
هذا التباعد في المواقف يجعل من الجلسات الحالية أقرب إلى مرحلة جسّ نبض متبادل ورسم حدود التفاوض، أكثر مما هي مرحلة إنتاج اتفاقات نهائية. ولذلك، فإنّ مجرد انعقاد المحادثات يُعدّ بحد ذاته مؤشراً إلى وجود إرادة دولية لمنع استمرار الحرب وتوسّعها، لكنه لا يشكّل دليلاً على قرب التوصل إلى تسوية شاملة.
في موازاة المسار الأميركي، تتحرك عين التينة على خطوط عربية وإقليمية متعددة. فالرئيس بري يدير اتصالات مكثفة مع عواصم مؤثرة، وفي مقدمها الرياض والدوحة والقاهرة، انطلاقاً من قناعة بأن أي اتفاق قابل للحياة يحتاج إلى مظلة عربية داعمة قادرة على توفير الضمانات السياسية اللازمة وتسهيل تنفيذ أي تفاهمات مستقبلية. وتكتسب هذه الاتصالات أهمية مضاعفة في ظل التحوّلات التي تشهدها المنطقة ومحاولات عدد من الدول العربية لعب دور أكثر تأثيراً في معالجة الأزمات الإقليمية.
ولا يقتصر الحراك على البُعد العربي فقط، إذ تشهد عين التينة تواصلاً يومياً مع الجانب الإيراني، في إطار مشاورات متواصلة تهدف إلى بلورة رؤية مشتركة للمرحلة المقبلة واستشراف إمكانات التوصل إلى اتفاق يوقف الحرب ويمنع توسّعها. وتدرك طهران، كما يدرك حلفاؤها، أن التطورات في لبنان باتت مرتبطة بصورة وثيقة بالتوازنات الإقليمية الأوسع، ما يجعل أي تسوية محتملة جزءاً من مشهد سياسي وأمني يتجاوز الحدود اللبنانية.
ومن هنا، تبدو المفاوضات الجارية في واشنطن وكأنها تتحرك تحت سقف شبكة معقّدة من الحسابات الدولية والإقليمية. فالولايات المتحدة تسعى إلى تحقيق اختراق يكرّس دورها كراعٍ أساسي للاستقرار في المنطقة، فيما تراقب القوى الإقليمية المختلفة مسار المحادثات انطلاقاً من تأثير نتائجها على ملفات أخرى لا تقلّ حساسية.
لكن العقبة الأساسية لا تزال تكمن في غياب الثقة بين الطرفين. فالحرب التي امتدت لأشهر وما تزال، خلّفت واقعاً ميدانياً شديد التعقيد، ورسخت قناعة لدى كل طرف بأن تقديم تنازلات مبكرة قد يُفسَّر على أنه تراجع سياسي أو عسكري. ولذلك تبدو عملية بناء الثقة أكثر صعوبة من مجرد الاتفاق على وقف مؤقت للعمليات العسكرية.
ومع ذلك، فإنّ استمرار الاتصالات على مختلف المستويات يعكس إدراكاً عاماً بأن البديل عن التفاوض قد يكون أكثر كلفة وخطورة. فالتصعيد العسكري المفتوح يحمل مخاطر كبيرة على لبنان وإسرائيل معاً، كما يهدّد بإشعال جبهات إضافية في المنطقة في توقيت لا تبدو فيه القوى الدولية راغبة في مواجهة انفجار إقليمي واسع.
وعليه، فإنّ الأيّام المقبلة ستكون مخصصة على الأرجح لاختبار النيّات وتحديد المساحات المشتركة الممكن البناء عليها. أما الاتفاق النهائي، إن حصل، فسيحتاج إلى وقت أطول وإلى جهود سياسية مضنية تتجاوز حدود الجلسات التفاوضية المباشرة. فالمفاوضات التي تدور في واشنطن ليست سوى جزء من لوحة أكبر تتداخل فيها الحسابات العربية والإيرانية والأميركية والإسرائيلية، فيما تبقى عين التينة نقطة تقاطع أساسية بين هذه المسارات كافة.
وفي انتظار أن تنضج ظروف التسوية، يستمرّ السباق بين النار والدبلوماسية. وبينما تواصل المدافع رسم وقائعها على الأرض، تحاول السياسة رسم خريطة الطريق نحو وقف الحرب. غير أن النجاح في ذلك سيبقى رهناً بقدرة الأطراف المعنية على الانتقال من مرحلة إدارة الأزمة إلى مرحلة معالجة أسبابها العميقة، وهي مهمة تبدو حتى الآن أكثر تعقيداً من مجرد توقيع اتفاق لوقف إطلاق النار.



