
كتب الدكتور د.ميلاد السبعلي:
حضرت هذا الصباح في كفرحزير قداساً عن روح الرفيق نقولا نصير. وفي سياق الصلوات والدعوات من أجل الراقدين والسلام وحفظ البلاد والناس، استوقفتني دعوة الكاهن من أجل اتحاد الكنيسة.
دعوة مألوفة، وربما لهذا السبب تحديداً تستحق التوقف عندها.
فإذا كانت وحدة الكنيسة غاية حقيقية، تخطر مباشرة في الذهن مفارقة يصعب تجاوزها: مضى ما يقارب ألف عام على الانشقاق الكبير، وما قبله من انشقاقات، وما زالت الوحدة تُطلب في الصلوات، وتُعلن في المواقف، وتُعقد من أجلها اللقاءات، من دون أن تتحول إلى واقع.
ليس السؤال هنا دينياً، ولا هو تشكيك في قيمة الصلاة أو الطقس. فلكل جماعة رموزها وذاكرتها وطقوسها التي تحفظ استمراريتها. إنما السؤال أبعد من ذلك: ماذا يحدث للغايات الكبرى عندما يستمر إعلانها جيلاً بعد جيل، فيما تنفصل الممارسة الفعلية تدريجياً عن شروط تحقيقها؟
هل تبقى الغاية غاية؟
أم يحدث لها، مع الزمن، تحول أكثر عمقاً: تنتقل من مجال الإرادة إلى مجال الذاكرة، ومن مشروع لتغيير الواقع إلى جزء من اللغة التي نتعايش بها معه؟
هنا يصبح الطقس مفهوماً أوسع من الشعائر الدينية. فالطقس هو كل فعل يتكرر لأن الجماعة اعتادت تكراره، لا لأنه بالضرورة ما زال ينتج الغاية التي نشأ من أجلها.
وقد تكون هذه إحدى المفارقات الكبرى في حياة المؤسسات والأفكار: أن يولد الشعار في الأصل لتحريك الواقع، ثم ينتهي، بعد عقود أو قرون، أداة تساعدنا على قبول الواقع الذي عجزنا عن تغييره.
الوحدة مثال واضح.
فالانشقاق لا يعيش طويلاً لأنه أقوى فكرياً من الوحدة، ولا لأن المنقسمين يكرهونها بالضرورة. يعيش لأنه، مع مرور الزمن، يتوقف عن كونه حادثاً ويصبح بنية.
تنشأ حوله مؤسسات ومواقع وقيادات ومصالح وذاكرات وروايات متعارضة للتاريخ. يتربى كل جيل داخل منظومته الخاصة، ثم يأتي جيل لم يعرف أصلاً زمناً سبق الانقسام. وفي مرحلة معينة يصبح ما كان حالة استثنائية هو الوضع الطبيعي، فيما تتحول الوحدة التي كانت هي الأصل إلى فكرة مثالية يجري استحضارها في المناسبات.
عندها تصبح المسألة أكثر تعقيداً.
الجميع يستطيع أن يريد الوحدة ما دامت كلمة.
لكن الوحدة عندما تقترب من الواقع تبدأ بطرح أسئلة غير مريحة: من يتنازل؟ من يعيد النظر في موقعه؟ أي مؤسسة تندمج في الأخرى؟ ما المرجعية؟ ماذا نفعل بالمصالح التي نشأت في ظل الانقسام؟ من يعترف بأن روايته ليست الحقيقة الكاملة؟ ومن يقبل بأن الوحدة لا يمكن أن تعني أن ينضم الآخرون إليه ببساطة؟
هنا تحديداً يظهر الفرق بين الغاية الحية والغاية الطقسية.
الغاية الحية تقلق أصحابها. تفرض عليهم مراجعة الواقع وتسمية العوائق واتخاذ قرارات قد تكون مكلفة.
أما الغاية التي دخلت في الطقس، فهي أكثر راحة. نستطيع أن نكررها ونحيي مناسباتها ونكتبها في البيانات ونضعها في مقدمات الأنظمة، من دون أن يضطر أحد إلى تغيير شيء.
وهذا لا يخص الكنائس وحدها.
إنه يحدث في الدول والأحزاب والمؤسسات والحركات الفكرية.
نتحدث عن الإصلاح حتى تصبح كلمة الإصلاح جزءاً من النظام الذي يمنع الإصلاح.
نتحدث عن الدولة فيما نمارس السياسة بمنطق ما قبل الدولة.
نتحدث عن المؤسسات فيما تنتظم قراراتنا حول الأشخاص.
نتحدث عن النهضة فيما نكرر الأدوات الفكرية والتنظيمية نفسها التي أنتجت العجز.
ونتحدث عن الوحدة فيما تتصلب، تحت الشعار نفسه، مؤسسات الانقسام.
ليست المشكلة في الكلمات. فالأفكار تحتاج كلمات تحملها. المشكلة تبدأ عندما تؤدي الكلمة وظيفة نفسية بديلة من الفعل: نقول ما ينبغي أن نفعله، فينشأ لدينا وهم بأننا فعلنا جزءاً منه.
وهنا يصبح التكرار خطراً.
ليس لأن ما نقوله خطأ، بل لأن صدق الفكرة قد يخفي غياب الممارسة.
ولعل هذا ينطبق بصورة مباشرة على الأحزاب التي عرف تاريخها انشقاقات طويلة.
يبدأ الانشقاق عادة بوصفه أزمة عابرة. يؤكد الجميع أن الحزب واحد والعقيدة واحدة والرفقاء واحد، وأن الخلاف ظرفي مهما طال.
لكن الزمن ليس محايداً.
بعد سنوات يصبح لكل طرف قيادته وإدارته ومنابره وعلاقاته وموازنته وذاكرته السياسية. ثم تظهر أجيال حزبية لم تعش المؤسسة الواحدة قط، بل عرفت الآخر منذ البداية باعتباره «الشق الآخر».
ومع ذلك تبقى الوحدة حاضرة بقوة في الأدبيات والخطب والاحتفالات.
وهنا يصبح السؤال مشروعاً، وربما ضرورياً:
هل بقيت الوحدة مشروعاً فعلياً، أم أصبحت بدورها جزءاً من طقوس الانقسام؟
قد يصل الأمر إلى مفارقة غريبة: أن يصبح لكل شق احتفاله الخاص بالوحدة، وخطابه الخاص في ضرورة الوحدة، فيما يعمل طوال بقية السنة على تثبيت مؤسساته المنفصلة.
عندها لا يعود شعار الوحدة تحدياً للانقسام، بل يصبح، من حيث لا ندري، أحد عناصر استقراره.
فهو يسمح للجميع بالاحتفاظ بالصورة الأخلاقية الأصلية: نحن مع الوحدة، لكن الظروف لا تسمح. نحن نريدها، لكن الآخر يعطلها. نحن مستعدون، لكن التوقيت غير مناسب.
وهكذا تستطيع الانقسامات أن تعيش عقوداً فيما لا يتوقف أحد عن الدعوة إلى إنهائها.
لذلك ربما ينبغي تغيير السؤال.
بدلاً من أن نسأل جماعة أو حزباً أو مؤسسة: هل تريدون الوحدة؟ ــ وهو سؤال لا معنى كبيراً له لأن الجواب شبه محسوم ــ ينبغي أن نسأل:
ماذا أنتم مستعدون لتغييره من أجلها؟
ما المؤسسة التي أنشأتموها لتحقيقها؟
ما العقبة التي حددتموها؟
ما المبادرة التي اتخذتموها؟
ما التسوية التي تقبلون بها؟
وما المصلحة التي أنتم مستعدون للتخلي عنها إذا تعارضت مع الغاية التي تقولون إنكم تؤمنون بها؟
فالغايات لا تُقاس بحرارة الخطاب حولها، بل بقدرتها على إعادة تنظيم السلوك والمؤسسات والمصالح باتجاهها.
وإذا استمرت غاية ما عشرات السنين من دون أن تنتج آليات لتحقيقها، فمن المشروع أن نسأل إن كانت لا تزال غاية، أم أنها انتقلت إلى وظيفة أخرى داخل الجماعة.
قد تصبح جزءاً من هويتها.
قد تصبح تعبيراً عن حنينها.
قد تصبح وسيلة لإثبات وفائها لمبادئ المؤسسين.
وقد تصبح مجرد طقس.
وهذا التحول لا يحصل بقرار، ولا يحتاج إلى مؤامرة. يحدث ببطء، حين تبدأ الجماعة بالتكيف مع المسافة بين ما تقول وما تفعل، ثم تفقد تدريجياً شعورها بالتناقض بينهما.
وهنا تكمن الخطورة الحقيقية.
فالمؤسسة الحية لا تُقاس فقط بقدرتها على المحافظة على مبادئها، بل بقدرتها على أن تبقى تلك المبادئ قوة مولدة للفعل.
أما حين تتحول المبادئ إلى نصوص محفوظة، والغايات إلى عبارات احتفالية، والأسئلة الكبرى إلى إجابات جاهزة، فقد تستمر المؤسسة طويلاً، لكنها تكون قد انتقلت من صناعة المستقبل إلى إدارة الذاكرة.
ليس المطلوب إلغاء الطقوس. فالطقوس تحفظ المعنى حين تبقى متصلة به.
لكن ينبغي، من وقت إلى آخر، إخضاعها للسؤال الذي يمنعها من التحول إلى ديكور:
لماذا نردد هذا؟
وما الذي فعلناه لتحقيقه؟
وهل ما زلنا مستعدين لدفع ثمنه؟
ربما كانت دعوة بسيطة في قداس هذا الصباح كافية لاستحضار كل هذه الأسئلة.
من اتحاد الكنيسة إلى وحدة الأحزاب، ومن إصلاح الدولة إلى نهضة المجتمعات، الخطر واحد: أن نظل نردد الغاية حتى نعتاد غيابها.
وعندها لا تعود المشكلة أننا فشلنا في تحقيق ما أردناه.
المشكلة الأعمق أننا نواصل الاحتفال به، بعدما توقفنا عن محاولة تحقيقه.
وهكذا تنتقل الغاية، بهدوء، من الفعل إلى الطقوس.



