Exclusif

وزارة التربية… حين يصبح اليومان مدرسةً والعجز سياسةً

ريم نورالدين الشعار

أيّ مستقبل تريد وزارة التربية أن تبنيه لأطفال لبنان، إذا كانت بعض المدارس الرسمية عاجزة عن تأمين الحد الأدنى من الانتظام الدراسي؟

المشهد الذي يعيشه الأهالي اليوم لم يعد يحتمل التجميل: طلاب يذهبون إلى المدرسة يومين، وربما ثلاثة، فيما بقية الأيام تضيع بين غياب الأساتذة، دمج الصفوف، نقص الكادر التعليمي وتعقيدات الإدارة.

فهل هذا هو التعليم الرسمي الذي تتحدث عنه وزارة التربية؟

الوزارة أعلنت اعتماد أربعة أيام تدريس أسبوعيًا في التعليم الرسمي، وتحدثت عن إعطاء الأولوية لتأمين أفراد الهيئة التعليمية للمدارس كافة. لكن بين القرارات التي تُكتب في المكاتب والواقع الذي يعيشه الطالب داخل المدرسة، تبدو الهوة كبيرة جدًا.

الطالب لا يتعلم بالقرارات، بل بحضور أستاذه.

ولا يمكن أن يُطلب من الأهالي أن يثقوا بالمدرسة الرسمية فيما ابنهم يذهب إلى المدرسة ولا يجد أستاذًا لمادته، أو يُجمع مع صف آخر، أو يعود إلى المنزل لأن النصاب التعليمي غير مكتمل.

المشكلة هنا ليست في المعلمين الذين يعملون ضمن ظروف صعبة، ولا في مديري المدارس الذين يحاولون سدّ الثغرات بما لديهم من إمكانات. المشكلة في إدارة قطاع تربوي يفترض أن تكون مهمته الأولى والأخيرة هي ضمان حق الطفل في التعليم.

والأخطر أن يتحول الاستثناء إلى قاعدة، والعجز إلى أمر واقع.

كيف يمكن لطالب في الصفوف الأساسية أن يبني مهاراته في القراءة والكتابة والحساب إذا كان دوامه غير منتظم؟ وكيف يمكن أن نطالبه باللحاق بزملائه في المدارس الخاصة، بينما يحصل زميله على ساعات تعليم منتظمة، فيما هو ينتظر وصول أستاذ أو اكتمال ملاك؟

ثم نتحدث عن تكافؤ الفرص!

أي تكافؤ فرص هذا؟

طالب في المدرسة الخاصة يتعلم، وطالب في المدرسة الرسمية ينتظر أن تبدأ المدرسة بالتعليم.

وزارة التربية تتحدث عن خطط إصلاحية، وعن تطوير التعليم والتحول الرقمي وتعويض الفاقد التعليمي، وقد أعلنت في نيسان 2026 عن مسارات وطنية لمعالجة الفاقد التعليمي. لكن قبل الحديث عن إصلاح النظام التعليمي، هناك سؤال أبسط بكثير:

هل تستطيع الوزارة أن تضمن للطالب أن مدرسته ستفتح، وأن أستاذه سيكون موجودًا، وأن حصصه ستُنجز؟

إذا كانت الإجابة لا، فكل الكلام عن الإصلاح يبقى ناقصًا.

الأهل لا يريدون مؤتمرات ولا شعارات ولا بيانات مطوّلة. يريدون مدرسة تفتح أبوابها، أستاذًا حاضرًا، منهاجًا يُنجز، وطفلًا يعود إلى منزله وقد تعلّم شيئًا جديدًا.

أما أن يصبح العام الدراسي سلسلة من أيام الحضور المتقطع، فهذا ليس حلًا لأزمة التعليم، بل ترحيل للأزمة إلى مستقبل أولادنا.

والمسؤولية هنا تقع على وزارة التربية، لأنها الجهة التي يفترض أن تضع الخطة وتؤمّن التنفيذ وتراقب المدارس، لا أن تكتفي بإصدار القرارات ثم تترك المدير والأستاذ والأهل يواجهون النتائج كلٌّ على طريقته.

التعليم الرسمي لا يحتاج إلى تبرير الفشل، بل إلى إدارة تمنع الفشل.

فإلى وزارة التربية:
لا يكفي أن تقولوا إن المدرسة الرسمية تعمل أربعة أيام.
قولوا للأهل كم ساعة تعليم فعلية يحصل عليها أبناؤهم، وكم حصة ضاعت، وكم أستاذًا ينقص كل مدرسة، ومتى ستُعالج هذه المشكلة.

لأن مستقبل طفلٍ واحد ليس رقمًا في جدول الوزارة.

ومدارسنا ليست أماكن لتمرير العام الدراسي… بل المكان الذي يُصنع فيه مستقبل لبنان.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى