
شكّل جبل لبنان، عبر تاريخه، عنوانًا عريضًا للحرية بأبعادها الاجتماعية والسياسية، بل والعقارية أيضًا. وخاض أبناؤه نضالات مذهلة، متمسّكين بحقهم في إدارة شؤونهم وصون أملاكهم ومشاعات قراهم، في مواجهة محاولات الإلحاق والمصادرة، سواء كانت من بعض الطامعين أم من قِبل السلطة المركزية.
منذ أيّام السلطنة العثمانية، تمتّع هذا الجبل العتيق بواقع فريد ومتميّز في محيطه المحلّي والإقليمي. فقد ترك الحكم العثماني لأهله حقّ إدارة شؤونهم وأموالهم وأراضيهم، التي تبلغ مساحتها حوالى ثلاثة آلاف كيلومتر مربّع، وتقع غالبيتها على سفوح “جبل لبنان القديم”، الممتدّ من قرنة الشهداء (القرنة السوداء)، شمالا حتى جزين جنوبًا. وظلّ ينعم بـ”ترتيب خاص”، مرورًا بالانتداب الفرنسي وصولا إلى الاستقلال. وتميّز في عهد الأمير فخر الدين الثاني (1572-1635) بتثبيت ملكية المشاعات العامة باسم أهالي القرى والبلدات، كأنّها أرض الشعب ووديعة الأجيال. ذلك الشعب الحيّ الذي لم يغفُ يومًا غفوة أهل الشرق، بل ظلّ واقفًا، عاملا بشغف في بيادر الحرية والاستقلال، ومنشئًا “لاهوت الأرض”. وهكذا غدا الأهالي أصحاب السلطان عليها، لا يتنازلون عنها لأيّ سلطة أخرى، حتى لو كانت الدولة التي ما كانت لتكون لولاهم ولولا تضحياتهم.
أمّا بقيّة المناطق، فاعتبرها السلطان ملحقة بالسلطنة، وصنّف أراضيها أميرية، أي تخصّ الحاكم. ومع المسح الفرنسي في الثلاثينيات، بقيت على حالها، ووُضعت المشاعات في الشمال والبقاع والجنوب والساحل تحت إمرة الدولة اللبنانية.



