Nouvelles Locales

من شاشة أنهكها الزمن إلى منبر يستعيد وهجه… إليسار نداف ومهمة إنقاذ تلفزيون لبنان

بقلم سعد الياس:
في تاريخ تلفزيون لبنان، محطات كثيرة ارتبطت بأسماء تركت بصماتها في الإعلام والثقافة والوطن. واليوم، تسجّل المؤسسة محطة مختلفة مع وجود إليسار نداف على رأسها، كأول امرأة متخصصة تتولى قيادة تلفزيون لبنان، حاملةً معها رصيداً أكاديمياً ومهنياً وإدارياً يمتد من الإعلام إلى الإدارة العامة والعلاقات الدولية.
اليسار نداف ليست غريبة عن عالم الإعلام. فخبرتها الطويلة في وزارة الاعلام ولاسيما في القسم الفرنسي في اذاعة لبنان والوكالة الوطنية للاعلام، وتجربتها كمستشارة لعدد من وزراء الإعلام، أتاحت لها أن تبني شبكة واسعة من العلاقات مع الإعلاميين والمؤسسات الثقافية والجامعات والسفارات والمنظمات الدولية. واليوم تحاول أن توظف هذه العلاقات لمصلحة تلفزيون لبنان، لا باعتبارها رصيداً شخصياً، بل جسراً يمكن أن تعبر عليه المؤسسة نحو العالم.
ومن هنا يأتي الانفتاح على برامج الأمم المتحدة والمنظمات الدولية، والعمل على التعاون في مجالات الإعلام والتربية على المواطنة ومكافحة العنف وتعزيز دور المرأة، والسعي إلى إقامة شراكات مستدامة تضع تلفزيون لبنان في قلب شبكة من التعاون الدولي.
وفي هذا المسار، يبرز أيضاً التعاون مع الجامعات، وفي مقدمتها جامعة القديس يوسف، وفتح أبواب المؤسسة أمام الشباب والطلاب، لأن التلفزيون الذي لا يصغي إلى جيل الشباب ولا يمنحه مساحة للتعبير والتعلم والإبداع، يخسر جزءاً من مستقبله.
أما الثقافة، فتبدو بالنسبة إلى اليسار نداف أكثر من مجرد مادة تلفزيونية. إنها جزء من هوية لبنان. ولذلك يأتي السعي إلى تطوير البرامج، وإعطاء الثقافة والشباب مساحة أكبر، وإعادة تفعيل الإنتاج الدرامي بالتعاون مع نقابات الممثلين والفنانين اللبنانيين، في محاولة لاستعادة شيء من الدور الذي لعبه تلفزيون لبنان في صناعة الذاكرة الفنية والثقافية اللبنانية.
وفي الجانب الآخر من الصورة، هناك ورشة صامتة لا تظهر دائماً أمام الكاميرا: تحديث الأرشيف، تطوير الحوكمة، الانتقال إلى البث Full HD، إعداد هيكلية وظيفية جديدة تواكب التحول الرقمي، وإجراء إصلاحات في مبنيي تلة الخياط والحازمية، وصولاً إلى إعادة إطلاق العمل في مبنى الحازمية.
وهناك أيضاً الجانب الإنساني الذي لا يقل أهمية: السعي المستمر إلى تحسين أوضاع الموظفين ورواتبهم، لأن أي إصلاح حقيقي في مؤسسة عامة يبدأ بالإنسان الذي يقف خلف الشاشة والكاميرا والمكتب والاستديو.
ولعل من أبرز ما تحقق تأمين مساعدات وهبات عينية لتلفزيون لبنان من جهات دولية، بينها الصين وغيرها، تخطت قيمتها مليوناً ونصف مليون دولار، بما يؤكد أن العلاقات التي تراكمت خلال سنوات العمل يمكن أن تتحول، حين توضع في خدمة المؤسسة، إلى إمكانات ملموسة تساعدها على النهوض.
وتتوسع دائرة التعاون لتشمل مؤسسات محلية ودولية، وملفات مرتبطة بـ ESA، في محاولة لفتح أبواب جديدة أمام تلفزيون لبنان والاستفادة من الخبرات والتكنولوجيا والشراكات الحديثة.
لكن خلف كل هذه العناوين، تبقى الصورة الأهم: امرأة اختارت أن تدخل إلى مؤسسة مثقلة بالتحديات، لا أن تكتفي بإدارة واقعها، بل أن تحاول تغيير هذا الواقع.
قد لا تكون الطريق سهلة، وقد لا تكفي سنوات قليلة لمعالجة تراكمات عقود، لكن قيمة التجربة تكمن في الإصرار على أن تلفزيون لبنان ليس مجرد مؤسسة إعلامية رسمية، بل هو جزء من ذاكرة اللبنانيين ووجدانهم، ومن صورة لبنان التي نريد أن تصل إلى الداخل والخارج. ولذلك فهو يحظى بدعم من رئيس الجمهورية العماد جوزف عون ووزير الاعلام الدكتور بول مرقص بما يؤكد أن إعادة هذه المؤسسة الوطنية إلى موقعها الطبيعي ليست مهمة ادارية فحسب بل قضية وطنية وإعلامية.
فالتلفزيون الذي نقل إلى اللبنانيين أفراحهم وأحزانهم، حروبهم وسلامهم، نجومهم ومثقفيهم، وأحداث وطنهم على مدى عقود، يستحق أن يستعيد عافيته.
ومن هنا، تصبح مهمة اليسار نداف أبعد من إدارة شاشة. إنها محاولة لإعادة الحياة إلى ذاكرة وطنية، وإعطاء مؤسسة لبنانية عريقة فرصة جديدة كي تكون شاشة الدولة، وصوت الثقافة، ومساحة الشباب، ومرآة لبنان الذي يستحق أن نراه من جديد. فحين تكون الإدارة رؤية، تصبح المؤسسة أكثر من مبنى وشاشة… تصبح رسالة.
Elissar Naddaf Geagea
Télé Liban

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى