Uncategorized

محنة الإنسان بين سموّه ومهانته

أنطوان العويط

الإنسان في معاجم اللغة من فعل أَنْسَنَ، أي ما يصبغ عليه صفاته البشريّة ويمنحه أبعادها الأخلاقيّة والروحيّة، فلا يبقى كائناً أجوف أو وجوداً مجرّداً، بل يصير معنىً نابضاً بالوعي والحرمة والمسؤوليّة.
وقد كرّمه الله في الديانات السماويّة، فجعله محور الخلق، وسخّر له الكون، وذلّل له الأرض رزقاً وعطاءً، تتدفّق عليه خيراً ورغداً.
في الإسلام، تأسّست النظرة إليه على أنّه المقصد والموضوع، بما هو ذات عاقلة عارفة وحاملة للأمانة. لذلك واجه القرآن الكريم كلّ أشكال استعباد الإنسان لأخيه الإنسان، ونفى أن يكون لأحد سلطانٌ على ضمير غيره أو حقٌّ في أن يُحلّ له أو يحرّم عليه وفق الأهواء والمصالح، مؤكّداً حرّيته وكرامته ومسؤوليّته أمام الله.
أمّا في المسيحيّة، فقد بلغ تكريمه ذروته في الإيمان بأنّ الله خلقه على صورته ومثاله، ودعاه إلى مسيرة دائمة نحو الكمال. فالإنسان قيمة سامية في ذاته، وعزّته ليست منحة من سلطة أو ثمرة ظرف عابر، بل عطيّة إلهيّة ملازمة لوجوده. ولعلّ أبلغ ما تعبّر به المسيحيّة عن سموّه أنّ الله لم يكتفِ بمحبّته، بل شاء أن يصبح بذاته إنساناً، فصار التجسّد أرفع إعلان عن قدسيّة الإنسان ومكانته في قلب الخالق.
عند صياغة الشرعة العالميّة لحقوق الإنسان، شاء رجل من بلادنا أن يُحيط الإنسان بهالة من القدسيّة الفلسفيّة والروحيّة، فنجح. أدرك الكبير شارل مالك أنّ الكائن البشريّ هو البيت والطقس في عالمٍ من البيوت والطقوس المتعارضة، حيث تتنازع القيم والمبادئ مع مصالح الدول وأهواء الحكّام. ولحمايته، كتب عنه كمن يريد أن يقول كلّ شيء. كلّ ما قيل وما لم يُقَل حتّى الساعة، وربّما كلّ ما سيُقال حتّى قيام الساعة. فأين نحن اليوم من إنسان لبنان؟
لقد شهدنا على امتداد السنوات الماضية موتاً بطيئاً له. أُذلّ وأُهين، وتشرّد وجاع. إنّه يُقتل في صمتٍ مرير، بدمٍ بارد، وبهمجيّةٍ عارية من أيّ وازع، وبسفالةٍ وبلا ذرّة ضمير.
لقد تعذّب إنسان وطننا مراراً عبر الحقب والعهود، لكنّه لم يواجه يوماً هذا المستوى من العدوانيّة والانتهازيّة والنذالة والخساسة والدناءة. لم يُستهدف من قبل بهذه الوحشيّة الممنهجة، ولا بهذا الاحتراف في صناعة الألم وتوزيع الموت بوجوه متعدّدة، وعلى أيدي كثر يتقاسمون الفعل ذاته وإن اختلفت مواقعهم.
ولم يسبق أن اغتيل إلى هذا الحدّ من انعدام البصر والبصيرة، ومن استسهال الجريمة بل من التباهي بها، ومن تراكم الوجع حتى صار أسلوب حياة، ومن انطفاء الأمل حتى كاد يتحوّل إلى فكرة غائبة. فما أعظم ما يُرتكب بحقّه. وأيّ طاقةٍ تبقّى له ليحتمل بعد؟
لكنّ، على فرادة تجربته وقسوة محنته، هو ليس كائناً معزولاً عن آلام العالم، بل هو وجهٌ من وجوه ابن الأرض المعاصر الذي يتعرّض في غير مكانٍ للامتهان ذاته، وإن اختلفت الأسباب وتبدّلت الرايات. فالنزف الذي يسكنه حين يُحرم من الأمن والفرصة والأمل، ليس سوى انعكاسٍ لشجن أوسع ينهش أرواح ملايين البشر في أصقاع مختلفة من الكرة الأرضيّة.
إنّه الكائن ذاته الذي يسقط في أتون النزاعات المسلّحة والحروب الأهليّة في مناطق عديدة من العالم. وهو نفسه الذي يرزح تحت وطأة القمع والاستبداد، حيث تُصادر الحريّات، وتُكمَّم الأفواه، ويُلاحَق أصحاب الرأي، ويُجرَّم الاختلاف. وهو أيضاً من يواجه المجاعة وانعدام الأمن الغذائي بفعل الحروب أو الفقر أو الكوارث المناخيّة، أو يُقتلع من أرضه تحت وطأة التطهير العرقيّ والاضطهاد الدينيّ أو الإثنيّ.
وهكذا تتبدّل الجغرافيا وتختلف الخرائط، فيما تبقى المأساة واحدة والإنسان في قلبها، حتّى تغدو الكرامة الإنسانيّة أمام امتحانٍ غير مسبوق، يطال معنى الإنسان نفسه وجوهره قبل أن يطال أوطانه وحدودها.
غير أنّ إنقاذه لا يُختزل في شعار، ولا يتحقّق بنصّ مهما ارتفعت بلاغته، ولا بإعلان مبادئ مهما نبُلت وسمت مقاصدها. فالواقع المثقل بالجراح ها هنا وفي المجتمعات البشريّة، يستدعي انتقالاً من التعاطف إلى الفعل، ومن رصد المأساة إلى بناء البديل، ومن إدارة الانهيار إلى صناعة المستقبل.
إنّ محنة الإنسان المعاصر ليست سياسيّة أو عسكريّة فحسب، بل هي في جوهرها محنة أخلاقٍ وثقافةٍ وحضارةٍ. لذلك، لا سبيل إلى معالجتها إلا بإعادة الإنسان إلى مركز المعادلة، غايةً للدولة والاقتصاد والتنمية والتكنولوجيا والسياسة، ونبضاً للعالم لا رقماً في حساباته ومصالحه.
إنّ الكون بحاجة إلى مشروعٍ جديد للإنسان، يردم الهوّة بين الحقوق والمسؤوليّات، ويصل الحريّة بالعدالة، والتنمية بالكرامة، ويجعله مرّةً أخرى الغاية التي تقوم الدولة من أجلها لا الوسيلة التي تُستهلك في سبيلها.
لذلك آن الأوان أن نعود فنبني للإنسان وطناً، لا ساحةً للصراعات ولا مسرحاً للمصالح المتنازعة، في لبنان والمعمورة. وإنّ ذلك لا يكون إلا بروحٍ تؤسّس للعمل وتمنحه الثبات والمعنى، فيعلو على الأشخاص، ويستعصي على تقلّبات الأزمنة، ويضخّ الحياة في الخطط والبرامج. ذاتٌ ترفض حيلة العاجز واستسلام المستكين، وتصل الإرادة بالفعل، والحلم بالإنجاز… وبالفكرة التي تؤيّدها حركة التاريخ.
إنّها روح الإنسان التي تفتح أبواب الحياة على اتّساعها، وتوقظ في الأوطان احتمالات الضوء والقيامة.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى