Exclusif

السويداء… من عقدة صراع إلى بوابة ممرات التجارة؟

ريم نورالدين الشعار

في خضم الصراعات المتلاحقة التي تعصف بالمنطقة، قد يكون من الخطأ النظر إلى الجنوب السوري، ولا سيما السويداء، باعتباره مجرد ساحة أمنية أو نقطة خلاف سياسي. فالجغرافيا أحيانًا تفرض نفسها على السياسة، وحين تجتمع الجغرافيا مع المصالح الاقتصادية تصبح بعض المناطق أكبر من حدودها الإدارية.

من هنا يبرز سؤال يستحق التوقف عنده: هل يمكن أن تتحول السويداء، أو الجنوب السوري عمومًا، في مرحلة ما بعد الحرب، إلى جزء من ممر تجاري إقليمي جديد يربط الخليج بالعراق والأردن وسوريا، وربما يفتح في مراحل لاحقة خطوط تواصل اقتصادي باتجاه المتوسط وإسرائيل؟

لا توجد اليوم خريطة معلنة ومكتملة لمثل هذا الممر، ولا يصح التعامل مع سيناريو «السويداء–النقب» كأنه مشروع قائم. لكن التطورات الاقتصادية والإقليمية الأخيرة تجعل فكرة الممرات البرية البديلة أكثر واقعية من أي وقت مضى.

فالحرب واضطراب الممرات البحرية أعادا طرح سؤال قديم: كيف يمكن لدول المنطقة أن تقلل اعتمادها على نقاط الاختناق البحرية، وأن تخلق طرقًا برية بديلة لنقل البضائع والطاقة؟

وهنا تدخل سوريا إلى المشهد بقوة.

سوريا تقع جغرافيًا بين تركيا والعراق والأردن والبحر المتوسط، وهذا الموقع جعلها تاريخيًا نقطة عبور بين المشرق والخليج والبحر المتوسط. وفي عام 2026، بدأت دمشق بالفعل العمل على إعادة تأهيل طرق دولية، بينها طريق M45 الذي يمتد من الحدود التركية عبر حلب وحمص ودمشق وصولًا إلى نصيب، ثم الأردن والسعودية. كما طُرحت مقترحات لربط الموانئ السورية بدول الخليج عبر العراق، بالتوازي مع تطوير ممر شمالي–جنوبي يربط سوريا والأردن وصولًا إلى شبكة النقل السعودية.

وهذا يعني أن فكرة سوريا كممر تجاري إقليمي لم تعد مجرد فرضية نظرية.

لكن ماذا عن السويداء تحديدًا؟

هنا تكمن حساسية الموقع.

السويداء تقع في جنوب سوريا، بالقرب من الحدود الأردنية، وعلى مقربة من مساحات جغرافية تتداخل فيها المصالح السورية والأردنية والإسرائيلية، فيما بقي معظم المحافظة تحت نفوذ قوى محلية درزية بعد أحداث 2025، مع استمرار الخلاف حول شكل علاقتها بالدولة السورية.

ولهذا فإن أهمية السويداء لا تأتي فقط من موقعها المحلي، بل من موقعها داخل مثلث جغرافي أوسع: سوريا، الأردن، وإسرائيل، مع امتدادات باتجاه العراق والخليج.

وقد يكون هذا أحد أسباب حساسية المنطقة: ليس لأن هناك بالضرورة «ممرًا سريًا» جاهزًا، وإنما لأن أي إعادة رسم للممرات التجارية في المشرق ستجعل السيطرة على الاستقرار والأمن والطرق والحدود أكثر أهمية.

فالممر التجاري لا يحتاج فقط إلى طريق معبّد.

إنه يحتاج إلى أمن، حدود مستقرة، جمارك، مناطق حرة، بنى تحتية، استثمارات، وموانئ مرتبطة بشبكة واحدة.

ومن هنا يمكن فهم الاهتمام المتزايد بالجنوب السوري.

إذا نجحت سوريا والأردن في تثبيت الحدود وفتح الطرق، وإذا تطورت العلاقات الاقتصادية مع الخليج، فقد يصبح الجنوب السوري جزءًا من شبكة برية واسعة تمتد من الخليج إلى الأردن وسوريا، وربما تصل لاحقًا إلى أسواق المتوسط.

وفي المقابل، فإن أي استقرار أمني طويل الأمد بين سوريا وإسرائيل قد يفتح، نظريًا، الباب أمام ترتيبات اقتصادية أوسع في المنطقة، حتى لو بقي ذلك بعيدًا عن الواقع السياسي الحالي.

وهنا تحديدًا يمكن أن تظهر السويداء كـ منطقة ذات قيمة لوجستية واستثمارية، لا لأنها تملك وحدها طريقًا سحريًا إلى الخليج أو النقب، بل لأنها تقع بالقرب من عقد جغرافية يمكن أن تصبح أكثر أهمية إذا أعيد تنظيم طرق التجارة في المشرق.

من الصراع على الأرض إلى الصراع على الممرات

في الماضي كان الصراع في المنطقة يدور غالبًا حول الأرض والحدود والموارد.

أما اليوم، فأصبح هناك صراع آخر لا يقل أهمية: من يملك القدرة على التحكم في طرق انتقال البضائع والطاقة والاتصالات؟

فالطريق الذي يربط الخليج بالعراق وسوريا والأردن لا يعني مجرد شاحنات تعبر الحدود.

إنه يعني مستودعات، مناطق صناعية، مراكز لوجستية، شركات نقل، مصارف، تأمين، خدمات، وربما لاحقًا خطوط سكك حديدية وأنابيب للطاقة.

ولهذا، فإن قيمة أي منطقة تقع بالقرب من هذه الشبكات قد ترتفع بصورة كبيرة.

ومن هنا يمكن النظر إلى السويداء ليس فقط كمنطقة حدودية، بل كجزء محتمل من اقتصاد ممرات إذا نجحت المنطقة في الانتقال من مرحلة الصراع إلى مرحلة الاستقرار.

لكن هناك شرطًا أساسيًا: الاستثمار لا يحب المناطق الرمادية أمنيًا وسياسيًا.

لا يمكن أن تتحول السويداء إلى مركز اقتصادي إقليمي طالما بقي وضعها الأمني والسياسي غير محسوم، وطالما بقي الجنوب السوري مساحة مفتوحة للتدخلات والصراعات.

ولهذا فإن مستقبل السويداء قد لا يتحدد فقط بما يحدث داخل المحافظة، بل بما يحدث حولها أيضًا.

هل تتجه دمشق إلى صيغة مستقرة مع الجنوب؟

هل يتم تثبيت الحدود مع الأردن؟

هل تتوصل سوريا وإسرائيل إلى ترتيبات أمنية طويلة الأمد؟

هل تستمر دول الخليج في الاستثمار في البنية التحتية السورية؟

وهل يتحول العراق وسوريا والأردن إلى جزء من شبكة نقل واحدة؟

هذه الأسئلة قد تكون أهم من السؤال التقليدي: «من يسيطر على السويداء؟»

هل يمكن أن تصبح السويداء منطقة دولية؟

التعبير يحتاج إلى حذر.

من السابق لأوانه الحديث عن «منطقة دولية» بالمعنى القانوني أو السياسي. لا توجد اليوم مؤشرات كافية على إنشاء منطقة دولية في السويداء.

لكن يمكن تصور شيء مختلف: منطقة ذات أهمية دولية وإقليمية بسبب موقعها الاقتصادي والأمني.

وهذا فرق كبير.

قد تبقى السويداء جزءًا من سوريا، بينما تصبح طرقها وموقعها ومناطقها الصناعية أو اللوجستية محل اهتمام مستثمرين ودول وشركات إقليمية.

وهذا ليس أمرًا غريبًا في عالم الاقتصاد الحديث؛ فالمناطق التي تقع على تقاطع طرق التجارة قد تصبح أهم اقتصاديًا من حجمها الجغرافي أو السكاني.

لكن نجاح هذا السيناريو يتطلب أولًا أن تصبح المنطقة مستقرة، وأن تكون حركة التجارة محكومة باتفاقات واضحة، وأن تكون الاستثمارات قائمة على مصالح اقتصادية حقيقية، لا على النفوذ السياسي وحده.

الجنوب السوري أمام احتمالين

الجنوب السوري يمكن أن يبقى ساحة لتنافس القوى.

ويمكن، في المقابل، أن يتحول تدريجيًا إلى مساحة للتعاون.

الفارق بين الاحتمالين هو الاستقرار السياسي والأمني.

فإذا بقي الجنوب منطقة نفوذ متنازع عليها، فإن أهميته الجغرافية ستتحول إلى عبء على سكانه.

أما إذا نجحت القوى المحلية والدولة السورية والأردن وسائر الأطراف المعنية في الوصول إلى ترتيبات تحفظ الأمن والسيادة وتفتح الحدود أمام التجارة، فقد تتحول الجغرافيا نفسها إلى فرصة.

وفي هذه الحالة، قد لا تكون السويداء «جائزة» لأي طرف.

بل قد تكون حلقة في شبكة أكبر.

شبكة تمتد من الخليج إلى العراق، ومن العراق إلى سوريا، ومن سوريا إلى الأردن والبحر المتوسط، وربما تتقاطع مستقبلًا مع شبكات اقتصادية أخرى في المنطقة.

وهنا تكمن المفارقة.

المنطقة التي تبدو اليوم حساسة لأنها تقع في قلب صراع النفوذ، قد تصبح غدًا حساسة لسبب مختلف تمامًا:

لأنها تقع في قلب طرق التجارة.

وفي الشرق الأوسط الجديد، قد لا تكون المعركة الكبرى على من يملك الأرض فقط، بل على من يملك الطريق الذي يمر فوقها.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى