Exclusif

الجنوب يشتعل… من يدفع ثمن التصعيد؟

ريم نورالدين الشعار

صباحٌ آخر في الجنوب… لكنه ليس صباحًا عاديًا.

صباح يبدأ على وقع الغارات، وتستيقظ فيه العائلات على أصوات الانفجارات بدل أصوات الحياة. بيوتٌ كانت بالأمس مأوى لعائلات، وأرزاقٌ بُنيت بتعب سنوات، تتحول خلال ساعات إلى ركام، فيما يبقى السؤال الأصعب معلّقًا فوق كل بيت: ماذا بعد؟

في كفررمان، ارتفعت حصيلة الغارات إلى 9 شهداء و5 جرحى، في مشهد مؤلم يضاف إلى سلسلة طويلة من المشاهد التي يعيشها الجنوب تحت وطأة التصعيد.

ومن أين يأتي الإنسان بالنَّفَس ليعيش حياته طبيعيًا، وهو لا يعرف ماذا ينتظره في الصباح التالي؟

كيف تذهب الأم إلى نومها وهي تخشى أن تستيقظ على خبر لا تحتمل سماعه؟

كيف يخطط الأب لمستقبل أولاده، فيما قد يتحول البيت ومصدر الرزق في لحظة إلى أنقاض؟

المشكلة اليوم لم تعد في غارة هنا أو قصف هناك، بل في المسار الذي يتجه إليه التصعيد.

إسرائيل تضرب، وحزب الله يرد، ثم تأتي ضربة جديدة، فيأتي رد جديد… وهكذا تتسع دائرة النار، بينما يبقى المدنيون في قلبها، يدفعون ثمنًا لا يملكون قرار بدايته ولا يملكون القدرة على التحكم بنهايته.

وهنا السؤال الذي لا يمكن الهروب منه:

إلى أين يمكن أن يصل بنا هذا المسار إذا استمر؟

إذا كان الرد على الغارات حقًا أو خيارًا يراه حزب الله ضروريًا، فماذا يأتي بعد الرد؟

هل تنتهي المواجهة عند حدود معينة؟

أم أن كل ضربة ستفتح الباب أمام ضربة أكبر، وكل رد سيصبح مبررًا لرد آخر، إلى أن نجد أنفسنا أمام حرب واسعة لا يستطيع أحد أن يضمن حدودها أو نتائجها؟

وفي المقابل، هل تستطيع إسرائيل الاستمرار في استهداف الجنوب، وكأن التصعيد يمكن أن يبقى بلا ثمن أو تداعيات؟

وبين الحسابات العسكرية والسياسية، هناك إنسان لبناني يريد شيئًا يبدو اليوم بسيطًا، لكنه أصبح أشبه بالحلم:

أن يعيش.

أم تريد أن تطمئن على أطفالها.

أب يريد أن يحافظ على مصدر رزقه.

عائلة تريد أن تبقى في منزلها.

وشاب يريد أن يبني مستقبله بدل أن يقضي عمره في انتظار حرب جديدة.

هؤلاء ليسوا أرقامًا في بيانات عسكرية، ولا تفاصيل هامشية في نشرات الأخبار.

هؤلاء هم الجنوب.

فالجنوب ليس مجرد مساحة جغرافية، وليس ورقة تفاوض، ولا ساحة لتبادل الرسائل بالنار.

الجنوب بيوت وحقول وذكريات ومدارس وأرزاق، وأمهات ينتظرن أبناءهن، وأطفال لا يفهمون لماذا أصبح صوت الطائرة جزءًا من يومهم.

قد يختلف اللبنانيون حول السلاح، وحول المقاومة، وحول حق الرد وحدوده، وحول مسؤولية كل طرف.

لكن هناك مساحة يفترض ألا يختلفوا عليها:

لا أحد يريد أن يرى منزله ركامًا.
لا أحد يريد أن يحمل نعش طفل.
ولا أحد يريد أن يبدأ حياته من الصفر مرة أخرى.

ولهذا، فإن السؤال الحقيقي اليوم ليس فقط:

من سيرد؟

بل السؤال الأهم:

من سيوقف هذه الدائرة قبل أن تخرج عن السيطرة؟

لأن الحرب قد تبدأ بقرار، لكنها لا تنتهي دائمًا وفق القرار نفسه.

قد يملك طرف قرار إطلاق النار، وقد يملك طرف آخر قرار الرد، لكن عندما تتسع النار، يصبح المدني هو من يدفع الفاتورة الأكبر، بينما تبقى القرارات في أيدي من يملكون القدرة على الابتعاد عن الركام.

لبنان الذي أنهكته الأزمات لا يحتمل حربًا مفتوحة.

والجنوب الذي دفع أثمانًا باهظة لا يحتمل أن يتحول مرة أخرى إلى ساحة مفتوحة لتصفية الحسابات وتبادل الرسائل.

نحن لا نتحدث هنا عن موقف سياسي مع هذا الطرف أو ذاك، ولا عن انتصار طرف أو هزيمة آخر.

نتحدث عن حق الناس في الحياة.

عن طفل يريد أن يذهب إلى مدرسته دون خوف.

عن أم تريد أن تنام دون أن تضع هاتفها إلى جانبها بانتظار خبر سيئ.

عن أب يريد أن يعود إلى منزله فيجد بيته كما تركه.

وعن وطنٍ يحتاج، قبل أي شيء، إلى أن يتوقف عن دفع أبنائه إلى سؤال واحد يتكرر كل مرة:

لماذا ندفع نحن ثمن قرارات لا نملكها؟

قد يختلف اللبنانيون في السياسة، لكن لا ينبغي أن يختلفوا على أن الدم اللبناني ليس تفصيلًا في أي معادلة.

والجنوب ليس مساحة يمكن اختبار حدود النار فيها إلى ما لا نهاية.

لأن كل صاروخ له مسار… لكن كل بيت يُدمَّر خلفه له حكاية.

وفي نهاية كل تصعيد، قد تنتهي البيانات، وقد تتوقف الطائرات لبعض الوقت، وقد يعلن كل طرف أنه حقق ما يريد.

لكن من يعيد إلى أم طفلها؟

ومن يعيد إلى عائلة بيتها؟

ومن يعيد سنوات العمل التي تحولت إلى ركام؟

الحرب لا تقاس فقط بعدد الضربات التي وُجّهت، بل بعدد الحياة التي انكسرت خلفها.

ولهذا، فإن الجنوب لا يحتاج صباحًا جديدًا من النار.

يحتاج صباحًا لا يبدأ بخبر غارة.

صباحًا لا يفتح فيه الناس هواتفهم بحثًا عن أسماء الشهداء.

صباحًا لا تسأل فيه الأم: هل عاد أولادي؟

يحتاج الجنوب إلى صباحٍ يستطيع فيه أهله أن يستيقظوا… لا ليتأكدوا من أنهم نجوا، بل ليعيشوا.

فمن حق الجنوب أن يكون أرضًا للحياة، لا ساحة دائمة للحرب.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى