Uncategorized

حين تحمل المرأة البيت وحدها: ذنبٌ لا يشبه الحقيقة

بقلم ريم نورالدين الشعار

ثمة امرأة لا يراها أحد وهي تنهار.

يراها الناس أمّاً، وربما زوجة، وربما امرأة تعمل أو تدير منزلها، فيفترضون أنها قادرة على كل شيء. لكنهم لا يرون الساعات التي تمضيها وهي تنتقل من مسؤولية إلى أخرى، ولا يرون كيف تؤجل حاجاتها، وراحتها، وصداقاتها، وحتى أبسط رغباتها، لأن هناك دائماً ما هو «أهم».

هذه هي المرأة التي وجدت نفسها، بفعل ظروف الحياة والعمل والاغتراب، مسؤولة بصورة شبه كاملة عن المنزل والأطفال.

حين يغيب الرجل بسبب العمل

غياب الرجل بسبب العمل القاسي ليس بالضرورة غياباً عاطفياً. قد يكون أباً يحاول أن يؤمّن لقمة العيش، لكنه يقضي معظم يومه خارج المنزل، أو يعمل لساعات طويلة، أو يعيش بعيداً عن عائلته.

وفي المقابل، تتحول المرأة الموجودة في البيت إلى مركز كل شيء: الأطفال، المدرسة، الطعام، المرض، النوم، المواعيد، المشاكل الصغيرة والكبيرة، وحتى التفاصيل التي لا يلاحظها أحد.

ومع تراكم الأيام، لا يبقى الإرهاق جسدياً فقط؛ بل يتحول إلى ضغط نفسي مستمر، وإلى شعور بأن عليها أن تكون موجودة دائماً، وأن تتعامل مع كل طارئ، وأن تؤمّن الاستقرار للجميع، حتى في الأيام التي تكون هي نفسها بحاجة إلى من يسندها.

عندما يتحول التعب إلى شعور بالذنب

مع الوقت، تبدأ المرأة بمحاسبة نفسها على أشياء ليست كلها بيدها.

تشعر أنها لا تمنح أطفالها ما يكفي من الحياة الاجتماعية. لا تزور الأقارب كما يجب، ولا تخرج كثيراً، ولا تستطيع دائماً أن تؤمّن لهم الأنشطة والرحلات واللقاءات التي يحتاجون إليها.

وإذا كانت تعيش في الغربة، يصبح الأمر أكثر تعقيداً.

فالأطفال بعيدون عن الجد والجدة، وعن أبناء العم والخال، وعن تلك الشبكة العائلية التي كانت تجعل الطفولة أكثر دفئاً وأقل وحدة. وتشعر الأم أنها مطالبة بأن تعوّضهم عن كل هذا، وكأن عليها وحدها أن تصنع لهم حياة اجتماعية متكاملة، إلى جانب كل مسؤولياتها الأخرى.

وهنا يأتي السؤال الذي يؤلمها أكثر من أي شيء:

هل أنا مقصّرة؟

لكن ربما السؤال الحقيقي يجب أن يكون:

كم تستطيع امرأة واحدة أن تحمل، قبل أن يطلب منها الجميع المزيد؟

«لماذا لم تزورينا؟»

المجتمع أحياناً يطلب من الأم أن تكون أماً وزوجة وموظفة ومديرة منزل، وأن تحافظ في الوقت نفسه على علاقاتها الاجتماعية، وتزور أهلها، وتسأل عن أقاربها، وتشارك في المناسبات، وتكون حاضرة في أفراح الآخرين وأحزانهم.

وحين لا تفعل، يبدأ العتاب:

«لماذا لم تزورينا؟»

«لماذا لم تسألي؟»

«لقد تغيّرتِ.»

«أصبح أولادك كل حياتك.»

كأن أحداً لا يريد أن يفهم أن بعض الأمهات لا يجدن حتى ساعة واحدة لأنفسهن.

قد تمر أسابيع من دون أن تجلس بهدوء لتشرب قهوتها. وقد تؤجل موعداً طبياً، أو زيارة لصديقة، أو حتى ساعات النوم، لأن هناك طفلاً يحتاجها، أو بيتاً ينتظرها، أو مسؤولية لا يمكن تأجيلها.

وقد ينتهي يومها من دون أن تتحدث مع شخص بالغ عن شيء لا يتعلق بالأطفال أو المنزل.

ثم يأتي من يلومها لأنها لم تتصل به.

لكن من يسأل: متى ترتاح هذه المرأة؟

ليس كل غياب إهمالاً

العتب سهل عندما لا نعرف تفاصيل حياة الآخر.

ربما لم تتصل لأنها كانت طوال اليوم تركض بين احتياجات أطفالها.

وربما لم تزُر لأنها لم تكن تملك طاقة الزيارة، لا لأنها لا تحب من لم تزره.

وربما تأخرت في الرد لأنها كانت منهكة، لا لأنها أصبحت باردة أو متكبرة.

هناك فرق كبير بين الإهمال والعجز عن توزيع الوقت والطاقة، وهذا الفرق يجب أن نفهمه قبل أن نحاكم أحداً.

فليس كل غياب عن زيارة جفاءً، وليس كل تأخر في الاتصال إهمالاً، وليس كل اعتذار عن مناسبة دليلاً على تغير المشاعر.

أحياناً تكون المرأة فقط… مستنزفة.

الغربة تجعل الحمل أثقل

المرأة التي تعيش في الغربة لا تحمل بيتها فقط، بل تحمل أيضاً شعوراً دائماً بأنها مطالبة بأن تكون حلقة الوصل بين أطفالها وبين عائلة بعيدة.

تحاول أن تعوّضهم عن غياب الأقارب، وأن تحافظ على صلاتها هي أيضاً، وأن تشرح لهم من هؤلاء الذين يظهرون على شاشة الهاتف في المناسبات، ولماذا لا يستطيعون رؤيتهم كل أسبوع.

تحاول أن تحفظ للأولاد شيئاً من دفء العائلة، رغم المسافات.

ثم تعود إلى يومها العادي، لتكتشف أنها لم تجد وقتاً حتى لتسأل نفسها:

ماذا أريد أنا؟

وهنا تكمن المأساة الحقيقية.

أن تتحول المرأة إلى شخص يعتني بالجميع، ثم يشعر بالذنب لأنه لم يعتنِ بالجميع بما يكفي.

الأم ليست مطالبة بأن تكون كل شيء

نحن بحاجة إلى أن نخفف عن الأمهات قليلاً.

الأطفال لا يحتاجون إلى أم منهكة تحاول أن تصنع لهم حياة مثالية. يحتاجون إلى أم تشعر بالأمان، وتمنحهم الأمان.

قد لا يستطيعون زيارة الأقارب باستمرار، وقد لا يعيشون طفولة تشبه طفولة أمهم، وقد تفوتهم بعض النشاطات والرحلات. لكنهم يستطيعون أن يكبروا وهم يعرفون أنهم محبوبون، وأن أمهم كانت موجودة عندما احتاجوا إليها.

وهذا، في كثير من الأحيان، أهم بكثير من صورة الطفولة المثالية التي نحاول فرضها عليهم.

العلاقات مسؤولية مشتركة

أما العلاقات العائلية والاجتماعية، فهي مسؤولية مشتركة، وليست مهمة الأم وحدها.

إذا اشتقنا إليها، فلنسأل عنها نحن أيضاً.

إذا افتقدنا أطفالها، فلنقترب منهم.

إذا عرفنا أنها متعبة، فلنذهب إليها بدلاً من أن ننتظر منها أن تأتي.

وإذا غابت، فلنسأل أولاً:

ماذا تحمل؟

قبل أن نسأل:

لماذا غابت؟

فالعائلة لا ينبغي أن تكون امتحاناً للأم، ولا أن تتحول الزيارة والاتصال إلى واجب إضافي يثقل امرأة تحاول أصلاً أن تبقي بيتها واقفاً.

لا تضيفوا إلى تعبها ذنباً جديداً

ربما أجمل ما يمكن أن نقدمه لامرأة تحمل بيتاً وأطفالاً في غياب الرجل هو ألا نضيف إلى كتفيها حملاً جديداً اسمه «الشعور بالذنب».

هي تعرف ما ينقصها.

وتعرف كم من الأشياء تتمنى أن تفعلها ولا تستطيع.

وتعرف أنها أحياناً تقصّر.

لكنها، في أغلب الأيام، لا تقصّر لأنها لا تهتم، بل لأنها إنسانة ذات طاقة محدودة، بينما المطلوب منها بلا حدود.

ولهذا، في المرة القادمة التي لا تجيب فيها أم على اتصال، أو تعتذر عن زيارة، أو تختفي لبعض الوقت عن المناسبات، لا تسارعوا إلى القول: «تغيّرت».

ربما هي فقط تحاول أن تلتقط أنفاسها.

وربما تحتاج، للمرة الأولى منذ وقت طويل، إلى من يسألها هي أيضاً:

«هل أنتِ بخير؟ وكيف حالك أنتِ، بعيداً عن الأولاد والبيت وكل شيء آخر؟»

فبعض النساء لا يحتجن إلى من يحاسبهن على ما لم يفعلن.

يحتجن فقط إلى من يرى ما يفعلنه كل يوم، ولا يراه أحد.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى