Exclusif

مضيق هرمز: من يحاصر مَن؟ الولايات المتحدة أم إيران؟

جعفر عبد الخالق

السؤال المطروح مهم بسبب تناقض التصريحات المتبادلة، لأننا أمام مفارقة جيوسياسية وجيواقتصادية: النفط يتدفق عبر مضيق هرمز، بينما تتحدث واشنطن عن حصار إيران، وتتحدث طهران عن قدرتها على التحكم بالمضيق.
لكن يجب التمييز بين ثلاثة أمور مختلفة:
1. السيطرة على المضيق: امتلاك القدرة العسكرية على التأثير في حركة السفن.
2. حصار المضيق: منع السفن من العبور أو جعل المرور محفوفاً بمخاطر غير مقبولة.
3. حصار إيران: منع صادراتها النفطية ووارداتها وإيراداتها من الوصول إلى الأسواق الدولية.
هذه ليست عمليات متطابقة، ولا تعني إحداها بالضرورة تحقق الأخرى.
أولاً: ماذا يجري فعلياً في 30 تشرين الأول 2026؟
المشهد الحالي ليس مجرد تهديد إيراني بإغلاق هرمز، بل هو مواجهة بحرية مزدوجة:
• الولايات المتحدة: تفرض حصاراً بحرياً على الشحن المرتبط بالموانئ الإيرانية، منذ إعادة فرضه في 14 تموز 2026، بهدف خنق الصادرات النفطية الإيرانية.
• إيران: تستخدم موقعها الجغرافي وقدراتها البحرية والصاروخية لفرض قيود ومخاطر على حركة السفن، وتطالب عملياً بأن يكون المرور وفق شروطها.
• الدول الخليجية: تجد نفسها في موقف صعب؛ فالسفن التي تحمل نفطها تحتاج إلى المرور عبر المضيق، فيما تتعرض الملاحة للتهديد من الطرفين.
وهناك تفصيل مهم: بيانات حركة النفط تشير إلى أن السعودية رفعت شحناتها عبر هرمز في أيلول إلى نحو 2.58 مليون برميل يومياً، فيما تراجعت صادرات إيران عبر المضيق إلى نحو 100 ألف برميل يومياً تحت تأثير الحصار الأميركي.
وفي 30 تشرين الأول، سُجلت هجمات على ناقلات نفط، كما أعلنت إيران اعتراض ناقلات قالت إنها خالفت تعليماتها الملاحية. ثانياً: هل تحاصر أميركا إيران أم تحاصر هرمز؟
الجواب الأدق: أميركا تحاصر إيران بحرياً، لكنها لا تستطيع اعتبار ذلك حصاراً كاملاً لمضيق هرمز.
هناك فرق استراتيجي:
المجال الهدف الأميركي
الموانئ الإيرانية منع حركة التجارة البحرية الإيرانية
صادرات النفط الإيرانية تجفيف الإيرادات
بحر العرب وخليج عمان مراقبة السفن واعتراض المرتبط منها بإيران
مضيق هرمز إبقاء الممر مفتوحاً للملاحة الدولية
وقد أشارت تقارير إلى أن القوات الأميركية تنفذ مهمتين متوازيتين: حصار إيران وحماية حركة النفط عبر المضيق.
ثالثاً: هل إيران تحاصر هرمز؟
إيران لا تحتاج إلى امتلاك السيطرة البحرية الكاملة على المضيق كي تعطل الملاحة.
فهي تمتلك أدوات مختلفة:
• الصواريخ الساحلية.
• الطائرات المسيّرة.
• الألغام البحرية.
• الزوارق السريعة.
• القدرة على استهداف الناقلات ورفع كلفة التأمين البحري.
وهنا تكمن المفارقة: تستطيع إيران التأثير في حركة الملاحة حتى لو كانت القوة البحرية الأميركية أكبر بكثير منها.
وبالتالي، فإن إيران تمارس نوعاً من الحصار الوظيفي أو الردعي: لا يشترط أن تغلق المضيق قانونياً أو عسكرياً بصورة كاملة، بل يكفي أن تجعل المرور غير آمن أو مشروطاً بإرادتها.
رابعاً: لماذا يستمر النفط بالتدفق إذا كان المضيق محاصراً؟
هذه هي النقطة الأكثر أهمية، والإجابة كالتالي:
• بلغت صادرات النفط الخام من الخليج 24.6 مليون برميل يومياً في الأسبوع المنتهي في 18 تشرين الأول، متجاوزة متوسط ما قبل الحرب.
• نحو 40% من صادرات الخليج باتت تتجاوز مضيق هرمز عبر خطوط الأنابيب وطرق بديلة.
• تعتمد بعض الناقلات على نقل النفط من سفينة إلى أخرى قبالة عُمان والإمارات لتقليل مدة تعرضها للخطر.
• رغم ذلك، ارتفعت كلفة نقل البرميل إلى نحو 40 دولاراً في بعض الحالات، بسبب التأمين والمخاطر اللوجستية.
إذن، تدفق النفط لا يعني أن المضيق عاد إلى طبيعته؛ بل إن الأسواق ابتكرت طرقاً للتكيف مع الأزمة.
خامساً: القراءة الجيوسياسية الأعمق
أرى أن الصراع انتقل إلى معادلة استراتيجية جديدة:
الولايات المتحدة إيران
تريد حرمان إيران من عائدات النفط تريد حرمان واشنطن من احتكار قرار الملاحة
تسيطر على قدرات بحرية أكبر تمتلك ميزة الجغرافيا
تريد حماية تدفق النفط الخليجي تستطيع رفع كلفة تدفقه
تستخدم الحصار الاقتصادي والبحري تستخدم التهديد البحري والردع غير المتكافئ
وهنا تظهر المفارقة الكبرى:
أميركا تستطيع أن تمنع إيران من تصدير نفطها، لكن إيران تستطيع أن تجعل تصدير نفط الآخرين مكلفاً وخطراً.
وهذه ورقة ضغط اقتصادية وجيوسياسية بالغة الأهمية.
سادساً: من يملك المبادرة الاستراتيجية؟
لا أعتقد أن أياً من الطرفين حقق نصراً حاسماً في معركة هرمز.
• أميركا تتفوق في السيطرة البحرية التقليدية والحصار.
• إيران تحتفظ بقدرة التعطيل ورفع كلفة المواجهة.
• دول الخليج تتحمل جانباً كبيراً من المخاطر الاقتصادية.
• الصين والدول المستوردة للطاقة تتأثر بارتفاع أسعار النفط وكلفة النقل.
وتؤكد هجمات الناقلات المسجلة في 30 تشرين الأول أن خطر التصعيد لا يزال قائماً.
الخلاصة الإيراني، مع إبقاء نفط الخليج متاحاً للأسواق؟
هذا، في تقديري، جوهر المعركة الجيواقتصادية الحالية.
:
لا أميركا تحاصر هرمز بالمعنى الجغرافي الكامل، ولا إيران تسيطر عليه سيطرة مطلقة.
نحن أمام حصارين متعاكسين:
• حصار أميركي لإيران بهدف خنق اقتصادها.
• حصار إيراني وظيفي لحركة الملاحة، عبر التهديد والتحكم بالمخاطر.
لكن السؤال الاستراتيجي الحقيقي ليس: من يغلق مضيق هرمز؟ بل من يستطيع تحمّل كلفة إغلاقه أو تعطيله مدة أطول؟
وهنا نطرح فرضية تستحق البحث: هل تحاول واشنطن تحويل هرمز من ورقة ضغط إيرانية على الاقتصاد العالمي إلى ورقة ضغط أميركية على الاقتصاد أشرح أكثر عن الفرضية القائلة بأن واشنطن تحوّل هرمز إلى ورقة ضغط على الاقتصاد الإيراني

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى