
السؤال الأساسي لا يندرج فقط حول من فاز انتخابياً في الولايات المتحدة وإسرائيل، بل كيف ستؤثر النتائج في قرارات الحرب خاصة لى إيران: استمرارها، تصعيدها، احتواؤها، أم الانتقال إلى تسوية سياسية؟
يمكن تحليل المسألة عبر ثلاثة مستويات:
1. تأثير الانتخابات الأميركية في صلاحيات ترامب وقدرته على مواصلة الحرب.
2. تأثير الانتخابات الإسرائيلية في موقع نتنياهو وخياراته العسكرية.
3. انعكاس التوازن الانتخابي الأميركي–الإسرائيلي على إيران ولبنان والخليج.
أولاً: النتائج الأميركية – ضربة سياسية لترامب
تراجع الجمهوريين بخسارة أكثرية الكونغرس بمجلسيه وفق النتائج المنشورة في 4–5 تشرين الثاني:
• فاز الديمقراطيون بالسيطرة على مجلس النواب ومجلس الشيوخ.
• أصبحت الحرب على إيران أحد أسباب تراجع الجمهوريين، إلى جانب التضخم وارتفاع أسعار الطاقة.
• أقرّ ترامب بأن الحرب ساهمت في خسارة حزبه، لكنه أكد أنه لو عاد إلى القرار لشنّ الحرب مجدداً.
ماذا يعني ذلك عسكرياً؟
تمويل الحرب: تزايد الرقابة والضغط على الإنفاق العسكري
حرية ترامب: تراجع هامش المناورة السياسية
استمرار الحرب: ارتفاع تكلفة استمرارها داخلياً
العمليات العسكرية: ضغط أكبر لتحديد أهداف الحرب ومداها
التسوية: تعزيز فرص البحث عن مخرج تفاوضي
لكن هناك نقطة أساسي: الديمقراطيون لا يستطيعون إيقاف الحرب تلقائياً بمجرد الفوز بالكونغرس. فالرئيس يحتفظ بصلاحيات واسعة في قيادة العمليات العسكرية، كما أن تجاوز اي فيتو رئاسي يحتاج إلى أغلبية الثلثين.
ثانياً: الانتخابات الإسرائيلية – تراجع نتنياهو وصعود معارضي الحرب
نتنياهو فقد أغلبيته البرلمانية حسب نتائج انتخابات الكنيست في 27 تشرين الأول 2026:
معسكر نتياهو: 53 مقعداً (الليكود، غوتسما يهوديت، يهدوت هتوراه، شاس، الصهيونية الدينية)
معسكر آيزنكوت: 48 مقعداً: ( يشار، بياخد، اليمقراط، اسرائيل بيتنا)
الأحزاب العربية: 19 مقعداً: القائمة المشتركة ورغم
مجموع الكنيست: 120 مقعداً
الأغلبية المطلوبة لتشكيل الحكومة هي 61 مقعداً.
وبالتفصيل:
الليكود (نتياهو) : 27 – يشار (آيزنكوت) 21 – بياخد (بينت ولابيد) 12 – المشتركة العربية: 11 – الديمقراط يائير 8 – رغم (نواب عرب) 8، اسرائيل بيتنا ليبرمان: 7 – غوتسما يهودوت: 7، يهودوت هتوراه 7 – شاس: 6 يهودات – الصهيونية الدينية – زيهوت 6
وفي 5 تشرين الثاني، أيد 67 نائباً تكليف غادي آيزنكوت بتشكيل الحكومة، مقابل 46 لنتنياهو، لكن ذلك لا يعني أنه أصبح رئيساً للحكومة؛ إذ لا تزال عملية تشكيل الائتلاف قائمة.
الدلالات السياسية
• نتنياهو أصبح أضعف سياسياً، وأقل قدرة على استخدام الحرب لتثبيت حكمه.
• آيزنكوت يمتلك فرصة أكبر لتشكيل حكومة بديلة، لكنه لا يملك بعد ضمان الأغلبية.
• الأحزاب العربية أصبحت ذات وزن برلماني تاريخي، وإن بقيت مشاركتها في الحكومة موضع خلاف.
• إسرائيل تواجه أزمة تشكيل حكومة، وربما انتخابات جديدة إذا فشل المرشحون.
المفارقة أن تراجع نتنياهو لا يعني بالضرورة انتهاء الحرب؛ فقد يسعى إلى تصعيد عسكري قبل انتقال السلطة أو لتوظيف الملف الإيراني في مفاوضات تشكيل الحكومة.
ثالثاً: ماذا تعني النتائج لمستقبل الحرب على إيران؟
التقدير الاستراتيجي لأربعة سيناريوهات:
السيناريو الأول 25%: تسوية سياسية أميركية–إيرانية مع احتمال إنهاء الحرب أو تجميدها تدريجياً.
خسائر الجمهوريين تجعل ترامب أكثر حاجة إلى معالجة أسعار النفط والوقود، وتقليص كلفة الحرب، وتحقيق إنجاز سياسي قبل انتخابات الرئاسة المقبلة.
السيناريو الثاني 30%: تصعيد عسكري أميركي محدود وضربات مركزة ثم محاولة فرض تسوية. وقد يسعى ترامب إلى استهداف المنشآت النووية أو العسكرية الإيرانية، بهدف تحسين شروط التفاوض وإظهار أن خسارته الانتخابية لا تعني ضعفاً عسكرياً.
السيناريو الثالث 25%: حرب استنزاف وحصار اقتصادي مع استمرار الضغط من دون حرب شامل، يترافق مع حصار بحري وعقوبات وضغط على صادرات النفط الإيرانية، مع استمرار التهديد العسكري وانتظار تنازلات من طهران.
السيناريو الرابع 20%: عودة الحرب الواسعة بالعمليات الأميركية والإسرائيلية، وقد يحدث هذا السيناريو إذا فشلت الوساطات، أو تصاعدت المواجهات في هرمز، أو اعتبرت واشنطن أن إيران ترفض تقديم تنازلات كافية.
هذه النسب تقديرات تحليلية احتمالية وليست نتائج استطلاع أو نموذج إحصائي، وهي مستندة إلى المعطيات السياسية المتاحة حتى 5 تشرين الثاني 2026.
تتوافق هذه السيناريوهات مع التحليلات الأميركية التي ترى أن ترامب بات أمام خيارات صعبة: العودة إلى القصف، التفاوض، أو مواصلة الحصار والضغط الاقتصادي.
رابعاً: هل أصبح نتنياهو عبئاً على ترامب؟
هذه نقطة بالغة الأهمية. قبل الانتخابات، كان نتنياهو يميل إلى استمرار الضغط العسكري على إيران، فيما كان نائب الرئيس الأميركي جي دي فانس وبعض مستشاري ترامب أكثر ميلاً إلى التفاوض وإنهاء الحرب. أما بعد الانتخابات:
• نتنياهو أضحى أضعف داخلياً.
• الديمقراطيون أكثر تشدداً تجاه استمرار الحرب.
• العلاقة الأميركية–الإسرائيلية أصبحت أكثر عرضة للضغوط السياسية، خصوصاً بشأن التمويل العسكري الأميركي لإسرائيل.
الاستنتاج: قد يصبح نتنياهو، بدلاً من أن يكون شريكاً قادراً على دفع ترامب نحو الحرب، عاملاً يفاقم الكلفة السياسية الأميركية لاستمرارها.
خامساً: ماذا يعني ذلك لإيران ولبنان؟
إيران: قد تحاول استثمار الانقسام الأميركي والضعف الإسرائيلي لتحسين شروط التفاوض
الولايات المتحدة: ستحاول تخفيف كلفة الحرب مع الحفاظ على الردع
اسرائيل: محاولة منع تسوية لا تعالج البرنامج النووي والصاروخي الإيراني
لبنان: احتمال تخفيف الضغط العسكري إذا اتجهت الحرب إلى التسوية، أو تصاعده إذا فشلت
الخليج: تفضيل احتواء الحرب واستعادة استقرار الملاحة والطاقة تفضيل احتواء الحرب واستعادة استقرار الملاحة والطاقة
لكن ينبغي التنبه إلى أن انتصار الديمقراطيين لا يعني انتصار إيران تفاوضياً أو عسكرياً، كما أن تراجع نتنياهو لا يعني انتهاء التهديد الإسرائيلي. فالموازين الانتخابية تغير كلفة القرار السياسي، لكنها لا تلغي المصالح الاستراتيجية أو القدرات العسكرية.
الخلاصة الاستراتيجية
أهم نتيجة مزدوجة للانتخابات:
ترامب خسر حرية الحركة السياسية، ونتنياهو خسر حرية الحركة الائتلافية.
وهذا يفتح نافذة جديدة أمام إيران، ولكنها نافذة تفاوضية لا أكثر ولا أقل.
في المقابل، يبقى احتمال التصعيد قائماً لأن ترامب قد يحاول تعويض خسارته السياسية بإنجاز عسكري، ولأن نتنياهو قد يجد في استمرار المواجهة وسيلة لإعادة ترتيب موقعه الداخلي.
وتؤكد التقارير الأميركية أن نتائج الانتخابات لا تحسم قرار الحرب، بل تجعل القرار أكثر تعقيداً سياسياً واستراتيجياً.
السؤال الأهم الآن:
هل ستذهب أميركا إلى تسوية مع إيران، أم إلى ضربة عسكرية أخيرة لتفرض عليها التسوية؟
بالشأن التحليلي المنطقي، الاحتمال الثاني لا يزال قائماً بقوة، لكن كلفة الحرب السياسية والاقتصادية أصبحت أعلى بكثير على ترامب.



