
البروفيه لم تُلغَ… بنسبة 40%!
رئيسة اتحاد لجان الأهل في المدارس الخاصة، لمى الطويل، تعتبر أن الوزيرة كرامي “التفّت” على الناس بجملة “انبسطوا ألغيت البروفيه”، لأنها عندما تحتسب نسبة 40% على امتحانات تُجرى للمنهج من أول العام الدراسي وبإشراف من الوزارة، فامتحانات البروفيه لم تُلغَ. وتكمل، إذا كانت حجة الوزيرة الحفاظ على قيمة الشهادة الرسمية، فنقول لها بنسبة 40%، أنت لا تحافظين على الشهادة، والظروف الاستثنائية تحتاج إلى قرارات استثنائية، وأولادنا ينجحون منذ 10 أعوام عن جدارة في امتحانات مدارسهم، ونرفض اعتبار هذا الامتحان المعيار الأوحد لتقييمهم”.
نريد ضمانات… أو المقاطعة
ومع توسع رقعة الحرب مع إنذارات الإخلاء، يصبح الهاجس الأمني أساسيًا للأهالي. وفي السياق، تقول الطويل “هل تضمن الوزيرة عدم وجود أي ولي أمر أو أستاذ أو مدير أو شاب مستهدف أمام أو داخل مراكز الامتحانات؟” مطالبة الجميع بتقديم ضمانات بألا يصيب أي طالب مكروه، الوزيرة ورئيس الجمهورية العماد جوزاف عون ورئيس الحكومة نواف سلام ورئيس مجلس النواب نبيه بري وكل النواب، وإلا فجميعهم يتحملون مسؤولية قانونية تجاه أي أذى يحصل لأي طالب في أي مركز، وممنوع المخاطرة بحياة أولادنا.
أسباب الإصرار
ووفق مصادر متقاطعة، يمكن اختصار الإصرار على إجراء الامتحانات الرسمية بثلاثة أسباب أساسية، هي:
السبب المباشر المعلن وهو الحفاظ على الشهادة الرسمية وهي مقاربة الوزيرة المعلنة، لكن نقاد هذه المقاربة يعيبون عليها تغليب المعيار الأكاديمي على الواقع اللوجستي والأمني والنفسي للطلاب.
التمويل: وهو السبب غير المعلن، الذي يشير منتقدو خطة الوزيرة إليه كأحد أبرز محركات الدفع باتجاه الإصرار على إجراء الامتحانات الرسمية. ففي حال أُلغيت الامتحانات، لن تُصرف المنح المالية التي تُخصص لإجرائها. وتاريخيًا، لطالما كانت هذه المنح مزراب هدر، فحسبة “التعويضات” التي تقدمها الوزارة للجهات المانحة بلغت عام 2023، في مرحلة أولى، وفق مصادر مطلعة لـ “نداء الوطن”، أكثر من مليون ونصف مليون دولار، ما استدعى العمل على تخفيض المبالغ حينها، لضمان موافقة اليونيسف على تأمين المبلغ كاملا وعدم رفض تغطيتها.
تبييض صفحة “حزب الله”: سواء من حيث تعلم أو لا تعلم، فإن الوزيرة بقرارها تخدم حزب الله، الذي يحتاج إلى القول كما السنوات السابقة، بأنه لم يأخذ البلد إلى المهوار، وليحجز لطلابه “المراكز الأولى” ضمن سردية “فعل الصمود”.
ولعله من الجدير التذكير بزيارة وفد التعبئة في “حزب الله” للوزير السابق عباس الحلبي، في امتحانات 2024، مهنئًا إياه على “أهم إنجاز بإجراء الامتحانات الرسمية”، معتبرًا إياها “عرسًا وطنيًا يحافظ على قيمة الشهادة الرسمية”.
وبدأت قناة المنار والتعبئة التربوية في “حزب الله” ببروباغندا إعلامية، ترافقت مع دورات التقوية للتلامذة وتغطيتها من قبل إعلام “الحزب”، فيما غالبية طلاب “حزب الله” في مدارس المهدي والمصطفى، أي مدارس خاصة. أما الطلاب النازحون في مراكز الإيواء فيراد لهم الذهاب لإجراء امتحانات “ينجح” فيها “حزب الله” سياسيًا، بمعزل عن كلفتها عليهم.
الاستحالة اللوجستية
ومع تحوّل مدارس رسمية عديدة إلى مراكز إيواء، سيحتاج أي مركز يتم استئجاره إلى بنية لوجستية خاصة تشمل الكهرباء والإنترنت وكاميرات المراقبة لضمان نزاهة الامتحانات. فهل هناك بحبوحة بالتمويل تغطي التكاليف؟أما أمنيًا، فالمجازفة أكبر، فقرابة 60 آلية تنقل أسئلة الامتحانات، مغطاة بغطاء أسود: فهل من ضمانات ألّا تقصفها إسرائيل؟ ومن يضمن سلامة 300 طالب في كل مركز امتحان؟ ثم هل عديد القوى الأمنية لتغطية الاستحقاق مؤمّن؟ وهل أُخذ أصلا برأي الداخلية ووزارة الدفاع لضمان سير استحقاق يضم 45 ألف طالب لبناني على الصعيد الأمني؟
طرابلسي: ضرب مبدأ العدالة
عضو لجنة التربية النيابية، النائب إدغار طرابلسي، يشدد على أننا نتحدث عن مصير 45 ألف طالب لبناني في ظرف الحرب، وأن لجنة التربية النيابية، رغم دعوتها الوزيرة لجلسة بخصوص الشهادات الرسمية، تفاجأت بإعلانها الخطة عبر الإعلام، واحتواء الخطة على 3 دورات للبكالوريا وإلغاء البروفيه.
وإذ يدعم طرابلسي إلغاء اعتماد امتحان موحّد للبروفيه، “فاعتماد العلامات المدرسية بزيادة”، لكنه يشير إلى أن إجراء 3 دورات للبكالوريا أمر غير مسبوق، وأخطر ما في فكرة الدورات الثلاث برأيه، أن الطالب يختار الدورة الأولى أو الثانية وإكماله يكون بالدورة التي تليها، وهي فكرة اعترضنا عليها منذ اليوم الأول، لأنها تقسم الطلاب إلى فئتين: فئة أولى ممن يعيشون في مناطق آمنة لم تُستهدف، وفئة ثانية ممن يعيشون في مناطق مستهدفة، ما يضرب عدالة التربية والمساواة بين الطلاب.
ويشكك طرابلسي بالخطة، لوجستيًا، فيسأل: الوزيرة تركت الخيار للطالب بمكان ترشحه، حسنًا، إذا كان قد سجّل دورة أولى في صور، التي تم إنذارها بالإخلاء منذ أيام، إلى أي مركز يؤخذ اليوم؟ ووفق أي بطاقة امتحان؟ ولا ننسى طلاب “قرى الصمود” في الشريط الحدودي، فكيف ستصل إليهم الأسئلة وكيف ستشرف عليها الوزارة؟
الوزيرة “المتصلّبة”
ويوضح طرابلسي أن لجنة التربية خرجت بخلاصات، قدمتها للوزيرة “المتصلّبة” برأيها، حيث ناشدناها فيها بإجراء بكالوريا موحّدة وطنيًا، كونه استحقاقًا وطنيًا، مع إكمال واحد، كذلك مع تأجيل موعد الامتحانات إلى 15 آب لأن التاريخ الذي وضعته لبدء الامتحانات هو تاريخ انتهاء الهدنة، وإسرائيل تزيد ضرباتها بين الهدن.
ويذهب طرابلسي أبعد، ليسقط حجة الشهادة لأجل الطلاب الذين يقدمون على جامعات في الخارج، “فنسبتهم لا تتجاوز 5%، والجامعات تأخذ ملف الطالب على 3 سنوات”، مذكرًا بأن الدولة الفرنسية ألغت البكالوريا الفرنسية في الأردن وهي بجوار لبنان ولم تتعرض لأي حرب عمليًا، ما يجعل حجة سمعة البكالوريا اللبنانية واهية، مشككًا “بأن تستطيع الوزيرة إنجاز أي دورة من الدورات الثلاث”.
وإذ يشير إلى أن توصيات اللجنة رُفعت إلى الوزيرة بحسب الأصول، فإنه يتوقع من الوزيرة الشراكة الإيجابية مع البرلمان لصالح الطلاب، فالحديث عن سمعة الشهادة اللبنانية وكأن لبنان بألف خير، لا يعني شيئًا أمام نقطة دم واحدة تسيل من طالب، ونسأل: من يتحمل مسؤوليته؟ ولا ننسى أن هناك طلابًا وأساتذة ضحايا في الحرب، لذلك نوصيها بإعادة النظر بقرارها.
شاهين: ضرب مفهوم الشهادة الرسمية
رئيسة رابطة الأساتذة المتعاقدين، نسرين شاهين، تضع علامات استفهام حول دراسة المركز التربوي للبحوث والإنماء، التي توصلت إلى أن الطلاب أنهوا 40% من المنهج الدراسي، فهناك مدارس خاصة أنهت 100% من المنهج، ما يعني حكمًا أن قيمة الشهادة المدرسية صارت أعلى من قيمة الشهادة الرسمية، وهذا ضرب لمفهوم الشهادة الرسمية وقيمتها.
كما تشكك بنسبة الفئات المتضررة المعلنة، فمنذ 3 آذار إلى اليوم، نسبة الحضور في المدارس الرسمية تراجعت على مستويين: فهناك قرابة 15% لم يلتحقوا أبدًا، وهناك نسبة كبيرة ممن ذهبوا إلى التعليم أونلاين، بعدما تحوّلت مدارسهم مراكز إيواء، وهؤلاء كانوا يحضرون الصفوف أونلاين بنسب تتراوح بين 30 و70%، لكن المشكلة الأكبر كانت بنسبة التفاعل، التي لم تتجاوز 5% أحيانًا، وهذا شكّل ضغطًا على الأساتذة والطلاب أنفسهم، في ظروف حرب قاهرة.
أما امتحانات الفصل الثاني عبر Google Form أونلاين، فحدّث ولا حرج: “راحت الكهربا… قطع الإنترنت”، وهي حجج استخدمها طلاب لحل مسابقاتهم بمساعدة أهلهم، ما دفع مدارس إلى تخفيض العلامات بعدما أقفل معظم الطلاب المعدّل بشكل شبه كامل في المواد التطبيقية، وهو ما ضرب بدوره مقياس جودة التعليم.
وتسأل شاهين الوزيرة أين سيُجرى امتحان البروفيه الحضوري للطلاب النازحين من قرى الجنوب ومدارسهم غير متاحة؟ وكذلك لطلاب المدارس الرسمية في المناطق الآمنة، التي أصبحت مراكز نزوح؟
أما حجم تقليص الدروس، إلى 3 دروس أحيانًا، فبرأي شاهين يجعل الامتحان صوريًا لا قيمة أكاديمية له، بهدف القول إننا أنجزنا الامتحانات.
هذا وتظهر معضلة تختص بالأساتذة المفترض أن يراقبوا الامتحانات: فالعام الماضي وعدوا باستيفاء 25 دولارًا على اليوم، فيما دُفع لهم فقط 12 دولارًا. هذا ولم نتحدث بعد عن الأساتذة النازحين، الذين يعانون أوضاعًا مزرية تعيق مشاركتهم.
وتسأل شاهين: الطالب النازح المنكوب ألا يستحق منا أن نعطيه علامات مدرسية موحّدة؟ لمساواته بكل طلاب لبنان؟ مستخلصة كأننا نحمّل هؤلاء الطلاب مسؤولية الخيار السياسي الذي حال دون بقائهم في قراهم وقدرتهم على إكمال تعليمهم.
المعيار الأكاديمي… والمعيار الإنساني!
إحدى طالبات البروفيه تسأل “كيف تريدنا الوزيرة أن نجري امتحانًا ولبنان اليوم محتل ومساحته الحرة مش 10452 كلم مربع؟” الطالبة نفسها، تهرب بالنوم نهارًا من صوت الـ MK ولم تدرس ورفاقها شيئًا يذكر من المنهج بعد الحرب، مع أنها من سكان بيروت وليست نازحة من الجنوب، لكن بيروت نفسها قصفت في الحرب ومهددة اليوم!
“وقتا يصير عنا منطقة مش آمنة أكيد ما رح نخاطر إذا صار في ظروف كتير مقلقة”، تقول الوزيرة في إطلالتها عبر برنامج “حوارات السراي”. لكن هل من ظروف أكثر سوءًا من التهديدات الإسرائيلية بأن أي مكان فيه “حزب الله” مستهدف من بيروت إلى البقاع؟
ثم تقول الوزيرة إن الامتحانات “رسالة من لبنان قديه التعليم والتربية عنده مهمة”. لكن من المهم أكثر؟ إجراء الاستحقاق أم أمن التلامذة؟
إلا أن عبارتها في إحدى المقابلات بقولها إن الامتحانات “جزء من رسالة صمود للبلد، قدام العدوان الهمجمي”، وبأننا “قادرين ننتظم… وفرصة يمشي اللبناني بحياته الطبيعية”، تجعل الطلاب رهينة “صورة” نجاح استمرارية الاستحقاق، على حساب نفسيتهم والمساواة بينهم، وأمنهم.
فهل تتراجع كرامي عن المعيار “الأكاديمي” المعلن لصالح المعيار الإنساني؟ وإذا لا: هل تحمل الحكومة مجتمعة، قرار الوزيرة كرامي؟



