
لكن السؤال الأساسي ليس: هل نقبل المساعدة أم لا؟ بل: كيف تدخل هذه الأموال؟ وكيف تُدار؟ ومن يراقبها؟
الجواب برأيي واضح: يجب أن يتم الأمر من دولة إلى دولة، لا من دولة إلى أي مؤسسة أو جهة أو حزب أو تنظيم خارج إطار الدولة اللبنانية. فإذا أرادت إيران، أو أي دولة أخرى، تقديم مليار دولار أو حتى عشرة مليارات دولار، فلتكن هذه الأموال ضمن اتفاق رسمي وشفاف مع الجمهورية اللبنانية، بحيث تُسلَّم إلى الدولة اللبنانية وتُخصص حصراً لبرامج إعادة الإعمار والتنمية والتعويضات.
وتتولى الدولة اللبنانية مسؤولية إعادة بناء المنازل المدمّرة، وترميم القرى المتضررة، وتعويض جميع المواطنين المتضررين من مختلف الطوائف والانتماءات، إضافة إلى دعم المهجّرين وإعادة تأهيل المدارس والمستشفيات والمباني العامة ومراكز الإيواء التي استُخدمت خلال الأزمة.
هذا المطلب ليس موجهاً ضد أي جهة، بل هو مطلب سيادي وقانوني ومالي بديهي. لأن أي أموال تدخل إلى لبنان خارج القنوات الرسمية تطرح أسئلة مشروعة: أين صُرفت؟ ومن أشرف عليها؟ وهل استُخدمت بالكامل في الإعمار؟ أم يمكن أن تُحوَّل إلى نشاطات أخرى لا علاقة لها بالهدف المعلن؟
إن غياب الرقابة المالية لا يهدد فقط الشفافية، بل قد يفتح الباب أمام شبهات تتعلق بتبييض الأموال أو استخدام الأموال في أنشطة غير مشروعة أو تمويل عمليات لا تخدم إعادة الإعمار. لذلك فإن حماية المساعدة نفسها تستوجب وضعها تحت إشراف الدولة اللبنانية، وربما أيضاً تحت رقابة مشتركة مع مؤسسات دولية متخصصة لضمان الشفافية الكاملة.
فالأموال الإنسانية والإعمارية لا يجب أن تكون موضع شك أو خلاف سياسي، بل يجب أن تصل إلى مستحقيها بشكل عادل وواضح وموثّق.
لبنان يحتاج إلى إعادة إعمار فعلية، لكن لبنان يحتاج أيضاً إلى إعادة بناء الثقة بمؤسساته. وهذه الثقة لا تُبنى إلا عندما تصبح الدولة هي المرجعية الوحيدة لإدارة الأموال العامة والمساعدات الخارجية.
نعم للمساعدة، نعم لإعادة الإعمار، نعم لأي دعم يخفف آلام اللبنانيين، ولكن تحت سقف القانون، وتحت سلطة الدولة اللبنانية، ووفق معايير الشفافية الدولية.



