
هناك أمهات لا ينقصهنّ الحب…
ينقصهنّ فقط من يحمل عنهنّ قليلًا من هذا الحمل.
أمهات يعشن بعيدًا عن أهلهنّ، في غربة لا يجدن فيها أمًا تحتضنهنّ، أو أختًا تأخذ عنهنّ الأطفال لساعتين، أو شخصًا يقول لهنّ ببساطة:
«روحي ارتاحي… أنا بتكفّل فيهن.»
وهذا النوع من التعب لا يراه أحد.
تستيقظ الأم باكرًا، تطعم أطفالها، ترتب البيت، تطبخ، تنظف، تتابع دراستهم، تستمع إلى طلباتهم وشكاواهم، تعمل إن كانت تعمل، وتحاول في الوقت نفسه أن تبقى حاضرة، صبورة، حنونة، ومتماسكة.
لكن الحقيقة التي ننسى أحيانًا أن نتذكرها هي أن الأم، مهما كانت قوية، تبقى إنسانة.
وللإنسان طاقة محدودة.
هناك يوم يصل فيه الجسد إلى حدّه، ويصبح العقل عاجزًا عن احتمال المزيد. قلة النوم، الإرهاق، الضغط النفسي، المسؤوليات المتراكمة والعمل المتواصل… كلها تجعل الإنسان أكثر توترًا وأقل قدرة على ضبط انفعالاته.
فتأتي لحظة صغيرة…
يطلب الطفل الشيء نفسه للمرة العاشرة.
يتشاجر الأخوان.
ينسى أحدهم واجبه.
ينسكب شيء على الأرض.
يرتفع الضجيج.
وفجأة… تنفجر الأم.
ترفع صوتها.
تغضب.
وربما تقول كلامًا كانت تتمنى لو لم تقله.
ثم، بعد دقائق، أو بعد أن ينام الأطفال، تجلس وحدها.
وتبدأ محاكمتها لنفسها:
«ليش عصّبت؟»
«شو ذنبهم؟»
«أنا وعدت حالي ما صير هيك.»
«أنا أم سيئة؟»
وربما تبكي.
ليس لأنها لا تحب أطفالها…
بل لأنها تحبهم إلى درجة أنها تتألم عندما تشعر أنها لم تمنحهم النسخة التي كانت تتمنى أن تكونها من نفسها.
لكن هناك حقيقة يجب أن تعرفها كل أم:
التعب لا يلغي الحب.
والعصبية في لحظة إنهاك لا تعني أن قلبك قاسٍ، ولا أنك أم سيئة، ولا أنك لا تعطين أطفالك ما يحتاجونه.
أحيانًا…
أنتِ فقط مُنهكة.
خصوصًا الأم التي تعيش بعيدًا عن أهلها.
الأم التي لا تملك رفاهية أن تمرض.
لا تستطيع أن تقول:
«اليوم أنا تعبانة… خذوا الأولاد عني.»
لا يوجد من يطبخ عنها.
لا يوجد من يأخذ الأطفال قليلًا لتنام.
لا يوجد من يلاحظ أن عينيها حمراوان من قلة النوم، وأنها لم تجلس بهدوء منذ أيام، فيقول لها:
«نامي… أنا هون.»
فتكمل.
تكمل وهي موجوعة.
تكمل وهي متعبة.
تكمل رغم أن طاقتها نفدت.
وأحيانًا تكون هي نفسها بحاجة إلى حضن، أكثر مما يحتاج أطفالها إلى حضنها.
لهذا، ربما علينا أن نتوقف عن سؤال الأم:
«ليش عصّبتي؟»
ونسألها بدلًا من ذلك:
«قديش صارلك ما ارتحتي؟»
«مين عم يساعدك؟»
«متى آخر مرة نمتي نومًا كافيًا؟»
«مين شايل عنك؟»
لأن الأم لا تحتاج دائمًا إلى نصيحة تربوية جديدة.
أحيانًا تحتاج فقط إلى شخص يحمل عنها طفلًا، أو يغسل عنها الصحون، أو يحضر لها فنجان قهوة، أو يجلس بجانبها من دون أن يحاكمها ويقول:
«أنا فاهم قديش تعبانة.»
والأم نفسها يجب أن تتعلم ألا تعاقب ذاتها إلى الأبد على لحظة فقدت فيها أعصابها.
إذا أخطأتِ، اعتذري.
اقتربي من أطفالك.
احتضنيهم.
قولي لهم:
«ماما كانت تعبانة وعصبت، وكان المفروض أحكي بهدوء. أنا بحبكن.»
فالاعتذار لا يُسقط هيبة الأم.
على العكس، هو يعلّم الطفل أن الإنسان قد يخطئ، وأن القوة الحقيقية ليست في ألا نخطئ أبدًا، بل في أن نعترف بخطئنا ونحاول إصلاحه.
وفي نهاية اليوم، عندما ينام أطفالك، لا تنظري إليهم وتفكري فقط بكل الأشياء التي قصّرتِ فيها.
تذكري أيضًا أنكِ أطعمتِهم.
اهتممتِ بهم.
تابعتِ دراستهم.
حملتهم.
سمعتِهم.
عملتِ من أجلهم.
ضحكتِ معهم…
وربما فعلتِ كل ذلك وأنتِ بالكاد قادرة على الوقوف.
قد لا تكونين الأم التي تتخيلينها في رأسك كل يوم.
لكن هذا لا يعني أنكِ لستِ الأم التي يحتاجها أطفالك.
فبعض الأمهات لا يحتجن إلى أن يصبحن أقوى…
بل يحتجن فقط إلى أن يتوقف العالم قليلًا عن مطالبتهنّ بأن يكنّ قويات طوال الوقت.
وأحيانًا، كل ما تحتاجه الأم التي تعيش في الغربة هو شخص واحد…
شخص يقول لها:
«تعالي ارتاحي… أنا بشيل عنك شوي.»
وربما لا نعرف نحن، كم يمكن لهذه الجملة البسيطة أن تفعل.
لكن الأم التي عاشت وحدها، وتعبت وحدها، وبكت وحدها، ثم نهضت في الصباح وكأن شيئًا لم يكن…
تعرف تمامًا أن هذه الجملة قد لا تكون مجرد مواساة.
قد تكون طوق نجاة.



