
لم يكن الخطأ الإيرانيّ في اليمن عسكريّاً فحسب، بل كان، قبل ذلك، إخفاقاً في قراءة طبيعة المرحلة وحدود توظيف الوكلاء والأذرع الإقليميّة.
فقد راهنت طهران على أنّ تحويل الحوثيّين إلى أداة ضغط متقدّمة سيتيح لها توسيع هامش المواجهة مع السعودية والولايات المتّحدة، وتهديد المصالح المرتبطة بالتجارة والطاقة والملاحة الدوليّة، وتعزيز أوراقها التفاوضيّة مع واشنطن، من دون الاضطرار إلى تحمّل كلفة مواجهة مباشرة.
غير أنّ التطوّرات اللاحقة بدأت تختبر صلابة هذه المعادلة، وتكشف أنّ القدرة على استخدام الوكلاء لتوسيع النفوذ لا تعني بالضرورة القدرة على ضبط مسار المواجهة أو التحكّم في كلفتها.
استندت هذه المقاربة إلى قراءة إيرانيّة أوسع لموازين القوى في المنطقة. فبعد سقوط ورقة “حماس”، والضربات القاسية التي أضعفت “حزب الله”، وتبدّل موقع سوريا في المعادلات الإقليميّة، فضلاً عن تعقيدات المشهد العراقيّ وما يفرضه من حسابات، لم تعد الخيارات الإيرانيّة مفتوحة بالقدر نفسه الذي كانت عليه سابقاً.
في ظلّ هذه المعطيات، لم يعد اليمن مجرّد ساحة إضافيّة ضمن شبكة النفوذ الإيرانيّ، بل باتت أهميّته تتزايد بوصفه إحدى الأوراق التي يمكن لطهران التعويل عليها لتعويض تراجع هامش حركتها في ساحات أخرى. هكذا اكتسب الحوثيون قيمة استراتيجيّة مضاعفة، إذ أتاح موقع اليمن لطهران الاحتفاظ بوسيلة ابتزاز مؤثّرة في أمن البحر الأحمر وباب المندب، وفي الوقت نفسه إبقاء المواجهة مع السعودية والولايات المتّحدة ضمن مستوى لا يستدعي، نظريّاً، انخراطاً إيرانيّاً مباشراً.
غير أنّ هذا التقدير حمل في داخله احتمالًا لم يُؤخذ في الحسبان بما يكفي، يتمثّل في أن يؤدّي تصعيد الوكيل إلى تدويل الساحة التي يعمل فيها، وأن تتحوّل المسألة من نزاع يمنيّ وإقليميّ إلى قضيّة تمسّ العالم أجمع مباشرةً.
كانت نقطة الاختبار الحقيقيّة لهذا الرهان هي الميدان نفسه؛ فكلّما اتّسعت قدرة الحوثيين على التمدّد والاقتراب من باب المندب وغيره، ازدادت احتمالات انتقال الصراع من ورقة نفوذ إيرانيّة إلى أزمة تتجاوز حدود اليمن وحسابات أطرافه المباشرة.
هذا ما بدأ يتّضح مع الهجوم الحوثيّ الواسع في أيلول الماضي، الذي أتاح للجماعة التقدّم نحو مواقع ذات أهميّة استراتيجيّة والاقتراب أكثر من باب المندب. عندها، لم يعد التقدّم الحوثيّ مجرّد مكسب ميدانيّ في الصراع الداخليّ، بل بات يحمل تداعيات تتجاوز حدود اليمن، ليمسّ مصالح دوليّة مرتبطة بأمن الملاحة البحريّة.
هنا بدأ الواقع يفرض منطقه على المقاربة الإيرانيّة. فمع اتساع نطاق التهديد للممرّات البحريّة، تراجعت إمكانيّة التعامل معه باعتباره شأناً يمنيّاً أو سعوديّاً فقط.
وبالنسبة إلى واشنطن، لم يعد الأمر يتعلّق باتساع رقعة نفوذ جماعة مسلّحة فحسب، بل بموقع جغرافيّ يمنح إيران، بصورة غير مباشرة، ورقة إضافيّة في واحدة من أكثر مناطق العالم حساسيّة. ومن ثمّ، بدا التعويل على إمكان إبقاء الولايات المتّحدة خارج المواجهة المباشرة أو تقديم الدعم، والاكتفاء بترك السعودية تتحمّل العبء الأكبر في احتواء الحوثيين، افتراضاً يصعب الركون إليه مع تبدّل طبيعة التهديد واتّساع تداعياته الدوليّة.
في هذا السياق جاءت “معركة فجر اليمن” التي أعلنت القوات الحكوميّة إطلاقها، لتفتح أمام الصراع اتجاهاً مختلفاً. فالمعركة لا تبدو، وفق أهدافها، مجرّد محاولة لاستعادة مواقع ميدانيّة، بل مسعى لتغيير قواعد المواجهة نفسها، ينطلق من تأمين باب المندب ويمتدّ نحو استعادة زمام المبادرة وصولاً إلى صنعاء.
المعركة لن تكون سهلة أو سريعة، لكنّ نجاح هذا المسار في تثبيت مكاسبه قد يفتح الباب أمام انتقال المملكة من إدارة نزاع مفتوح يستنزفها اقتصاديّاً وأمنيّاً، إلى محاولة فرض معادلة عسكريّة جديدة، تقوم على إضعاف البنية القتاليّة للحوثيين، وتقليص نفوذهم وسيطرتهم على الممرّات الحيويّة، بما يُضعف قدرتهم على مواصلة حرب الاستنزاف.
غير أنّ دلالة ذلك لا تتحدّد بنتائج المعارك وحدها، لا سيما في ظلّ الحصار الحوثي الخانق لتعز، بل أيضاً بمدى القدرة على تحويل المكاسب الميدانيّة إلى واقع أمنيّ وسياسيّ مستدام. فاستعادة المواقع لا تعني بالضرورة حسم الصراع، كما أنّ إضعاف القدرات الحوثيّة لا يكفي، بمفرده، لضمان استقرار اليمن أو إنهاء التهديد الذي يطاول الملاحة الدوليّة.
ولا يجري هذا التحوّل في فراغ إقليميّ. فإلى جانب تبدّل الحسابات الأميركيّة، بدأت البيئة الأمنيّة المحيطة بالسعودية نفسها تشهد متغيّرات لافتة، وفي مقدّمها التفاهم الدفاعيّ بين السعودية وباكستان وتركيا.
وتكمن أهميّة هذه الخطوة في أنّها تشير إلى انتقال المملكة من مواجهة التهديد الحوثيّ ضمن معادلة ثنائيّة، إلى التعامل معه في إطار شبكة أوسع من الشراكات والقدرات الدفاعيّة. وقد أسهم اتّساع التعاون في مجالات الدفاع الجوّي، والطائرات المسيّرة، والاستطلاع، والحرب الإلكترونيّة، وغيرها، في تعزيز قدرة الرياض على احتواء هذا التهديد، رغم استمرار استهداف مطاراتها المدنيّة، مقارنةً بما كانت عليه هذه القدرة في مراحل سابقة.
من هنا تكتسب “فجر اليمن” دلالتها الأوسع. فهي ليست معركة على صنعاء أو باب المندب وحدهما، ولا فصلاً جديداً من حرب بدأت عام 2015، بل اختبار لاحتمال تغيّر المعادلات الأمنيّة في المنطقة. فإذا نجحت القوات الحكوميّة وحلفاؤها في تثبيت مكاسبهم، فقد تتحوّل الساحة اليمنيّة من إحدى أدوات توسيع النفوذ الإيرانيّ إلى إحدى جبهات احتوائه.
وإذا كانت السنوات الماضية قد كرّست منطق إدارة الصراعات عبر الأذرع والرسائل غير المباشرة، فإنّ المتغيّرات الراهنة توحي بأنّ هذه الاستراتيجيّة بدأت تواجه نتائج معاكسة لأهدافها. فالأداة التي راهنت عليها طهران لتوسيع حضورها بأقلّ كلفة ممكنة قد تتحوّل إلى عامل يرفع كلفة هذا الحضور ويضيّق هامش حركتها الإقليميّة، في مفارقة قد تجعل إحدى أوراق نفوذها أداةً لتطويقه والحدّ من تمدّده.



