
كتبت سفيرة السلام والإنسانية الاعلامية د. علا القنطار
حين يدفع الطالب ثمن أزمة لم يصنعها: عام دراسي جديد في لبنان… وحقوق معلّقة ومستقبل ينتظر قرارًا
مع انطلاق العام الدراسي 2026-2027، يفترض أن تكون المدارس قد استعادت انتظامها، وأن يكون التلامذة قد عادوا إلى مقاعدهم حاملين أحلام عام جديد. لكن المشهد في لبنان لا يزال مختلفا، فثمة تلامذة لم يُحسم بعد مصيرهم الدراسي، ولا يزالون ينتظرون حلًّا يضمن لهم حقهم في متابعة تعليمهم.
تلامذة الصفوف الانتقالية وطلاب الطلبات الحرة وطلاب المناهج الأجنبية، ليسوا مجرد فئات في ملف إداري. خلف كل اسم طالب قصة عائلة، وخلف كل سنة دراسية مستقبل إنسان.
لقد مرّ هؤلاء خلال الفترة السابقة بظروف استثنائية فرضتها الحرب والنزوح وتعطّل التعليم الحضوري. مدارس أُُغلقت أو تحولت إلى مراكز إيواء، وتلامذة اضطروا إلى متابعة دروسهم عن بُعد، في بيئات لم تكن متساوية من حيث القدرة التقنية أو الظروف النفسية والاجتماعية. ومع ذلك، يجد بعض هؤلاء التلامذة أنفسهم اليوم أمام تبعات أكاديمية قد تمتد آثارها إلى سنوات مقبلة.
وهنا السؤال الذي لا يجوز أن يبقى بلا جواب: هل يجوز أن يتحمل الطفل نتيجة أزمة لم يكن شريكاً في صنعها؟
إن مبدأ العدالة التربوية لا يعني تطبيق القرار نفسه على الجميع فحسب، بل يعني أيضاً مراعاة اختلاف الظروف التي مرّ بها المتعلمون، وضمان تكافؤ الفرص بينهم.
فالامتحان الذي يجري في ظروف استثنائية يحتاج إلى قراءة استثنائية. وإذا كانت البيئة التعليمية غير متكافئة، فإن النتائج لا يمكن التعامل معها وكأن الظروف كانت متطابقة بين جميع التلامذة. لكن ما يزيد المشهد تعقيدًا هو التفاوت في الفرص المتاحة.
فبينما استفاد تلامذة من مدارس خاصة من إمكانية متابعة مسارهم الدراسي، وجد تلامذة في التعليم الرسمي أنفسهم أمام واقع مختلف، رغم أن الجميع واجه تداعيات الأزمة نفسها. والمسألة لم تعد مجرد انتقال من صف إلى صف، بل باتت بحثًا عن المساواة في الحق بالتعليم.
إن الدولة التي تنادي بتعزيز التعليم الرسمي مطالَبة بأن تكون أول من يحمي تلامذته من أي تمييز أو تفاوت في الفرص.
أما الأهالي الذين اختار بعضهم عدم تسجيل أبنائهم احتجاجًا على ما يعتبرونه قرارًا غير منصف، فيجب أن تُقرأ خطوتهم في سياق أوسع؛ إنها رسالة اعتراض على معالجة يرون أنها لا تأخذ ظروف أبنائهم بعين الاعتبار.
والأسوأ أن يتحول هذا الاعتراض إلى مواجهة مفتوحة بين الأهل والمؤسسات التربوية، فيما يبقى التلميذ هو الطرف الأكثر تضررًا.
لذلك، فإن مسؤولية الحل لا تقع على الأهالي وحدهم، ولا يمكن اختزالها في قرار إداري. المسؤولية اليوم تشريعية وتربوية ووطنية.
ومع طرح مشاريع قوانين لمعالجة أوضاع الفئات المتضررة، يصبح مجلس النواب أمام استحقاق يتجاوز الحسابات السياسية الضيقة: حماية حق التلامذة في متابعة تعليمهم، ووضع معالجة قانونية واضحة لا تتركهم رهائن الانتظار.
في المقابل، تقع على وزارة التربية مسؤولية إيجاد معالجة تربوية عادلة، وعدم الاكتفاء ببدء عام دراسي جديد فيما لا تزال ملفات بعض التلامذة عالقة.
فنجاح العام الدراسي لا يُقاس بعدد المدارس التي فتحت أبوابها، بل بعدد التلامذة الذين تمكنوا فعلًا من دخولها. فلا يمكن الحديث عن إصلاح تربوي حقيقي فيما يبقى مستقبل بعض الأطفال معلّقا.
لقد حان الوقت للانتقال من منطق إدارة الأزمة إلى منطق حماية المتعلم. لا نريد امتيازات لأحد، ولا نطالب بتجاوز القانون، ولا نريد نجاحًا بلا استحقاق. نريد فقط أن تُطبَّق العدالة التربوية في ظروف استثنائية، وأن يحصل كل تلميذ على فرصة حقيقية لمتابعة مساره الدراسي. فالطفل لا ينبغي أن يكون الطرف الذي يدفع ثمن الحرب، والنزوح، وتعطّل المؤسسات، واختلاف القرارات.
وإذا كانت الدولة تريد فعلًا استعادة الثقة بالتعليم وبمؤسساتها، فلتبدأ من هنا:
لا تتركوا تلميذًا خارج الصف لأنه وُلد في زمن الأزمة.


