Nouvelles Locales

هل يحمي برّي سلامة؟ كيف وإلى متى؟

نداء الوطن

إنها مسألة وقت قصير، ويطوي لبنان صفحات 30 سنة من السياسات النقدية والمصرفية المدمّرة التي أودت بمدّخرات اللبنانيين وقدرتهم الشرائية وتركتهم نهباً للفقر والبطالة والهجرة.

انتهى حاكم مصرف لبنان رياض سلامة عملياً، ولم تبق منه إلا ظلال حماية سياسية ستتناقص في الأيام المقبلة تحت ضغط القضاء الدولي والرأي العام المحلي… وربما العالمي أيضاً، فالقضية عابرة للحدود، وهناك في 6 دول على الأقل تحقيقات حول شبهات احتيال واختلاس وتزوير وتبييض أموال وجرائم مالية أخرى. وهناك أيضاً نظام مالي عالمي يتابع كل تفاصيل هذه الشبهات وتلك القضايا، ويترقّب على مدار الساعة ما الذي سيفعله لبنان لسير العدالة وتنقية القطاع المالي من شوائب باتت على كل شفة ولسان حول العالم.

الذريعة القانونية ورقة تين لا تستر عورة

ما يتذرّع به سلامة في قانون النقد والتسليف، بما يخوّله البقاء في منصبه حتى آخر ولايته، هو ورقة تين لا تستر عورة، إلا إذا تذرّع حماة سلامة أيضاً بمواد ملتبسة في ذلك القانون لشراء بعض الوقت الذي بات ضرره أكبر بكثير من نفعه. علماً بأن حديث القانون في لبنان خرافة كرّستها ممارسات شنيعة، ومقولات كثيرة تنسب واحدة منها الى رئيس مجلس النواب نبيه برّي مفادها الآتي:»لا يلجأ إلى القضاء (القانون) إلا الضعيف!». لذا لم يفاجأ اللبنانيون بما تسرّب عن المحقّقين الأوروبيين لجهة عدم ثقتهم بالقضاء اللبناني الذي يرضخ فيه قضاة لضغوط سياسيين نافذين، وأن القوانين مطّاطة والإجراءات شبكة (منخل) ينفذ من ثغراتها المرتكبون بأيسر السبل، وأن اللعب على الشكل في الدفوع وطلبات رد القضاة ومقاضاة الدولة وإطالة المهل… كلها في خدمة الأقوياء والنافذين. ما دفع بأحد محامي الادّعاء في باريس للقول «إن محقّقين وقضاة لبنانيين بصقوا على التعاون القضائي بين لبنان والدول الأوروبية المعنية بالتحقيق في شبهات حول رياض سلامة».

سحب الحجة الطائفية والسياسية

وعلى سيرة برّي، ولماذا يسود اعتقاد أنه الحامي الأول لسلامة؟ وما مبرّرات هذا الاعتقاد؟ بداية وقبل الذهاب بعيداً في بحث الأجوبة، تتعيّن الإشارة إلى إجماع أحزاب مسيحية وازنة (القوات، الكتائب، والتيار) على ضرورة استقالة سلامة أو إقالته فوراً. فهل من مصلحة برّي تحدّي الرأي العام المحلي لا سيّما المسيحي المطالب بإقالة سلامة؟ وهل يمكنه إنكار ضغط القضاء الدولي؟ يمكنه اليوم أن يقول أن لا علاقة له في كل ذلك، والأمر منوط بمجلس الوزراء، أو مجلس النواب إذا كان لا بدّ من تعديل القانون الذي يتمسّك به سلامة كما قال لتبرير بقائه في منصبه. وهنا بيت القصيد، إذ إن شبه الإجماع المسيحي على ضرورة خروج سلامة من الحاكمية اليوم قبل الغد ينزع من برّي ورقة مهمة من أوراق التذرّع الطائفي والسياسي. وفي جانب القانون، لم يعد باستطاعة برّي القول إنه لن يسمح للنائب الأول للحاكم (وسيم منصوري) تسلّم المهام مرحلياً الى حين تعيين حاكم جديد.

ميقاتي يتهيّب الموقف

وبالنسبة إلى رئيس حكومة تصريف الأعمال نجيب ميقاتي، ليس سرّاً أنه يمشي بمحاذاة حائط الثنائي الشيعي الذي كان أول من بارك عودته الى رئاسة الحكومة وأمّن له الغطاء، ويمون عليه لدرجة فاقعة ظهرت جليةً في الفيديو الشهير الذي طلب فيه برّي تمديد العمل بالتوقيت الشتوي، فاستجاب مثل الشاطر. ثم كان ما كان، وخسر الإثنان من صورتيهما لدى شرائح واسعة من الناس المستغربين هذا الاقتراح الغريب، إن لم نقل المريب. لكن ميقاتي هذه المرّة يحاول التمايز بإرسال إشارات تدلّ على أنه يتهيّب الموقف ويرغب في قرار حكومي مناسب في قضية سلامة.

مقولة إن سلامة ليس وحده المعنيّ

في جانب «الزعيم الاشتراكي» وليد جنبلاط، هناك الشيء ونقيضه أحياناً. وقضية سلامة لا تشذّ عن القاعدة الجنبلاطية الاستثنائية، بدليل ما قاله في مقابلة تلفزيونية مع الزميل ألبير كوستانيان قبل أيام قليلة، وحرفيته: «إذا كان سلامة فعلاً متّهماً، فهناك العديد من الشخصيات التي يجب أن تلاحق أيضاً من سياسيين ومسؤولين وكبار مديرين ومصارف… وليس رياض فقط». ويا للصدفة في تكرار ذلك من قبل سلامة نفسه في حوار مع محطة «الحدث» قبل يومين إذ قال: «لماذا لا يلاحقون السياسيين؟ على القضاء البدء بهم قبلي».

فرنجية… المنظومة

وفي المنظومة أيضاً هناك رئيس تيار المردة سليمان فرنجية الذي شذّ عن الإجماع المسيحي وصمت في قضية سلامة. وما صمته إلا من قبيل صمت برّي والثنائي أيضاً حتى تاريخه. مع سؤال لفرنجية: كيف تقدّم نفسك رئيساً محتملاً للبنان ولا تدقّ ناقوس خطر يهدّد هذا البلد في سمعته المالية وتعاملاته المصرفية مع العالم؟ ألا يعني لك الأمر شيئاً؟ ومن نافل القول إن حماس برّي لفرنجية مدفوع بعدة أسباب أبرزها أنه من عظام رقبة المنظومة تاريخياً، وأن انتخابه رئيساً يمدّد عمر الستاتيكو المتّهم أحياناً بأنه قائم على الإفلات من العقاب أو ضحالة المساءلة والمحاسبة، وقادر على حماية سلامة إذا اقتضى الأمر.

الرجل الأقوى في المنظومة

بالعودة الى بري والسؤال عن حقيقة حمايته سلامة، فهناك شبه إجماع على أن بري هو الرجل الأقوى في المنظومة اليوم. من جهة هو متحالف مع «حزب الله»، ومن جهة أخرى ممسك بمفاتيح مجلس النواب عموماً وبمفاتيح في لجنة المال والموازنة على وجه الخصوص وهي المعنيّة مباشرة بالشأن المالي والنقدي. الى ذلك، يعتبر برّي رفيق درب مع سلامة منذ 30 سنة، ولم يعد موجوداً من النافذين في التركيبة الأولى التي شكلت أوائل التسعينات إلا هو وذاك. فصحيح أنّ من أتى بسلامة هو رئيس الحكومة الراحل رفيق الحريري، لكن بعد اغتيال الحريري وتغيّر مشهد النفوذ بعد 2005، ظهر برّي تباعاً وفي السنوات اللاحقة أنه عضد لحاكم مصرف لبنان.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى