Nouvelles Locales

التكنولوجيا والأطفال.. حين يصبح الهاتف أرخص من العطلة الصيفية

ريم نورالدين

لم تعد علاقة الأطفال بالتكنولوجيا مجرد قصة عابرة عن طفل يمسك هاتفًا لساعات طويلة. نحن أمام ظاهرة تتسع يومًا بعد يوم، وتفرض نفسها على الأسرة والمدرسة والمجتمع، خصوصًا في ظل واقع اقتصادي جعل كثيرًا من الأهل عاجزين عن توفير البدائل التي يحتاجها أطفالهم خلال العطلة الصيفية.
فالطفل اليوم يستطيع أن يقضي ساعات أمام لعبة إلكترونية دون أن يشعر بالوقت. ينتقل من مرحلة إلى أخرى، يربح، يخسر، ينافس، يتحدى، ويتفاعل مع عالم افتراضي صُمم أصلًا ليحافظ على انتباهه لأطول فترة ممكنة.
وفي المقابل، قد تبدو له الحياة خارج الشاشة أكثر مللًا: لا نادٍ صيفي، لا رحلة، لا دورة رياضية، لا مخيم، وربما لا مساحة آمنة للعب في الحي.
وهنا تبدأ المفارقة.
نطلب من الطفل أن يترك الهاتف، لكن ماذا سنقدم له في المقابل؟

ليست كل شاشة مشكلة:

من الخطأ التعامل مع التكنولوجيا باعتبارها عدوًا للطفولة. العالم تغير، والأطفال جزء من هذا العالم.
الألعاب الإلكترونية يمكن أن تمنح الطفل بعض المهارات، والمنصات الرقمية تفتح أمامه أبوابًا للتعلم والمعرفة، كما أن التكنولوجيا أصبحت جزءًا أساسيًا من التعليم والعمل والتواصل.
المشكلة تبدأ عندما تتحول التكنولوجيا من أداة يستخدمها الطفل إلى مساحة يعيش فيها معظم يومه.
عندما يصبح الجهاز أول شيء يبحث عنه عند الاستيقاظ وآخر شيء قبل النوم، وعندما يتحول من وسيلة ترفيه إلى الحل الوحيد للملل، وعندما يصبح إبعاده عن الشاشة سببًا دائمًا للصراخ والغضب، هنا يجب أن يتوقف الأهل ويسألوا أنفسهم: هل نحن أمام استخدام طبيعي أم أن التوازن بدأ يختفي؟
الطفل لا يريد اللعبة فقط.. بل يريد الشعور الذي تمنحه
الألعاب الإلكترونية لا تمنح الطفل مجرد صور وحركة.
إنها تمنحه إنجازًا سريعًا، ومكافأة، وتحديًا، وتنافسًا، وأحيانًا شعورًا بالانتماء إلى مجموعة من اللاعبين.
أما العالم الحقيقي فيحتاج إلى وقت وصبر.
اللعبة تمنح الطفل نتيجة خلال دقائق، بينما تعلمه كرة القدم أو الرسم أو القراءة أو الموسيقى يحتاج إلى تدريب وتدرج.
لذلك فإن إقناع الطفل بترك الشاشة لا يكون دائمًا بعبارة «هذا مضر لك»، بل بتقديم حياة حقيقية فيها ما يستحق أن يكتشفه.وهنا تكمن الصعوبة الأكبر.

عندما يصبح الوضع الاقتصادي جزءًا من المشكلة:

في لبنان، لا يمكن فصل ظاهرة تعلق الأطفال بالشاشات عن الأزمة المعيشية.
فالعطلة الصيفية التي كان يمكن أن تكون فرصة لاكتشاف المواهب وممارسة الرياضة والمشاركة في المخيمات والأنشطة الثقافية، أصبحت بالنسبة إلى كثير من الأسر موسمًا آخر من الحسابات.
كم يبلغ القسط المدرسي؟
كم تكلفة الكتب؟
ماذا عن النقل؟
ماذا عن القرطاسية والملابس؟
وكيف يمكن تأمين كل ذلك مع ارتفاع كلفة المعيشة؟
عندما يكون الأب أو الأم منشغلين بتأمين أقساط المدرسة للعام المقبل، يصبح الاشتراك في نادٍ رياضي أو دورة فنية أو مخيم صيفي بندًا يمكن الاستغناء عنه.
ليس لأن الأهل لا يريدون ذلك لأطفالهم، بل لأن الأولويات أصبحت أقسى.
وهكذا يجد الطفل نفسه أمام ساعات طويلة من الفراغ، بينما يكون الهاتف أو الجهاز اللوحي هو النشاط الأسهل والأقل كلفة.
لا يجوز أن نحمّل الأهل وحدهم المسؤولية
من السهل أن نقول: «ضعوا وقتًا محددًا للشاشة».
لكن التربية ليست تعليمات مكتوبة على ورقة.
هناك أم لديها أكثر من طفل، وأب يعمل ساعات طويلة، وأسرة تحاول دفع أقساط المدرسة وتأمين احتياجات المنزل، وطفل يشعر بالملل، وربما لا توجد حديقة قريبة أو ملعب آمن أو نشاط مجاني يمكن أن يشارك فيه.
في هذه الظروف، يصبح الهاتف أحيانًا «الحل المتاح».
وهذا لا يعني أن الاستسلام أمام الشاشة هو الحل الصحيح، لكنه يعني أن معالجة الظاهرة تحتاج إلى فهم الواقع الذي تعيشه الأسرة، لا إلى محاكمة الأهل.

أين البدائل؟

ربما السؤال الذي يجب أن نطرحه كمجتمع ليس فقط: لماذا يستخدم الأطفال التكنولوجيا كثيرًا؟
بل: ماذا وفرنا لهم خارج التكنولوجيا؟
هل توجد ملاعب مجانية؟
هل توجد مكتبات وأنشطة قراءة؟
هل تنظم البلديات أيامًا رياضية للأطفال؟
هل هناك مخيمات صيفية بأسعار رمزية؟
هل تستطيع المدارس فتح ملاعبها خلال العطلة؟
هل توجد مبادرات محلية تمنح الطفل فرصة للرسم والموسيقى والرياضة والمطالعة من دون أن تكون الكلفة عائقًا أمامه؟
إذا أردنا أن نقلل اعتماد الأطفال على الشاشات، علينا أن نبني عالمًا حقيقيًا يستطيع الطفل أن يجد فيه المتعة والانتماء والإنجاز.
ليس المطلوب حرمان الطفل من التكنولوجيا
الحل ليس في سحب الهاتف بالقوة، ولا في منع الألعاب الإلكترونية بشكل كامل.
الحل في الحدود والتوازن.
وقت محدد للشاشة، ونوم منتظم، وحركة يومية، ووقت للحديث مع العائلة، وفرصة للعب الحقيقي، ومساحة للطفل كي يكتشف بنفسه ما يحب.
والأهم أن يشارك الأهل أطفالهم بعض هذه الأنشطة.
فالطفل الذي يسمع «اترك الهاتف» عشر مرات في اليوم لن يتغير بالضرورة، لكن الطفل الذي يسمع «تعال نلعب سويًا» قد يجد سببًا حقيقيًا ليغلق الشاشة.

الطفولة ليست رفاهية:

أخطر ما في المسألة أن تتحول الأنشطة التي تساعد الطفل على بناء شخصيته إلى رفاهية لا يستطيع تحملها إلا من يملك القدرة المادية.
فالرياضة ليست رفاهية.
واللعب ليس رفاهية.
والتفاعل الاجتماعي ليس رفاهية.
والفن والقراءة واكتشاف المواهب ليست أمورًا ثانوية في حياة الطفل.
نحن بحاجة إلى أن نفكر في هذه المسألة باعتبارها مسؤولية اجتماعية أيضًا، لا مسؤولية الأسرة وحدها.
فحين يعجز الأهل عن تسجيل أطفالهم في عدة أنشطة بسبب الوضع الاقتصادي، يجب ألا يكون البديل الوحيد هو الشاشة.
يمكن للمجتمع المحلي، والبلديات، والمدارس، والجمعيات أن تؤدي دورًا أكبر في توفير أنشطة مجانية أو منخفضة الكلفة خلال العطلة.

بين طفولة الأمس وطفولة اليوم

جيل الأمس كان يشعر بالملل فيخرج إلى الشارع، يبحث عن أصدقائه، يخترع لعبة، يركض، يتشاجر ثم يتصالح ويعود إلى المنزل متعبًا.
أما طفل اليوم فقد يفتح هاتفه بمجرد أن يشعر بالملل.
لكن علينا أن نتذكر أن الطفل لم يختر العالم الذي ولد فيه.
نحن من صنعنا عالمًا أصبحت فيه التكنولوجيا حاضرة في كل تفاصيل الحياة، ثم طلبنا من أطفالنا أن يعرفوا وحدهم كيف يضعون الحدود.لذلك فإن الحل لا يبدأ بمنع التكنولوجيا، بل بتعليم الطفل أن العالم أكبر من الشاشة.

أن هناك كرة يمكن أن يركض خلفها، وكتابًا يمكن أن يفتح صفحاته، وصديقًا يمكن أن يضحك معه، وشجرة يمكن أن يزرعها، ووالدًا أو أمًا يمكن أن يجلسا معه ويتحدثا، وحياة حقيقية لا تحتاج إلى اتصال بالإنترنت حتى تكون ممتعة.

 

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى