Nouvelles Locales

أقساط المدارس وأجور النقل… حين تتحول التربية إلى معركة يومية

ريم نورالدين الشعار

لم يعد تأمين التعليم للأبناء في لبنان مجرد مسؤولية تربوية تقع على عاتق الأسرة، بل تحوّل إلى معركة مالية ونفسية يومية تخوضها الأمهات والآباء بصمت، وسط ارتفاع متواصل في الأقساط المدرسية وأجور النقل، وفي ظل غياب واضح لأي دور فعلي للدولة في حماية حق الطفل في التعليم.

كل عام دراسي يبدأ بالسؤال نفسه: من أين سندفع؟

قسط المدرسة وحده بات كفيلاً بإرباك ميزانية الأسرة لأشهر طويلة، فكيف إذا أضيفت إليه رسوم التسجيل، والكتب، والقرطاسية، والزي المدرسي، والأنشطة، ثم أجرة النقل التي أصبحت بنداً أساسياً لا يمكن إلغاؤه بالنسبة إلى كثير من العائلات؟

المشكلة أن هذه الأعباء لا تأتي منفردة. إنها تتراكم فوق بعضها، حتى يصبح راتب الأسرة موزعاً بين المدرسة والبيت والطعام والدواء والفواتير، ولا يبقى للوالدين إلا محاولة سدّ العجز من هنا وهناك.

والأكثر قسوة أن الأسرة تُترك وحدها في مواجهة هذه المعادلة.

أين الدولة من كل ذلك؟

أين السياسات التي تجعل التعليم حقاً لا امتيازاً؟ أين الرقابة الفعلية على الأقساط؟ أين النقل المدرسي الآمن والميسّر؟ وأين الخطط التي تراعي قدرة العائلات التي أنهكتها الأزمة الاقتصادية؟

لا يمكن أن يبقى التعليم ملفاً يُترك للمدارس من جهة، ولقدرة الأهل على الدفع من جهة أخرى، بينما تقف الدولة متفرجة.

فالطفل الذي يذهب إلى المدرسة لا يحمل معه قدرة والديه المالية، ولا ذنب له في انهيار الاقتصاد أو تراجع قيمة الرواتب. ومع ذلك، أصبح مستقبله مرتبطاً بشكل مباشر بقدرة أسرته على تأمين الدولار المطلوب في كل محطة.

والأخطر أن بعض الأسر بدأت تضطر إلى التنازل عن أشياء أساسية حتى لا تحرم أبناءها من المدرسة. أمّ تؤجل حاجاتها، أب يعمل ساعات إضافية، عائلة تستدين، وأخرى تبيع ما تملك… فقط كي يبقى ابنها على مقعده الدراسي.

أما أجور النقل، فحدّث ولا حرج.

في مناطق كثيرة، أصبح النقل المدرسي عبئاً يكاد يوازي جزءاً كبيراً من القسط، خصوصاً للعائلات التي لديها أكثر من طفل. وهنا تظهر المفارقة المؤلمة: قد تستطيع الأسرة تأمين القسط بصعوبة، لكنها تجد نفسها عاجزة أمام كلفة الوصول إلى المدرسة.

فهل أصبح التعليم في لبنان امتيازاً لمن يستطيع الدفع؟

إذا كان الجواب نعم، فنحن لا نتحدث فقط عن أزمة اقتصادية، بل عن أزمة عدالة اجتماعية ومستقبل بلد بأكمله.

الدولة التي تعجز عن حماية حق الطفل في التعليم، تعجز عملياً عن حماية مستقبلها.

ولا يكفي أن يُطلب من الأهل الصمود كل مرة. صمدوا أمام الغلاء، وانقطاع الكهرباء، وارتفاع أسعار الغذاء، وتراجع الرواتب، وتكاليف الطبابة، ثم جاءت المدارس لتضيف فاتورة جديدة إلى قائمة لا تنتهي.

لكن إلى متى؟

إلى متى ستبقى الأسرة هي الضمان الاجتماعي والتربوي والاقتصادي والصحي في آن واحد؟

ليس المطلوب أن يكون التعليم مجانياً بالضرورة، بل أن يكون عادلاً، منظماً، قابلاً للتحمل، وخاضعاً لرقابة الدولة.

المطلوب أن يشعر الأهل أن هناك دولة تقف إلى جانبهم، لا أن يواجهوا كل موسم دراسي وحدهم، يحملون همّ الأقساط والنقل والكتب والمصاريف، ويحسبون كل دولار قبل أن يقرروا إن كان بإمكانهم تسجيل أبنائهم أم لا.

التعليم ليس سلعة موسمية.

والطفل ليس رقماً في جدول الأقساط.

والأم التي تقف كل ليلة أمام دفتر حساباتها لتعرف من أين ستؤمّن قسط المدرسة ليست مطالبة بأن تكون بطلة خارقة.

هي فقط أم تريد أن تمنح طفلها حقاً يفترض أن يكون مضموناً: أن يتعلم، وأن يحلم، وأن يكون له مستقبل.

أما الدولة، فلا يجوز أن تكتفي بمراقبة المشهد من بعيد.

لأن الدولة التي تغيب عن كلفة التعليم اليوم، ستدفع غداً كلفة الجهل والتسرب والهجرة وانهيار الطبقة الوسطى أضعافاً مضاعفة.

التعليم ليس عبئاً على الدولة… بل استثمارها الأخير في أبنائها.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى