحالفات الاقتصادية والأمنية، بالتوازي مع توسيع الاستيطان وتعميق السيطرة العسكرية على فلسطين وتصعيد التدخلات الإقليمية والاحتلال. وكان نتنياهو يختصر هذه الرؤية بمقولة “السلام بالقوة”، أي فرض قبول إقليمي بالأمر الواقع الإسرائيلي عبر التفوق العسكري والردع الشامل، لا عبر التسوية السياسية أو العدالة.

غير أن هذا المشروع حمل تناقضاً بنيوياً عميقاً، لأن إسرائيل أرادت الجمع بين الاندماج والهيمنة، وبين التطبيع والاحتلال، وبين خطاب الحداثة وممارسة التدمير الجماعي، وهو ما بدأ ينفجر أمام العالم بصورة غير مسبوقة.

** غزة: لحظة الانكشاف الأخلاقي العالمي

شكّلت الحرب على غزة لحظة الانكشاف الأخلاقي الأخطر في صورة إسرائيل العالمية. فالمشاهد الخارجة من القطاع لم تعد تُقرأ كحرب تقليدية، بل ككارثة إنسانية شاملة تضمنت التدمير الواسع، واستهداف البنية المدنية، والحصار والتجويع، وسقوط أعداد هائلة من الضحايا والمهجرين. ولهذا، دخلت مفردات مثل الإبادة الجماعية والتطهير العرقي وجرائم الحرب بقوة إلى الخطاب العالمي، ليس فقط في العالم العربي والإسلامي، بل أيضاً داخل الجامعات الغربية والمؤسسات الثقافية والإعلامية وقطاعات واسعة من التجمعات اليهودية نفسها.

وبدأت إسرائيل تخسر تدريجياً السردية التي بنتها لعقود باعتبارها “الديمقراطية الوحيدة في الشرق الأوسط” و“الدولة التي تدافع عن نفسها”، لتظهر في نظر أعداد متزايدة من البشر كقوة استعمارية استيطانية وقوة فصل عنصري تستخدم تفوقها العسكري لتدمير مجتمع محاصر.

وإزاء هذا الانكشاف، حاول نتنياهو إعادة توجيه الأنظار نحو إيران عبر استعادة خطاب “الخطر الوجودي”، مراهناً على أن الانتصار على إيران سيعيد ترميم صورة إسرائيل كقوة تحمي الغرب والعالم، ويدفع المنطقة إلى التسليم بحتمية الهيمنة الإسرائيلية الأميركية والتأقلم معها. وقد رافقت ذلك حملات سياسية وإعلامية عربية مدفوعة حاولت تسويق هذه الحتمية بوصفها قدراً استراتيجياً لا يمكن مقاومته.

** لبنان: سقوط أوهام الحسم العسكري

في لبنان، اعتقدت إسرائيل أن الضربات الكبرى التي تلقاها حزب الله في حرب 2024 ستجعل أي مواجهة لاحقة مجرد عملية سريعة تفرض وقائع جديدة حتى الليطاني. لكن الحرب الأخيرة جاءت معاكسة تماماً للتوقعات الإسرائيلية. فعلى الرغم من التدمير الهائل ومحو عشرات القرى الحدودية، وجد الجيش الإسرائيلي نفسه عاجزاً عن تحقيق اختراق حاسم، وتحولت المواجهة إلى حرب استنزاف كشفت حدود القوة العسكرية الإسرائيلية أمام قوة تمتلك خبرة قتالية متراكمة وبنية مرنة واستعداداً لتحمل الكلفة البشرية العالية.

وقد شكّل هذا الصمود ضربة استراتيجية لمشروع “السلام بالقوة”، لأنه أثبت أن الردع الإسرائيلي ليس مطلقاً، وأن إعادة تشكيل المنطقة بالقوة العسكرية ليست عملية سهلة أو مضمونة.

** إيران: العامل الحاسم في إسقاط مشروع الهيمنة الكاملة

لكن العنصر الأهم في إفشال التصورات الأميركية والإسرائيلية كان صمود إيران نفسها.

فرغم العقوبات، والحصار، والضربات العسكرية والأمنية، والحرب المفتوحة، نجحت إيران في الحفاظ على تماسك الدولة، وقدرتها الصاروخية، ونفوذها الإقليمي، وشبكات الردع والاستنزاف طويلة الأمد. كما استخدمت أوراقاً استراتيجية أساسية، أهمها مضيق هرمز، وأمن الطاقة العالمي، وشبكات الحلفاء الإقليميين، والقدرة على توسيع الحرب إلى مساحات يصعب على واشنطن وتل أبيب السيطرة عليها.

وقد أدركت الولايات المتحدة أن الذهاب إلى حرب شاملة مع إيران قد يؤدي إلى انفجار أسعار الطاقة، واضطراب الاقتصاد العالمي، وتوسيع الحرب إقليمياً، واستنزاف أميركي طويل الأمد في لحظة تواجه فيها واشنطن تحديات كبرى مع الصين وروسيا. ولهذا، اضطرت الإدارة الأميركية إلى العودة نحو التفاوض وفرض وقف إطلاق النار على نتنياهو، سواء في إيران أو في لبنان، رغم استمرار الخروقات والاشتباكات المحدودة.

** الخسائر الاستراتيجية الإسرائيلية: القوة التي بدأت تفقد روايتها

المفارقة الكبرى أن إسرائيل قد تكون اليوم في ذروة تفوقها، عسكرياً وتكنولوجياً واستخباراتياً وبدعم غربي شبه مطلق. لكنها في الوقت نفسه تواجه واحدة من أخطر أزماتها الاستراتيجية والرمزية.

فخارجياً، بدأت تخسر بصورة متسارعة: صورتها الأخلاقية، والتعاطف العالمي التقليدي، وقدرتها على التحكم بالرواية والسردية، وثقة الأجيال الجديدة في الغرب، ومكانتها داخل المؤسسات الأكاديمية والثقافية والحقوقية.

أما داخلياً، فقد بدأت تظهر آثار الحروب الطويلة: تصاعد الانقسامات السياسية والاجتماعية، وأزمة الثقة بالمؤسسات، والإرهاق النفسي والعسكري، وتنامي العنف الداخلي، وتصاعد الشعور بأن الكيان الإسرائيلي دخل مرحلة تعبئة دائمة بلا أفق سياسي واضح.

فقد بدأت إسرائيل تتحول تدريجياً من حلم الاندماج الطبيعي في المنطقة والعالم، إلى كيان يعيش في حالة خوف واستنفار دائمين، يعيد تعريف ذاته عبر الحرب المستمرة.

** شكل النظام الجديد في الشرق الأوسط… وما الذي يجب أن يتغيّر عربياً؟

إن الشرق الأوسط الذي بدأ يتشكّل بعد هذه الحروب لا يشبه الشرق الأوسط الذي بشّر به نتنياهو، ولا ذلك الذي تصوّرت بعض مراكز القرار الغربية والإقليمية أنه سيولد بعد حرب كاسحة تؤدي إلى إخضاع إيران ومحور المقاومة وفرض الهيمنة الإسرائيلية الأميركية الكاملة على المنطقة. فما يتشكل اليوم هو واقع أكثر تعقيداً وتشابكاً، يقوم على توازنات قسرية بين قوى إقليمية كبرى، وعلى صراعات مفتوحة ومستمرة، لا على انتصار حاسم لطرف واحد.

‌أ- توازنات ما بعد الحرب

فإيران، رغم العقوبات والحصار والضربات العسكرية والأمنية، لم تسقط، ولم تتحول إلى دولة منهارة أو معزولة بالكامل عن معادلات النفوذ الإقليمي. بل ما زالت تتفاوض مع واشنطن من موقع قوة نسبية حول مستقبل دورها الإقليمي وحدود نفوذها، وهو ما يعني عملياً أن مشروع إخراجها الكامل من معادلة الشرق الأوسط قد فشل حتى الآن. وفي المقابل، لم تستطع إسرائيل تحقيق النصر الكاسح الذي كان من المفترض أن يؤسس لهيمنة مستقرة أو لقيام “إسرائيل الكبرى” بصيغتها الأمنية والسياسية والاقتصادية، حتى لو لم تكن بصيغة الاحتلال المباشر التقليدي. فقد اصطدمت حدود القوة الإسرائيلية بعوامل الصمود والاستنزاف وتوازن الردع، وبعجز التفوق العسكري وحده عن إنتاج شرق أوسط خاضع بالكامل للإرادة الإسرائيلية.

أما تركيا، فهي تواصل بدورها إعادة بناء مناطق نفوذها الإقليمي بصورة حديثة، تمتد من الشام والعراق إلى القوقاز وآسيا الوسطى، مستفيدة من الفراغات الجيوسياسية التي خلفها انهيار أو ضعف عدد من الدول العربية المركزية، ومن قدرتها على الجمع بين النفوذ العسكري والاقتصادي والتكنولوجي والثقافي. وهي تدرك أن قيام هيمنة إسرائيلية كاملة على المنطقة لا يخدم مصالحها الاستراتيجية على المدى البعيد.

ب‌- التموضع العربي الجديد

وفي المقابل، يبدو العالم العربي الطرف الأكثر إنهاكاً وتراجعاً في هذه المرحلة التاريخية، بعد سقوط العراق، وتفكك ليبيا، وتقسيم السودان، وإضعاف الشام لعقود، وتراجع الدور المصري، وانكشاف حساسية النظام الخليجي رغم ثرواته الضخمة. وهذا الواقع دفع عدداً من الدول العربية إلى إعادة قراءة موازين القوى بطريقة تقوم على افتراض أن الحسم الإسرائيلي الأميركي أصبح قدراً نهائياً للمنطقة، وأن الشرق الأوسط دخل فعلاً “العصر الإسرائيلي”، بحيث لم يعد هناك خيار واقعي سوى التكيّف مع هذا التحول والانخراط التدريجي فيه.

ج‌- وهم الحسم الإسرائيلي الأميركي

ومن هنا، بدأت بعض القوى العربية، وخصوصاً في لبنان والشام والسلطة الفلسطينية، تبني جزءاً من سياساتها ودبلوماسيتها على هذا الأساس. فبدأ التراجع التدريجي عن عناصر القوة، والمراهنة على أن “الصديق الأميركي” سيضغط على إسرائيل لحفظ الحد الأدنى من الحقوق والمصالح، مقابل انصياع هذه الدول واندماجها التدريجي، إلى جانب الدول العربية المطبّعة أصلاً، ضمن شرق أوسط تقوده إسرائيل أمنياً وسياسياً واقتصادياً.

وقد ظهرت مؤشرات ذلك بوضوح في استعجال الحكومة اللبنانية الذهاب نحو التفاوض المباشر، وصولاً إلى طرح فكرة لقاء رئيس الجمهورية اللبنانية مع نتنياهو، برعاية ترامب، قبل أي تفاهمات حقيقية أو ضمانات واضحة، وكأن المطلوب كان تثبيت التموضع السياسي في النظام الإقليمي الجديد قبل اتضاح نتائجه النهائية. كما ظهر ذلك في الصمت السوري تجاه الاحتلال الإسرائيلي الإضافي في الجنوب، والذهاب نحو مفاوضات مباشرة تحت ضغط موازين القوى الجديدة، والرعاية الأميركية، فيما كانت بعض الأطراف العربية والإعلامية تتعامل مع المشهد وكأن سقوط إيران أو إخراجها الكامل من المنطقة بات مسألة وقت فقط، وما عليها وسوى انتظار تحقق ذلك.

وقد تأثرت هذه السياسات أيضاً بحملات إعلامية وسياسية واسعة، بعضها مدفوع وموجّه، روّجت لفكرة “الانتصار الحتمي” للمحور الأميركي الإسرائيلي، ولإزالة نفوذ إيران بالكامل من المنطقة، وعزل تركيا، وتصوير الشرق الأوسط وكأنه دخل فعلاً مرحلة ما بعد المقاومة وما بعد التوازنات السابقة. لكن الواقع العملي أظهر أن المفاوضات الفعلية كانت تدور في العمق حول شكل النظام الإقليمي الجديد وحدود النفوذ فيه، لا حول استسلام كامل لطرف وانتصار مطلق لطرف آخر.

إن محاولة السعودية قراءة نتائج الحرب بواقعية أكبر، ساهم في فرملة بعض هذه الاندفاعات. فالسعودية، مثل تركيا ومصر الى حد ما، تدرك أن ما نتج عن الحرب ليس شرق أوسط إسرائيلياً خالصاً، بل توازن قوى جديد ما زالت إيران أحد عناصره الأساسية، إلى جانب تركيا وقوى إقليمية أخرى لا مصلحة لها بقيام هيمنة إسرائيلية كاملة على المنطقة. كما تدرك أن الارتهان الكامل للمشروع الإسرائيلي الأميركي قد يحوّل العالم العربي إلى مجرد هامش تابع داخل نظام إقليمي لا يراعي المصالح العربية بعيدة المدى.

د‌- هل يولد محور عربي جديد؟

ومن هنا، يبرز السؤال الأهم بالنسبة للعالم العربي: هل تستطيع الدول العربية، وخصوصاً السعودية والدول التي لم تنخرط بالكامل بعد في التطبيع مع إسرائيل، أن تنتهج سياسة أكثر توازناً بين الأقطاب العالمية والقوى الإقليمية الصاعدة، بدل وضع كل رهاناتها على المحور الأميركي الإسرائيلي حصراً؟ وهل تستطيع إعادة بناء مقاربة عربية أكثر استقلالية وواقعية، تدرك أن العالم يتجه نحو تعددية قطبية، وأن الشرق الأوسط لن يكون مجالاً لهيمنة مطلقة لطرف واحد؟

والأهم من ذلك، هل تستطيع هذه الدول تصحيح التصورات التي بدأت تتشكل عند البعض داخل الحكومات اللبنانية والسورية والسلطة الفلسطينية، والتي تقوم على اعتبار الانتصار الأميركي الإسرائيلي قدراً نهائياً للمنطقة، بما يدفعها إلى التموضع المبكر داخل المشروع الإسرائيلي؟ أم أن المرحلة المقبلة ستشهد إعادة بناء محور عربي أكثر توازناً، يحاول الاستفادة من التحولات الدولية الجديدة، ومن الموقع الجيوسياسي العربي، ومن عناصر القوة الاقتصادية والطاقة والممرات البحرية والتكنولوجيا، لبناء وزن استراتيجي عربي مستقل نسبياً داخل النظام العالمي المتعدد الأقطاب وداخل النظام الجديد في الشرق الأوسط الذي يتشكل اليوم؟

** خاتمة: من وهم الحسم إلى حسابات التوازن

تكشف الحروب الأخيرة أن الشرق الأوسط لم يدخل “العصر الإسرائيلي” الذي جرى الترويج له، ولم يعد أيضاً إلى توازناته القديمة، بل انتقل إلى مرحلة أكثر تعقيداً، تتداخل فيها حدود القوة العسكرية مع كلفة الاستنزاف، وتتراجع فيها قدرة أي طرف على فرض نظام إقليمي كامل بإرادته وحده.

لقد اصطدم مشروع “السلام بالقوة” بواقع أشد صلابة مما افترضه نتنياهو وحلفاؤه: إيران لم تُخرج من المعادلة. والصمود اللبناني، ولا سيما صمود المقاومة في الجنوب، أعاد تأكيد حدود القوة الإسرائيلية. وتركيا لا تقبل بهيمنة إسرائيلية مطلقة. والدول العربية لم تعد قادرة على حماية مصالحها إذا اكتفت بدور المتفرج أو التابع. لذلك، يصبح السؤال العربي المركزي ليس كيف نتكيّف مع انتصار مزعوم، بل كيف نبني وزناً استراتيجياً قادراً على المناورة بين القوى العالمية والإقليمية.

وفي هذا المشهد، تبدو إسرائيل أمام مفارقة عميقة: تفوق عسكري وتكنولوجي غير مسبوق، يقابله تآكل متسارع في الشرعية والصورة والسردية. وهذا يعني أن القوة، مهما بلغت، لم تعد وحدها كافية لصناعة الهيمنة أو ضمان المستقبل في عالم يتجه نحو تعدد المراكز وتبدّل قواعد النفوذ. وهذه ليست خسارة رمزية عابرة، بل بداية ضعف استراتيجي طويل المدى.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى