
عاماً بعد عام، تتعقد أزمة النزوح السوري في لبنان، ولا سيما مع الأزمة الاقتصادية المتمادية. بعد مرور 12 سنة على اندلاع الحرب في سوريا، خسر سوريّو لبنان التضامن معهم. بعضهم لدواع تمييزية وسياسية، والبعض الآخر بسبب رفض الكثيرين العودة إلى مناطقهم الآمنة تمسكاً بالمساعدات التي يحصلون عليها. أزمة ولّدت مشاكل اقتصادية واجتماعية، كان أبرز ضحاياها الأطفال الذين ولدوا في النزوح بلا أوراق ثبوتية أو شعور بالانتماء
تكرار المأساة الفلسطينية؟
حال أحمد وأشقائه يشبه حال عائشة (7 سنوات) التي تعتبر بأنها «سورية لأن أهلها سوريون». لا يملك هؤلاء الأطفال أدوات متنوّعة للتعرّف إلى بلادهم. في الخيم، لا يملكون تلفازاً أو هواتف ذكية. يعتمدون على الروايات المحكية من الذاكرة الجماعية للأهل، وتحديداً لمن يملك الوقت والحسّ منهم لشدّ الأواصر بين أولادهم وموطنهم.
يتشتّت تركيز جاسم عندما نسأله عن الذكرى الثانية عشرة للنزوح. لم يكن متنبّهاً لمرور أكثر من عقد بهذه السرعة. يشير إلى مستعمرتَي المطلة وكريات شمونة ويخشى تكرار تجربة اللجوء الفلسطيني. «عندما نزحنا، لم نجلب كل ّأغراضنا. ظننّا بأن الأمر لن يتخطى الشهر. أصابنا ما أصاب الفلسطينيين عام 1948». يتحسّر الوالد الثلاثيني قبل أن يستسلم لنظرية المؤامرة وتوطين النازحين. «نتمنى أن تسمح لنا الدولة اللبنانية بتشييد منازل من الاسمنت على غرار المخيمات الفلسطينية، لنرتاح من صراعنا الدائم مع الشوادر وألواح الزينكو في كلّ شتاء».
في الخيام، تنقّل محمد علي (76 عاماً) بين شقق كثيرة، استأجرها مع ولديه وأسرهما. برغم الجيرة الطيبة التي عرف بها، كان يضطرّ إلى ترك المنزل لأن أصحاب بعض الشقق أرادوا رفع بدل الإيجار، أو لأن آخرين قرّروا استعادة شققهم وعدم تأجير سوريين. همّ النزوح بدا على جسد محمد علي. تراجعت صحته تدريجياً. نقص وزنه واصفرّ لونه واحدودب ظهره إلى أن طرح في الفراش. «الزعل أقعدني» يقول بغصة. بدّل النزوح أحواله من صاحب ورشة للنجارة في سوق سد اللوز، ومنزل فخم في حيّ الشعار في مدينته حلب، إلى عاطل من العمل يعيش على المساعدات ويتشرّد من منزل إلى آخر. لا يحفظ من لبنان أي ذكرى جميلة. «زوجتي صدمتها سيارة ورفض السائق أن يدفع الدية، رغم تنازلنا عن حقنا الشخصي، مستخفاً بنا لأننا سوريون. فيما أنا وابني وزوجته وأطفاله الأربعة انتهى بنا السكن في طبقة سفلية لمنزل سكني، استغل صاحبه أزمة النزوح واستحدث جدراناً على عجل، صانعاً شبه منزل ليحصل على بدلات الإيجار التي تدفعها الأمم بالدولار. أما ولدي الثاني وأسرته، فيسكن في غرفة كان يستخدمها جارنا زريبة لبقرته. لكنه عطف علينا وقدّمها لنا كمسكن مؤقت».



