
كتب ماهر عواد:
إحتفالات عنيفة..Promposals خلاعية وباهظة التكلفة..تفلّت أخلاقي لا يمت لهذه الفئة العمرية بصلة..
هذه هي بعض المظاهر المقززة التي تزداد “فحشاً” عاماً بعد عام لترافق نهاية العام الدراسي لطلاب البكالوريا في مدارس “الذوات” اللذين يدفعون أموالاً طائلة في سبيل أيصال أبناءهم إلى هذا المستوى اللاأخلاقي في التعبير عن “خلاصهم” من المناهج الدراسية المدرسية..فإندفاع الشباب لم يلق رادعاً أخلاقياً ولا تربوياً في المنزل الذي يدعي الرقي ولكنه لم يعلم أبناءه ان تكسير المدرسة التي “إحتوته” ل١٣ سنة على الأقل وإزعاج الناس بمظاهر إحتفال صاخبة ولا تعني أحد من خارج المدرسة هو إنحطاط أخلاقي و “نورنة”، هذا عدا عن الpromposals التي تصل في الكثير من المدارس إلى حد الخلاعة..فالسؤال الذي يطرح نفسه بشدة : ” ماذا يريد هؤلاء الطلاب أن يقولوا للناس في أجمل يوم من حياتهم؟ هل هي حرية تعبير أم أنها فوضى أخلاقية وعدم إكتراث للعواقب بموافقة الأهل اللذين يحتاجون برأيي إلى تربية قبل أبناءهم؟
فما جرى في مدرسة الليسيه الفرنسية في الأشرفية على سبيل المثال لا الحصر ليس حادثة شغب عابرة، وليس اندفاع مراهقين في يومهم الأخير، وليس تفصيلاً يمكن دفنه تحت عبارة “فرح الشباب” أو “حماس التخرّج”. ما حدث يشبه إعلان إفلاس أخلاقي صادر عن بيئات تملك المال، التعليم، الامتيازات، والقدرة على الوصول إلى أفضل المؤسسات، ثم تعجز عن إنتاج الحد الأدنى من الرقي الإنساني.
حين تتحول مدرسة تحمل تاريخاً أكاديمياً عريقاً إلى مسرح للتخريب على يد أبنائها، يصبح السؤال موجعاً: ماذا ربّت العائلات؟ ماذا بقي من مفهوم الاحترام؟ ماذا فعلت الطبقات التي تتباهى بالثقافة والانفتاح واللغات الأجنبية، بينما تعجز عن توريث أبنائها قيمة واحدة اسمها المسؤولية؟
وما رأيناه من إحتفالات “تقيلة الدم” من طلاب ثانوية روضة الفيحاء (على سبيل المثال لا الحصر أيضاً) في شوارع طرابلس، في ظل للظروف الإجتماعية والأقتصادية الخانقة التي يمر فيها لبنان عامة وطرابلس خاصة (أفقر مدينة على حوض المتوسط) يخبرنا أن هذه الطبقة الإجتماعية التي تدّعي التدين والتكافل الإجتماعي تنسلخ إنسلاخاً كلياً عن باقي المكونات الإجتماعية في هذه المدينة التعيسة التي تفتقر إلى أدنى مقومات الurban concept..
المشكلة ليست فقط في الزجاج المكسور أو المقاعد المحطمة أو الخلاعة في التعاطي،إنما أيضاً في النفوس التي تعتقد أن الامتياز يمنحها حق الإهانة، وأن القدرة المادية تشتري الإعفاء من الأخلاق. هناك جيل يكبر مقتنعاً أن كل شيء مباح طالما الاسم العائلي كبير، المدرسة مرموقة، والحساب المصرفي قادر على دفع الفاتورة.
الأشد قسوة أن “اللبناني الكلاس” عمل لعقود طويلة على تقديم نفسه كمثال يحتذى في التعليم والثقافة والنموذج الحضاري، ثم تظهر مشاهد كهذه فتفضح هوةً عميقة بين الصورة التي نبيعها لأنفسنا والحقيقة التي نعيشها. الحضارة لا تُقاس بعدد اللغات التي يتحدثها الأبناء، ولا بأسماء المدارس الأجنبية، ولا برحلات أوروبا، ولا بحفلات التخرّج الباذخة. الحضارة تُقاس بطريقة تعامل الإنسان مع المكان الذي ربّاه، ومع المؤسسة التي صنعت جزءاً من مستقبله،مع محيطه المكون من أشخاص أقل حظاً.
نحن أمام جيل يتقن المظاهر ولا يتقن الاحترام، يحفظ شعارات الحرية وينسى معنى الحدود، يطالب بالحقوق من دون أن يشعر بأي واجب. والأسوأ أن كثيراً من الأهالي لم يعودوا يربّون أبناءهم، بل يدافعون عن أخطائهم كما لو أن الاعتراف بالخطأ هزيمة اجتماعية.
قد تُرمّم المدرسة خلال أسابيع. الجدران تُصلّح سريعاً، الكراسي تُستبدل. والناس تنسى ما حصل، أما الخراب الحقيقي فهو ذاك الذي أصاب الضمير، وحين ينهار الضمير داخل البيئات التي تعتبر نفسها نخبة، يصبح الانحدار أكثر رعباً لأن السقوط عندما يكون من الأعلى يصبح مدوياً.


